الرئيسية » مقالات » {كأعمى تقودني قصبة النأي}لمحمد حلمي الريشة

{كأعمى تقودني قصبة النأي}لمحمد حلمي الريشة

سأصرخ في كعب خروجك المفاجئ

– بكل ما أوتيت من قوة وهن –

ألملم ما تساقط من إيقاعاته الساكنة

على

جفاف الصدى

ثم لا أثر إلا لرائحة مجازك في مزاجي،

ثم…

لا أثر لي

هكذا تتماهى الأنثى والقصيدة في الديوان الجديد “كأعمى تقودني قصبة النأي” للشاعر الفلسطيني محمد حلمي الريشة. وتدِقُّ المسافة بينهما حتى لا يجد القارئ فرقا واضحا. القصيدة تغوي الشاعر بما لديها من فتنة، والأنثى تلوِّح به في ملكوت الرغبة المتعددة.

وفي الحالتين، سواء تعلق الأمر بالقصيدة أو بالأنثى، يجد الشاعر نفسه منغمسا في لغة شفيفة مليئة بالإيحاءات التي تصير أحيانا بالغة الوضوح، بحيث لا يكون ثمة مجال للمواربة والتوريات فيأتي الخطاب مفعما بحمولتين معا. حمولة المجاز الذي يشي بأن ثمة وراء الكلمات ما لم يقل، وحمولة المعنى المباشر أو الدلالة القريبة بحيث يعلن الشاعر عن كل الشبق الذي يسكن القلب قبل أي شيء آخر.

وإذا كان من صفات الأنثى التمنع، فمن شيم القصيدة المروق وصعوبة القبض عليها. هذا التشابه هو بالذات ما يمنح شرعية للتماهي الذي تحدثت عنه أعلاه، ما دامت الأنثى كامرأة من دم ولحم غير حاضرة إلا من خلال ظلالها البعيدة في نصوص المجموعة. إنها حاضرة في الغالب من خلال الضمائر التي تدل على المؤنث. وتحضر من خلال القصيدة التي شكلت موضوعة أساسية لدى الشاعر في مستهل المجموعة، وتشظت بعد ذلك على باقي الصفحات متقمصة في هذا التشظي مختلف صفات الأنثى المرأة، حتى إنها اكتسبت ملامحها وصارت موضوعا ليس للكتابة ولكن للرغبة.

وإذ نتحدث عن تشظي القصيدة كموضوع شعري في حد ذاته، لا بد من ملاحظة أن المجموعة بكاملها، حتى في ما يتعلق بنصوصها المتوسطة، هي في الواقع كتابة شذرية. لا يحاول الشاعر من خلالها فقط لملمة شظايا الموضوع، بل شظايا ذاته الراحلة بلا توقف في طريق بحثه عن القصيدة المتمنعة” كيف يسافر الشاعر فيك، ولا يصلك أبدا”.

إن هذه السيزيفية التي يعيشها الشاعر في مطاردة القصيدة هي ما يمنحه شرعية الامتداد، بل ضرورة هذا الامتداد، وهي ما يسعفه بحياة متجددة.

هنا تصبح القصيدة مكابدة حقيقية، وبحثا عن بقاء، هو بقاء متوهم لكنه ممكن لأن كل فن، هو مقاومة للموت، كما كتب أندري مالرو، مقاومة بمعنى من المعاني، أي ربما بما هو مجال لطرح تلك الأسئلة المستعصية المرتبطة بالوجود، المادي والرمزي معا. لهذا لم يكن السؤال الذي طرحه الشاعر هنا سوى تأكيد على رغبة في الاستمرارية، كما يمكن أن نستنتج من “ولا يصلك أبدا”، فهذه العبارة لا ترتبط بالحاضر، بل هي مفتوحة على اللانهائي “أبدا”، وبذلك فالشاعر، إذا صدق حدس القارئ، يعيش الأزمنة مركبة في داخله، وينتقل من الماضي إلى الحاضر وإلى المقبل من الزمن في رشاقة لغوية، وقوده شذري، يشع بحكمة حجر الفلاسفة، كما لو أنه يوزع أيامه بالتقسيط بين هذه الأزمنة

“أنت الطعم الذي يهبط ويعلو

أمام بصيرة الشاعر في عميق قلبه

فلا هو يصطاد،

ولا أنت تشبعينه”

لا يقتصر الأمر إذن على حالة سيزيفية فقط، بل يمد الشاعر تراجيدياه في مواجهة القصيدة المارقة إلى أقصى من ذلك وأقسى، فتبدو المكابدة مركّبة حيث تحضر في هذا المقطع حالة أخرى هي حالة تنتلوسية، نسبة إلى شخصية في الأساطير الإغريقية هي تنتلوس الذي ينهشه جوع أبدي في العالم السفلي. تتأرجح الثمار قريبا من فمه لكنه لا يصلها.

وسواء في السفر المزمن بحثا عن القصيدة أو في هذا المقطع الشذرة حيث القصيدة تظهر وتختفي، يبدو الشاعر كما لو أنه كائن خارج من الإلياذة ينوء بعقاب الآلهة، ولحظه غير العاثر، لم تكن ربته هنا سوى القصيدة وعقابه على كونه شاعرا أن يطارد الكلمات على شبه كبير بالذي يبحث عن عشبة الخلود.

وتزخر مجموعة “كأعمى تقودني قصبة النأي” بالكثير من الانزياحات اللغوية التي تحاول توليد دلالات جديدة من خلال علاقات جديدة بين الألفاظ، وتشكل الذات الشاعرة في العديد من النصوص القصيرة أو المتوسطة وحتى في الشذرات الافتتاحية والختامية محورا أساسيا في هذه العلاقات، إما كفاعلة أو كمتلقية للفعل، بحيث نصادف تبدلا في تموقعها داخل القصائد، إلا أنها في كلتا الحالتين تظل حاضرة داخل التجربة، لأنها تجربتها الذاتية من جهة ولأنها تجربة تعبر عن تحولات هذه الذات نفسها في علاقاتها ليس بالألفاظ والكلمات بل بالعالم المحسوس بما فيه من الأشياء، والآخر، وأيضا في علاقتها بأحلام النوم واليقظة معا. إنها ذات تبحث عن نفسها وسط ركام من الحيرة، حيث هي ذات ليست منشدة لا إلى هنا ولا إلى هناك، موزعة بين العالم في الواقع والعالم في الكتابة:

أتناوب ذاكرة الفعلين؛

أغيب أحدهما بمرايا الضد

أشد الآخر لحصار الوعد

يطعمني أصطاد رضا

تنقسم ظلالي في خطو القلب

مرارا ترعشني الفكرة

أو يشطرني سر الحيرة.

وكما أسلفت أعلاه، فإن هذا المقطع، من خلال وضعه في السياق العام للديوان، يوحي بان الكتابة الشعرية عند الشاعر محمد حلمي الريشة واحدة من أدوات المقاومة التي يحاول بواسطتها لملمة شظايا الذات، ومنعها من التآكل، ومنحها إمكانيات البقاء والاستمرار، لأن الحيرة تولد الأسئلة، وهذه الأخيرة هي التي تفتح الآفاق أمام ما انغلق من مسالك الوجود.

إلا أنها قد تقود أيضا إلى أن تدرك الذات حجم تناقضها مع العالم، فيتأسس على هذا الإدراك شعور عميق بالغربة، بحيث يبدو كل شيء بلا معنى، وتبدو الذات نفسها كما لو أنها تحاول القبض على سراب:

تحمل شراع الضوء فوق جبينك ولا تراه،

وتبحر في جداول الدنيا ولا ترتوي،

وتفلق فاكهة الدهشة ولا تشبع،

وتحيا عمرك الآتي ولا تحياه…

إننا في هذه المجموعة الجديدة لمحمد حلمي الريشة، من خلال النماذج التي سقناها هنا على الأقل، أمام استعادة لتلك الأفكار المتعلقة بالعبث، كما تصورها ألبير كامي مثلا، عندما يصطدم إدراك الإنسان للواقع مع ما يوجد عليه الواقع فعلا، وهو وضع يؤدي إلى الإحساس بالغربة في عالم يعج بكل ما هو نقيض للذات.

ولكن إذا كان وضع كهذا قد يدفع بصاحبه إلى أقسى الحلول، أي إلى الانتحار، فإن إحساس الشاعر بضغطه، كما يظهر ذلك في العديد من الصفحات، دفعه إلى الكتابة ” توار كثيرا… العزلة تبهج الإبداع”.

جمال الموساوي
شاعر وصحفي مغربي