الرئيسية » مقالات » لماذا تخلّف الايزيديون؟ 4

لماذا تخلّف الايزيديون؟ 4

في هذه الحلقة نود أن نركز على دور رجال الدين بشكل أساسي في هذا الشان لما له من علاقة مباشرة وتأثير فعّال على هذا المنحى. من الطبيعي أن تكون جميع الادوار مهمة ومتداخلة سواء ما كان يتعلق منها بالفترة الزمنية أو بالاشخاص المسئولين كل حسب دوره ووظيفته وأمكانياته وتأثيره في المجتمع، أو بالظرف السياسي السائد في فترة معينة بذاتها. ومن الطبيعي ايضاً أن يكون هذا التأثير مرتبطاً بالفترة التي تلعب فيها تلك الشخصيات دورها الحيوي نظراً للتغير الحاصل في المسيرة الانسانية والتقدم التكنولوجي والتطور الفكري والظرف الذي يلعب فيه الشخص المعني من الدور في التغيير.
فلا يمكن إعفاء رجال الدين من التسبب في هذا التخلّف الذي اصاب المجتمع الايزيدي وعلى جميع المستويات وفي كافة مراحله التاريخية، بالاضافة إلى العوامل الاخرى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. من المعروف أن مهمة رجال الدين تنحصر في الغالب على الوعظ والتوجيه والارشاد وإشباع فكر الانسان بالجانب الروحي بالتوازي مع الجانب المادي لخلق حالة من توازن الشخصية فيما بين الحاجات الروحية والمتطلبات المادية والامور الحياتية الاخرى، وبالتالي خلق مجتمع يسوده الهدوء والرزانة وأقل مافيه من الجريمة. فماذا لو أهمل رجال الدين واجباتهم الاساسية وآنشغلوا وأشغلوا الاخرين في الامور الهامشية وتركوا رسالتهم الاساسية وهي تنمية وتطوير العقيدة والفكر لتلائم متطلبات العصر والمنطق وبدلا من ذلك ركزوا جهودهم في مقاومة أي تجديد ومحاربة الافكار التي تدعوا إلى التنوير والتحديث قائلين بأن هذه من البدع التي يجب عدم القبول بها؟
لقد رأينا ما فعلته أقوال سماحة بابا شيخ أثناء مقابلاته مع بعض الصحف الكردية، وكذلك قوله قبل سنوات من أننا لا نغتسل اربعون يوما وهو كان يقصد معنىً غير تلك التي تم تفسيها. ورأينا كيف تم تحوير الكلام في غير ما قصده سماحته، وتعدّى الامر المرجع الديني إلى عموم المجتمع وأتهامه بالتخلّف، وفي حينه أخذ قسطاً كبيرا من الاعلام والفعل ورد الفعل. هذا يعني بأن لرجال الدين الدور الحيوي في جلب الانتباه وبالتالي وضع عموم المجتمع في حرج وأمام مشكلة قد يترتب عليها موقف غير محمود. فعلى الرغم من أن تلك الدعوات لم تكن فتاوى، إلا أنها فسرت في هكذا إتجاه وجلبت الكثير من المشاكل والنقاشات بقصد التشويه وكأنهم لم يشبعوا بعد من إلحاق المزيد من الاذى والتحقير.

موقف رجل الدين:
من الممكن هنا تفسير دور رجل الدين على أكثر من صعيد. ففيما يتعلق بجانب الخارج الايزيدي، لم يكن لرجال الدين القدرة على احتواء المواقف ومواجهة الاسئلة التقليدية من الوسط الخارجي والشارع المحلي ومجابهة فلسفة التفسير الديني بعقلانية وواقعية وإحداث قناعة في فكر المقابل إلا ما ندر، وخاصة مع الباحث العلمي والاجتماعي عن الحقيقة والقيمة التراثية التي يتمتع بها الايزيديون. وان هذا الامر زاد من تعقيد الموضوع، خاصة إذا ما عرفنا بأن غالبية رجال الدين الايزيدي هم أشخاص أميون ولا يتقنون اللغة العربية، ولم يكونوا قد تتخرجوا من كليات علمية أو قد درسوا اللاهوت أكاديمياً وبالتالي فإنهم يمتلكون قدراً ضئيلاً من المعلومات التي يتمكن بواسطتها من الدفاع عن نفسهم ودينهم، ولكن سيبقى ينظر لهم على أنهم هم المسئولين عن هكذا مطلب. وفي الوقت نفسه يعتبرون أي دعوة تطوير او تجديد من قبل المتنورين ورجال العلم والفكر هي تهديم للدين وتهديد لكيانهم. فبدلا من أن يطوٍروا أنفسهم ويوسعوا من مداركهم، حاولوا أن يكرسوا من التخلف والابقاء على مجتمع يجتر العادات والتقاليد البالية وربطها بالدين لكي يبقوا على تخلفه وبالتالي سهولة انقياده حسبما تتطلبها مصلحتهم الشخصية، معتبرين أن الانسان الذي ينطق بالتقدم والتطور من الخارجين على الدين.
على الجانب الاخر لم يكن نفس الرجال بقادرين على إقناع الداخل الايزيدي بتفسير ما يرد في النصوص الدينية، وفي أغلب الاحوال كانوا يتهربون من الاسئلة التي توجه لهم من قبل الشباب والاجيال الناهضة، بل ويبخونهم على أن تلك الاسئلة هي من قبيل الاحراج وعليهم أن لا يسألوا فيما ليس لهم فيه. وبذلك قاد هذا السلوك النافر من رجال الدين إلى نفور البعض الكثير وخاصة من الشباب الجامعي وبعض الاشخاص المتنورين، وقد حصل تمرد البعض من الشباب لكونهم لم يحصلوا على قناعات شافية من رجال الدين في تفسير ما يجب، والتي قادت إلى إحداث نوع من الشك في نفس الانسان. وأن هذا الشك قاد إلى خلق الفتور في العلاقة فيما بينهم واصبح الدين نفسه هو الضحية الاساسية لهذا الإختلاف غير الواعي.
فلو أرجعنا المشكلة إلى أصلها، يجب علينا أن نكون واقعيين ولا نقفز فوق الحقائق، ويجب أن لا نطلب من تلك الشخصيات تفسير كل ما يرد في النص الديني. لأنه وبكل بساطة فإن هذا هو حال بقية الاديان أيضاً. فالتفسير ليس بالأمر الهيّن، وخاصة في هذا المرفق لكون أن النص الديني يحمل الكثير من الاوجه، ويجب أن يكون المفسٍر ملماً بعلوم اللغة والنحو والصرف لكي يعطي للتفسير مكانته وحماية النص والكلمة من التداخل والغشاوة. فيوجد في الاسلام والمسيحية فقهاء ولهم كليات ودراسات عليا وجامعات متخصصة في دراسة الفقه والتفسير ومع ذلك يقع البعض الكثير من المفسرين في حيرة أمام الكم الهائل من الاسئلة والمواقف التي أحدثتها العولمة وعوامل التطور والتنمية البشرية. فليس من الحكمة والانصاف أن ينصب كل اللوم على كاهل رجل الدين، ولكنه هو الذي جلب لنفسه هذا الكابوس عندما أدعى بأن على رجل العلم أن لايتدخل في الشأن الديني وبالتالي تحمّل هو بذاته مسئولية فشله وتبعاتها في هذا الموضوع. ولكي يكون مؤهلاً لتبوء المركز الذي سيشغله، عليه أن يتسلح بالفكر الديني المسند إلى التفسير وبالتالي قادراً على مواجهة الجميع ولو بالحد الادنى من الإقناع.
لذلك، نأمل بأن يتسع صدر رجال الدين للنقاش والاخذ بالاراء والتفاعل معها واحترام الاراء المختلفة والمتخالفة بهدف إنضاج المواضيع بصورة اكثر واقعية مع الحفاظ على الاصل، ويعلموا بأن التطور سيفرز الكثير من المواقف التي قد تبدو غريبة وغير مطروقة من قبل. وفي قناعتي فإن المجلس الروحاني هو المسئول الاول الذي يتحمل الوزر الاكبر في هذا الموضوع لكونه جمع بين الدين والدنيا، ولكنه لم يوفّق في أيٍ منهما، وكذلك لم يعرف كيف يفرق بين ما هو مطلوب من رجل الدين وما مطلوب من رجل العلم. وكجزء من مسئوليتنا التاريخية، نبهنا المجلس بأهمية هذا التحرك عندما كنا جزءً منه وطرحنا جمع وتدوين النصوص ومن ثم توحيدها وتفسيرها من قبل باحثين متخصصين للحفاظ على أصالته من التشذي والتشويش والضياع. فالاختلاف في تفسير النص الديني وارد جداً وهو دليل حيوية وقدرة على التعامل مع النصوص، وسيساعد رجل الدين في تسهيل مهمته التي يتمكن بالتالي من المجابهة لأي تساؤل.
وبدلا من أن يحدث رجل الدين القناعة في فكر كل من المواطن البسيط والمتنور، دارت العملية عليه بالعكس. مما جعل من المواطن أن يفقد الثقة برجل الدين وبالتالي بالدين نفسه بسبب فشل رجل الدين في تحصين نفسه، وتحمله للمسئولية كاملةً كونه غير مؤهل لتحمّل تلك المسئولية. فمضى كل فريق فيما هو مقتنع به، ولم يضع أحدهما حداً للاخر بإحداث قناعة راسخة في أنه احق من الاخر، ومما رسخت من هذه الفكرة هو أن أمور الدين هي من واجبات رجال الدين وحكراً عليهم وحدهم، وأن أي تدخل في شأنه من قبل رجال العلم يعد تجاوزاً للخطوط الحمر التي يجب مقاومتها بدافع الحفاظ علية من الحداثة والتغيير. ولهذا، وعلى الرغم من أن الدين ليس قالباً جامداً، فإنهم حكموا عليه بالجمود وقيدوه بالسلاسل، ووضعوه في الاطار المحدد وأعتبروا أن أي خروج عن افكارهم أو تفسيرهم هو من صنع الواقع ويحمل بذور الفساد الفكري وهي بالتالي بدع يجب محاربتها وعدم السماح لانتشارها.
إذن، ما هي انعاكاسات هذه الاحوال على الواقع؟ وكيف ضاعت رهبة الدين في تصرفات رجال الدين؟ وما هي نظرة عامة الناس لرجل يحمل الصفتين في نفس الوقت ويوما بعد يوم يظهر بأنه غير مؤهل لحمل أيٍ منهما؟ وهنا ليس المقصود من كلامنا هذا هو الحط من شأن الانسان، ولكن لكون تاثير هذا الفعل يتعدى حدود الاشخاص ويترك من الاثار التي قد تجلب الدمار لمستقبل قوم بالكامل. فرأينا مثلاً سمو الامير يصدر فتوى بتحريم شخص أو مجموعة أشخاص لسبب قد لا يستحق لهذا القدر من الفعل، ومن الممكن إيجاد حلول بسيطة بدلا من اللجوء إلى ذلك الاجراء القاسي. بل قد يرتد الفعل على الامير نفسه فيما إذا لم يحسن التصرّف مع الحال، في الوقت الذي ليس من اختصاصه أن يصدر الفتاوى. فالفتاوى في الاسلام اليوم تهدده بالكوارث لكونها غير مدروسة وتصدر من جهات ليست مخولة بإطلاقها وبالتالي تحدث جدلاً واسعاً وتأخذ الكثير من الوقت والجهد والمال. بل تحدث خللاً نفسيا واجتماعياً وأخلاقياً للمواطن المسلم السوي، وتنعكس بالنتيجة على الدين ورجاله وتعليماته بطريقة أو بأخرى.
لذلك، أملنا كبير بأن يكون الاقتداء بالاخيار الاوائل والصالحين الذين قادوا وهادوا وأدوا الامانة بإخلاص وتفانِ، ولكننا نقول بأن النقطة السوداء في الثوب الابيض تعيبه، وأن الاصلاح الديني يبدأ برجال الدين، فإذا صلحوا تصلح عامة الناس، وأن تاثيرهم كبير جداً بشقيه السلبي والايجابي. ومن الله التوفيق. 

القاهرة في 26/11/2008