الرئيسية » مقالات » الرايات الحمراء تملأ شوارع القاهرة وبغداد

الرايات الحمراء تملأ شوارع القاهرة وبغداد

قبل سنين مضت , قرأت قصة مصرية قصيرة عن ضابط شاب في سلك الشرطة له ميول يسارية يخفيها , يكلف هذا الضابط يوما بواجب الوقوف في تقاطع إحدى الساحات مع مجموعة من شرطة مكافحة الشغب , لمراقبة الشوارع المهمة , حيث من المتوقع حصول حوادث خروج على القانون , ومعنى ذلك عنده تجمعات جماهيرية غير مصرح بها , ولم يحددوا له هدفها , وقف الضابط مع مجموعته يراقب وينتظر , وتذهب به الأفكار والظنون يسارا ويمينا , كيف يتوجب عليه التصرف ؟ والأحداث الكبيرة قادمة و ومن يجروء على تحدي السلطات وتحمل بطشها ؟

بعد طول انتظار سمع الصرخات بعيدة هادرة مدوية , مظاهرة جماهيرية عريضة واسعة طويلة بين راكب وراجل , الغريب والمدهش والمثير كان مايرفعونه من رايات !, أعلام ولافتات حمر قانية , هي ولاشك صبغة اليسار والعمال والشيوعية , لاحظ الضابط الشاب ذلك مبهورا ثم ناجى نفسه

– فعلها العمال إذن ! , نزل اليسار وجماهيره إلى الساحة لإزالة الاستغلال والقهر والاستبداد , ثم تأخذه الحيرة وكيف سيتصرف إذا طلب منه استعمال الشدة أو تفريق التظاهرة ؟ وما سيأمر به مجموعته المتحفزة من الشرطة للطاعة والتنفيذ , وهل سيتخلى عن فكره في سبيل الاستمرار بعمله وأداء واجبه ؟ أتاه الجواب المنقذ سريعا فقد اقتربت الأصوات وأصبح يميزها .

– الأهلي حديد , الأهلي حديد .

وفهم جلية الأمر , وانقلبت حيرته إلى تلمس مقدار سطحية وتفاهة الموقف , كانت الجماهير الزاحفة , غير (طبقية ) !, بل (أهلاوية ) نسبة للنادي الأهلي القاهري لكرة القدم , الذي يميز اللون الأحمر قمصان لاعبيه عند أدائهم المباريات , كما يرتديه ويرفعه الآلاف من مشجعيهم كرمز للحب والانتماء , وهم يحتفلون الآن وأمامه بفوز فريقهم العزيز في إحدى المباريات .

استعدت ذكرى هذه القصة الرائعة وأنا أشاهد وأتابع ماتنقله الفضائيات عن حدثين منفصلين ولكن متشابهان تقريبا , فالنادي الأهلي القاهري مثلا لازال مستمرا على اضهار أصالته واحمراره في الشدائد وإمتاع جمهوره ليكلل جهوده الرياضية بالفوز بكاس الأندية الإفريقية للكرة , ولا اقرأ بل أشاهد هذه المرة الأعلام والرايات الحمر ترتفع وتتراكض وتتقافز في شوارع القاهرة بأيدي أبناء من ساروا في التظاهرة القديمة ودوخوا الضابط الشاب الذي هو الآن على الأكثر يشاهد مثلي ,خيبته , وتكرار المشهد , وزحف الجماهير الكبير تحية للأهلي الأحمر , وكرة القدم , ولسان حاله يقول (لافائدة ) لم يتبدل شيء ولا زال الفرز والوعي الطبقي بعيد المنال ,.

ذلك مايحصل في القاهرة , فما بال بغداد ؟ وبقية أحداث , روايتي القصيرة ! , قلبت المحطات ابحث عن أخبار مدينتي , لأشاهد شوارعها زاهية في الفضائيات , وإذا بالرايات الحمر ذاتها , وربما اكبر حجما ترفعها الأيادي العراقية , هذه المرة , وتسير وتركض بها وتهتف , تمعنت جيدا في الوجوه , الأجساد , الصرخات , ليست بالغريبة , هي نفس الجماهير الشابة المسحوقة المتحمسة التي يصدمني زحامها كل يوم صباح مساء , تتدافع ويعلوا صراخها في التلفاز , ولكن الأكيد أن لا علاقة لها أو تربطها بالنادي المصري , كما لا أتذكر لنا فريق أو ناد بغدادي لكرة القدم , رموزه حمراء , وألوانه قانية .

ياللروعة دعوني احلم إذن وأتصورها عودة للأربعينات وخمسينات القرن الماضي و (العلم الأحمر ) يرفرف بأيدي الصبية قبل الشبان والشيوخ ! , فهل هذا فجر جديد للعراق ويساره ؟ وهل خرجت للشارع ثانية البنية الأساسية لأحزابه ؟ العمال والفلاحين والكسبة والكادحين تصحبهم جيوش العاطلين ؟ تمسح عن وجه , فلاح علوان , وينار محمد , ورديف أبو شاكر , وأبو سليمان , وأبو ضياء , وأبو صلاح , وغيرهم من من اعرفهم أو اسمع عنهم من قيادات الحركة الثورية الشيوعية , غبار وتعب السنين ؟ هل أينعت وأثمرت دعواتهم ونداءاتهم للجماهير لامتلاك إرادتها , ووعي قوتها , ومعنى وحدتها , ورفع راياتها الذاتية الطبقية ؟؟

ولكن مهلا حتى لا أتحمس أكثر واكسر بعصا أحلامي ومن فوق رأسي جرة (أم اللبن ), لينهال علي , ويكتب نهاية للقصة , رفعت صوت التلفاز واستمعت , لا كرة قدم ولا يسار ولا طبقيات , بل رايات قبلية عشائرية طائفية , وجماعات , تهتف وتهتف وتهتف , طالبة مني النهوض لتسجيل الزمن الضائع .