الرئيسية » مقالات » التراث الإنساني الحضاري في الفكر و الممارسة

التراث الإنساني الحضاري في الفكر و الممارسة

يتجلى التراث الإنساني في حصيلة ذلك الإرث الجماعي الذي خلفته الحضارة الإنسانية بأبعادها المادية والروحية والقيمية, منذ فجر التاريخ والطفولة البشرية ، إلى يومنا هذا ، حيث النضج العقلي و العلمي و الرشد الإنساني قد بلغا درجة رقي بعيد ، تلك الحضارة التي أبدعتها العقول والقرائح المبدعة ،عبر منعطفات التاريخ ،وتجربة الإنسان مع الحياة بآفاقها المتعددة ،وجوانبها المتشعبة في صراع مديد وعميق ،لتحديد أفق البقاء و الوجود وتوفير مستلزماته وضروراته ،و إثبات الذات ،والامتداد إلى ترسيخ أركان حياة مستقرة ،مزدهرة وآمنة في سعي دؤوب إلى عمارة الأرض وبناء معالمها ،ومد رقعة المعرفة والعلم ،بمختلف جوانبها ووسائلها وأدواتها ومناهجها ،وكشف قوانين مستكنة وأسرار سنن لم تكن معلومة بالأمس القريب ،ليحدث ما لم يكن يتصوره باحث متعمق في كنوز المعارف والمخبوء من ذخائرها وجوانبها المعرفية والعلمية ،بما يذهل إزاء القفزة النوعية الهائلة التي خطاها الإنسان في العقود الأخيرة بما يتجاوز الخيال ، ويحقق نقلة نوعية في مستويات حضارية ومدنية متقدمة ،على صعد الاقتصاد و الاجتماع و البيئة والسكان والوقاية من خطر الكوارث المدمرة، والتقدم في مجالات حقوق الإنسان , وما شرعه المجتمع الدولي ومنظماته من مبادئ وقيم وتصورات, تجلت في منظومات وإعلانات عالمية,كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ,والعهود والمواثيق والقرارات المنبثقة عن الأمم المتحدة ومنظماتها، وقيم الحرية و المساواة ،والمنظومات و الأنساق الفكرية ،ومجالات غزو الفضاء وعلومها وتقنياتها, ومنجزاتها العلمية ،و سبر أعماق الكون ومجاهله اللا متناهية ،و معرفة المجرات وملايين النجوم والكواكب ،و الأرقام الفلكية الهائلة المتعلقة بها،بما يحقق السمو المعرفي واتساع محاوره ومجالاته ، إلى جانب التقدم المتسارع في البيولوجيا والكيمياء الحيوية,والأبحاث المنهجية التجريبة في المختبرات المتطورة ومكتشفاتها في علوم الطب, والهندسة الوراثية والنبات والتشريح و الأحياء ،و الفيزياء النووية ،ومنجزات الطاقة البديلة ،وميادين واسعة من العلوم الفلسفية والتربوية والسيكولوجية ، وما يتفرع عن كل ذلك من أدق الاختصاصات وأكثرها اتساعا في الأفق المعرفي و مناهجه و مواده وتقنياته ،و طرق البحث التجريبي والاستقرائي و الاستدلالي والاستردادي والوصفي ,وما لكل ذلك من تحديد لمجالات العلوم الإنسانية المنظمة الخاضعة لآفاق أكاديمية متقدمة .
هذا الجانب الخير و المبدع والمثمر من التراث الإنساني ،يعد المفصل المحرك والأساسي للفكر الإنساني المرتقب ، والذي يؤمل أن يعد نقطة التحول الأساسية و المحورية للتجربة المعاصرة ،في الممارسة العملية ،و السلوك الإنساني المترجم لحصيلة هذا التراث الفريد والثري منذ نشأة الحضارات الإنسانية الأولى في ” كوبادو,شرقي آمد, إلى حموكر في منطقة ديريك, ونيفالي تشوري , على أحد روافد الفرات في دشتا سروجى,إلى اوركيش وآشور وبابل وآلالاخ,إلى الحضارة الفرعونية والميدية والكردوخية والساسانية والرومانية واليونانية و والإسلامية والغربية , ومنجزات الحضارات في الصين والهند واليابان..” هذا في الجانب المادي والمنجزات المنظورة,أما في الجانب الروحي , وحركته التاريخية الكبرى , و آثاره في الحياة, وفي الكون والإنسان وعلاقته الإنسانية والأخلاقية ومعاييره وقيمه ومآثره وما لوحدة الدين والرسل والأنبياء والكتب المنزلة والرسالات الكبرى من أثر بالغ في توحيد القيم الروحية والأخلاقية وضرورة فقهها وفهمها والوقوف عندها والعمل بها ,وهو ما نصت عليها المتون والآيات والتشريعات السماوية المقررة ” آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين أحد من رسله ..سورة البقرة, آية 85 “, , فقد اتحد موكب الأنبياء والمرسلين منذ نوح وإبراهيم كما توحدت المنطلقات في الدعوة إلى البر والتقوى والعمل الصالح والمساواة والعدل ونصفة المظلومين والضعفاء والرحمة بالناس , والحث على الفضيلة ومكارم الأخلاق , كما كانت انطلاقتها الأولى من مهد الحضارات , حيث سطر أول رقم في تاريخ البشرية, كما يقول المؤرخ العالمي ول ديورانت , حيث رست سفينة نبي الله ” نوح عليه السلام ” على الجودي , وتلاه وجاء من بعده إبراهيم برسالته الحنيفية وما تلاهما من ذرية جعلت فيها النبوة إلى الرسالة الرشيدة الأخيرة “الإسلام ” , من ملة إبراهيم وإسماعيل , ليكون هذا الزاد الحضاري العظيم بمنجزاته المادية والروحية والأخلاقية, مادة ثرية , وينبوعا دافقا , تنهل منه البشرية تراثها الضخم , وطاقتها الجبارة , في قيم الإبداع والتقدم والارتقاء, بعيدا عن كل معاني الإرهاب والقتل والترويع وفظاعة الجريمة, في إشاعة للتحاور والتناصح وجدال بالتي هي أحسن, والدعوة إلى السلم كافة, للتعارف بين الشعوب والقبائل ,لأن أكرمهم عند الله أتقاهم وأنفعهم للناس, مما يعد الركن الركين الآمن بعد هجير الرمضاء المتمثل في الجانب الآخر من العراك الإنساني, والترهيب والقتل والتنكيل , والذي لا يكاد يغفل عنه الباحث في غمرة بحثه عن النقطة الآمنة ،و المساحة المضمونة للحركية الخيرة والمبدعة في ذلك التراث الحي والحضارة الإنسانية بأبعادها البارة والمبدعة ,في جوانبها المادية والروحية وقيمها الفاضلة ومعاييرها الصحيحة, بتمييزها وفرزها عن الجانب المعتم و القاتم من الحصيلة المتراكمة و المعقدة التركيب ،والمنطلقة من رواسب التسلط و الغرائزية و همجية الطغيان ،وبشاعة استغلال الإنسان و قبح وشناعة الاستعلاء عليه,والاستهانة بمقدراته وقيمه وثقافته وخصوصيته وعلائم تميزه ،بتجريد منطق القوة ،سلاحا غاشما فتاكا ،لإرضاء نزعة الغرور لديه ،و وإشباع شهوة التملك والاستئثار والنهم في نفسه ،وعرامة النهب والسلب الناشبة في كيانه المتعطش إلى التخمة المرضية المزمنة ،وما ينجم عن كل ذلك من صراعات دموية وحروب ضارية ،وما تتركه من آثام وعربدة ،وفحش وجور ،وعسف وكراهية ،وجبروت وصلافة ،وعنصرية تنطلق من بدائية قومية وعرقية تنافي حقائق الحياة والتاريخ , وتثبت يوما بعد يوم إخفاقاتها المريعة في كل أرض وطأتها , ونشرت رعبها فيها، فمجتها القيم ,ونبذتها الشرائع والقوانين ،ومحددات الخصائص الإنسانية وسماتها ، بما تميزه كائنا حرا ،يملك إرادته وحق التعبير عن حياته ومقدراته و كرامته ، مما يعد ثمرة تراكم زمني ،تأزم مع الأيام ، وازداد شراسة وبغيا وتماديا مع الباطل ، وانتفاشه وقوته ، وما ملك في الحقب السالفة من قوة البطش ،وصرامة الوحشية البدائية وجرائرها و آثامها ومنكراتها و فواحشها ، وارتكابها أبشع الجرائم و أشدها ،مع قوانين الرق و العبودية ، واستعباد شعوب بأكملها ،و نهب منظم لخيراتها وثرواتها , والوصاية على أهلها وثقافتهم وتراثهم، وما كان من شره وبيل وبحث حثيث عن أسواق الصرف ، لماكينتها الصناعية ،وجبروت الثروة المتنامية على حساب أقوات الأمم المستعمرة ،الخاضعة لهيمنة التسلط و الفكر العنصري ،و ما رافق كل ذلك من شهوة التلمظ على حساب دماء ودموع أبناء تلك المستعمرات والأصقاع المتخلفة ،و التي قدمت ملايين القرابين لاستعادة كرامتها المسلوبة وثرواتها المنهوبة ، ليشكل كل ذلك الوجه الكالح ،والقترة المؤذية ،والرمد المزمن في العيون المتطلعة إلى نسمة الحرية ، وألق الانعتاق من ربقة البغي الإنساني و جموح النزوة ،و شراسة الفتك .
أمام هاتين اللوحتين الناطقتين ،وقف العلماء و الباحثون والمفكرون ،للبحث عن مخارج من أزمة الإنسان ومآزقه ،و المنزلقات الخطيرة التي تردت إليها البشرية ،عبر حروب طاحنة ،بين الملوك والأباطرة وجيوشها الجرارة ،وجحافلها المدججة ،بين الممالك والدول والإمبراطوريات الكبيرة عبر مئات القرون ” الصراع القديم بين إمبراطوريتي الكوديوم والسومريين في الألف الرابع ق.م. ،وقبلها بكثير بين العيلاميين والشعوب التي امتدت في سهول وهضاب زاغروس ،وبين الشعوب الآرية والسامية في مصر وبلاد النهرين ، والصراع الروماني والفارسي ،والساساني و الميدي ، وبين أسبارطة وأثينا في اليونان ،وبين الفرنجة والمغول والتتار والمسلمين ، وبين الأمم الأوربية التي دامت قرونا لتكون آخرها حربان عالميتان حصدت الملايين … ” ، ليخلف كل ذلك أثرا داميا في القلوب والنفوس ،تجلى في طابع كراهية وحقد والتواء ، وإرهاب منظم ، لا يزال يزرع الرعب في أصقاع المعمورة ، لتحصد أرواح الملايين من الأبرياء و المسالمين في دورهم ومعاهدهم وأماكن عبادتهم ، ومؤسساتهم ومنتجعاتهم ،بما يخلق أجواء القلق و الريبة وانعدام الثقة ، والإحباط والتوتر ، والبعد عن الراحة النفسية والمناخ الإبداعي في الفكر و العطاء الروحي و العلمي و الإنتاج ووفرته , وما خلفته البشرية على امتداد أجيالها من تلك الباقة العطرة من العطاء العلمي والفكري والروحي الثر وما تركه المبدعون من الحكماء والفلاسفة وعباقرة التاريخ من ثمرات القرائح الزاكية منذ العهود الولى في نظريات تدجين الحقول وحرثها وإثارتها واستنباتها والوصول إلى خيراتها وذخائرها , إلى شق القنوات ومد الجسور وعمارة المدن والقلاع , إلى تفجير كنوز الإنسان وطاقاته المعرفية منذ بداية التدرج الفكري والعلمي من الهند والصين والقوقاز الجنوبي وأعالي زاغروس والنهرين ومصر والشام وفارس والرومان واليونان وقرطاجة وبغداد والأندلس والعالم الغربي الذي هصر الحضارة الإنسانية, وأخضعها لقيم البحث والتجريب والمنهجية البحثية , وما تركه أعلام الفكر الإنساني وجهابذته بدءا من أساطين الفكر اليوناني من أرسطو وأرسططاليس وأفلاطون وسقراط وجالينوس , إلى أعلام النهضة من غاليليو وكوبرنيكس وفرنسيس بيكون وروجر , وابن رشد وابن النفيس والغزالي وابن سينا , إلى كانط و كيركجارد, وكلود برنار وستيوارد ميل, وروسو وهوبز وديبوفوار وكبار العلماء والفنانين والمبدعين , ممن أغنوا التراث الإنساني في مجاله الأوسع والأرقى والأجمل , ليكون الحصن المنيع في وجه التخريب والتدمير والعنصرية البدائة و وماطرحته من شعارات ومثل قومية زائفة أثبتت إخفاقها وإفلاسها لأنها أنكرت الاخرين وأعلنت الحرب على إرادة الشعوب وهويتها وتاريخها , ولأنها تنكرت لذلك التراث الإنساني المبدع والقائم على خدمة الإنسان في مختلف بقاعه وقاراته وألوانه وأعراقه ومذاهبه واتجاهاته, وما كان لتلك المشاريع وقيم الكراهية والحقد والوصاية والاستعلاءمن زج في معارك هامشية, تلهيه عن مهمته الكبرى في عمارة الأرض والقوامة عليها وتفجير مدخراتها و للبناء والسلم والمدنية والعدل والمساواة وتكافؤ الفرص , والتسابق العلمي , ورفع مكانة الإنسان وصيانة كرامته, والبعد عن الأثرة الفردية والجماعية , ومحاوت بائسة للستثار والتفرد والتسلط والاستبداد والقمع ومحق إرادة الآخرين وتبديل منكر وشاذ لهويتهم وثقافتهم وخصوصيتهم ،و ما يعرض كل ذلك ويواجهه من خطر الهدر في الطاقات و الأموال و الأنفس والثمرات ،مما يدفع الباحثين و رواد الإصلاح إلى البحث عن مخارج آمنة ، لاتكاد تجد صداها إلا في اللوحة الأولى المشرقة والكامنة في ذلك الدفق التراثي المتألق ، والرؤية الحضارية المتكاملة التي يمكن أن تشكل الإنعطافة الدقيقة في مسار تحدي البناء و الإعمار ، والاستفادة القصوى من طاقات هذا التراث و إبداعاته, وعطاءاته وفضائله وقيمه الرفيعة , وترجمة كل ذلك إلى ممارسة عملية وميدانية فاعلة بواقعية حركية تحتاج إلى جهد متطاول ومتضافر , وسند إعلامي وتواصل ثقافي وتربوي حثيث ومستمر, يساهم فيه جمهرة كبيرة من المفكرين والمبدعين ورواد وقادة الإصلاح , أفرادا وجماعات ومؤسسات حقوقية ومدنية وإنسانية, لما لهذا التضافر والتعارف والتواصل من أثر عظيم في إنارة الحياة وتعزيزها بقيم رفيعة وتراث ثر وغني, في حوار شامل ومتكامل, يؤسس لمجد الإنسان ورفعته ورفاهه وحضارته وسلوكه الناضج والرشيد .