الرئيسية » مقالات » خارطة القوى السياسية العراقية … مخاطر التقييمات الخاطئة

خارطة القوى السياسية العراقية … مخاطر التقييمات الخاطئة

أود أولاً أنْ أحيي القراء الكرام على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية، وأنْ أُعرف نفسي، فأنا ( منصور صفوت قابيل ) أحد مناصري الحزب الإسلامي العراقي.
لقد أتيحت لي فرصة لقراءة مقال الكاتب محمد ثجيل هاشم في موقع (كتابات) في 12/11/2008 بعنوان (حظوظ الأحزاب العراقية في الانتخابات المحلية المقبلة ـ الحزب الإسلامي والانتخابات). وقد ترك هذا المقال لدي انطباعا سيئاً لعدم دقة الكثير من المضامين والتحليلات، فالمقال تضمّن تصورات غير واقعية بشأنْ واقع ومستقبل القضايا التي تحدث عنها.
أنا أعيش في بغداد حالياً، لكني عشت لفترات متفاوتة في العديد من المحافظات الغربية ( السنية ) بحكم ارتباطاتي الأسرية، ومثل الكثيرين من أبناء هذه المناطق كنت أحد شهود العيان على مستوى الصراع الدموي بين عناصر القاعدة من جهة والحزب الإسلامي من جهة أخرى، الذي كانت تغذيه دوائر مشبوهة معروفة..!! وكان من نتائجه استشهاد أكثر من (120) من الكوادر البارزة للحزب في الانبار وحدها، ومن المشهود لهم بأنهم من أخيار الناس في تلك المناطق. والغريب في الأمر إن ذلك الصراع كشف حقيقة أن القاعدة تخلت عن هدفها المعلن وهو مقاتلة قوات الاحتلال، ووجهت فوهات بنادقها وقنابلها وعبواتها الناسفة ضد أعضاء الحزب الإسلامي وأنصاره وعوائلهم ومنازلهم وممتلكاتهم. وهو مما عجل في فضح ارتباطاتها والجهات التي تخطط لها وتمولها.
وأما تساؤل الكاتب عن الشيء الذي أدى إلى تغييب الصوت الجماهيري لعموم السكان في هذه المحافظات، فقد أصبح واضحا للقاصي والداني أن الجواب على ذلك، هو الضغط المتواصل من قبل القاعدة والاحتلال والقوات الحكومية وبعض العناصر الهامشية التي رفعت لافتات دعائية كبيرة رغم أنها لا تمتلك أي رصيد شعبي حقيقي.
وينحدر الكاتب بشدة نحو الانحياز وعدم التجرد عندما يقول بان ( المجتمع السنّي العراقي يميل إلى اللا تنظيم بطبيعته ويحبذ حالة الانفلات والانصهار الحميم في بوتقة السلطة المتنفذة ) فنعتقد أنّ في هذا القول ظلم كبير لأبناء السنة وهم ُبناة الدولة العراقية الحديثة باعتراف منافسيهم وخصومهم على حد سواء. وعندما يمضي الكاتب في سرد تصوراته نجده ينزلق إلى هاوية إطلاق افتراءات أخرى من بينها اتهام الحزب الإسلامي بأنه استغل الواقع الأمني الذي فرضه وجود الاحتلال الأجنبي لكي يتبوأ موقع الصدارة في معادلة التوازن والمحاصصة دون تنافس. وهذا الكلام مردود عليه، فالتضحيات الجسيمة التي بذلها الحزب من اجل استتباب الأمن يكذّب تلك الادعاءات. فقد حمل أعضاؤه وأنصاره السلاح وضحوا بأنفسهم وعوائلهم وممتلكاتهم من اجل مقاتلة العناصر المارقة التي تسترت بستار الدين، مثلما حملوا السلاح دفاعاً عن عزة الشعب والوطن.
وحين يتكلم الكاتب عن الثقل النوعي للحزب الإسلامي في الشارع، ويشكك في وجود مثل ذلك الثقل، نقول له بأنه يكفي لأي منصف أنْ يطلع على حجم المراجعات لأبناء الشعب إلى الدوائر التي يقف على رأسها قياديو الحزب ـ برغم محدودية مواردهم ـ ليتأكد كم هو حجم التأييد والثقة الجماهيرية للحزب كتنظيم ولرموزه الوطنية في مختلف المواقع.
وعندما يتمادى الكاتب من أجل البناء على تلك الأسس غير الصحيحة ساعياً إلى إقناع القارئ بأن ما يُطلق عليه بالمحافظات السنية ستشهد صراعا حتميا بين الحزب الإسلامي وبين القوى العلمانية، وسيؤدي إلى انتصار تلك القوى، فانه يدخل في خانة الأمنيات المتهالكة والمغرضة، والسعي المحموم لتأجيج مشاعر الانتقام والثأر البغيض، وبالتالي إعادة دوامة العنف وحمامات الدم إلى تلك المناطق. وهذه إيماءات مشبوهة لا تجد لها أي حظ من المصداقية تبعاً لمجريات الأحداث الراهنة وطبيعة العلاقات القائمة بين أبناء هذه المحافظات على اختلاف انتماءاتهم السياسية. فالتحالفات التي عقدها الحزب الإسلامي مع مختلف القوى السياسية والعشائرية في الفترة الأخيرة تُظهر بأن هذه القوى أصبحت أكثر قناعة بأهمية الدور والوجود الفاعل للحزب الإسلامي في عموم الساحة السياسية العراقية وليس في محافظات محددة، ولذلك نجدها ترحب بل وتتفاخر بالتحالف معه أو في الأقل التفاهم وعدم التقاطع معه.
لقد كان الحزب الإسلامي متميزا في أسلوب عمله الجماهيري، وانتهج منهج المكاشفة الصريحة مع أبناء العراق في مختلف محافظاته، فخاطب الناس بلغة واضحة لا غموض فيها مؤكدا على انه سيعمل قدر ما يستطيع لخدمة الشعب والحفاظ على ثرواته والدفاع عن مصالحه، وانه لن يتستر على أي مسيء يسعى لاستباحة حرمات الناس وثرواتهم حتى ولو كان من المقربين أو المحسوبين عليه، واعتبر أن مثل هؤلاء إنما يسيئون للحزب أولاً، وانه لن يحمي المسيئين. ومن الجدير بالإشارة هنا إلى القرار الذي اتخذه السيد طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية عندما دعا هيئة النزاهة لتقوم بكل ما تراه مناسبا من اجل التحقيق مع أي شخص وفي أي ملف يخص مكتبه وفي أي وقت تشاء. في حين اتخذ رئيس الوزراء موقفا معاكسا تماما عندما رفض السماح لهيئة النزاهة بالتحقيق مع منتسبي رئاسة الوزراء… والعاقل يفهم..!!
على أية حال… أشدد هنا على أن مثل هذه المواقف إنما تؤكد ثقة الحزب بنفسه وانه تعلم من تجاربه ليصبح أقوى وأكثر فهماً من السابق، وان سلاحه الأساس هو الصدق مع الله والشعب ونظافة اليد والحرص على المصالح الوطنية العليا.
أما الذين يوهمون القراء بأن المستقبل سيكون بكذا وكذا… وان الخارطة السياسية المحلية ستتغير، فنقول لهم ..نعم ستتغير .. لكنها ستتغير باتجاهات أخرى غير تلك التي يشير إليها الكاتب. وسيلفظ الشعب سراق المال العام وعملاء دول الجوار والاحتلال، ومستبيحي الحرمات والمتاجرين بالقضية الوطنية.
وأرجو أنْ أنبه القراء الكرام إلى أنّ المشكلة ليست في كون هذا الحزب أو ذاك إسلامي النزعة أو علماني، ولكن المشكلة الحقيقية في من فقدوا الغيرة الوطنية والعربية والإسلامية، وهيمنوا على مقاليد الأمور، وسلموا مفاتيح البلاد بيد القوى الأجنبية على اختلاف مسمياتها.
أما القوى الوطنية فهي على خير طالما استظلت بمظلة الوطنية، وستتمكن على الدوام من أنْ تجد القواسم المشتركة فيما بينها، على هدي المصالح العليا، وأنْ تتجنب شرور ما يحاك لها في الظلام بإذن الله.