الرئيسية » مقالات » أحقاد دفينة -رد على السيد إبراهيم بركات

أحقاد دفينة -رد على السيد إبراهيم بركات

يبدو أن التاريخ يبقى فاعلاً وحاضراً ليس في الذاكرة والأوراق الصفراء فقط ولكن حتى في جدلية العلاقة مع الآخر وموقفنا منه حاضراً ومستقبلاً. وهكذا فما مضى من الأيام لا تُذهب بالأحقاد والضغائن التي كرستها أحداث ووقائع حدثت في الأيام الخوالي وزمن الأباء والأجداد، بل إن الأبناء يحملون ذاك الموروث الثقافي الضغائني كمتاريس دفاعية في مواجهة الآخر الذي لربما هو أقرب من القرب إليه وبذاك نزيد من الفجوات بين أصحاب الضفة الواحدة ونسهل على الخصم (العدو) ليتسلل إلى مكامننا المكشوفة أصلاً والتي هي بأحوج ما تكون إلى حالة ترميمية – إن صح التعبير – نساهم جميعاً فيها لتكون بحق فسيفساء وطني نعتز بها.

إن ما دفعنا للقول السابق هو ما قرأناه للأخ إبراهيم بركات ومن خلال مقالٍ له يحمل العنوان التالي: “رداً على البارتي: ما صارلكم بالقصر إلا مبارح العصر” وذلك لما ورد فيه من أحقادٍ قديمة إعتقدنا لفترة إننا تجاوزناها ولكن يبدو أن الواقع أكثر سطوةً وحضوراً من أحلامنا الرومانسية، بل إنها من حقائق التاريخ ويكون ساذجاً بعيداً عن العقلانية و(منطق التاريخ) – وللأسف – من يحاول أن يسبح عكس ذلك وبحجة “عفى الله عما مضى”. ولكن لن ندخل عميقاً في هذه المتاهات المواعظية، بل سنحاول أن نرد على ما ورد في مقال الأستاذ إبراهيم بركات لنقول له أخيراً: ما هكذا يكون الدفاع عن الشيوعيون والشيوعية وما هكذا “يورد الإبل” يا عزيزي.

كتب السيد إبراهيم بركات في مقدمة مقاله بأنه “قرأ في موقع ولاتي مه مقالة للمدعو ديار سليمان بعنوان: (إلى رفيق شيوعي: الفلاح جاء أولاً أم الملاّك) وتفوح من العنوان رائحة الكاتب فهو يسترق الشيوعيين على عادة الاقطاع الغبي، ويطرح السؤال الغبي جدا حول الأرض لمن..” ولا نعلم – إلا من خلال الكاتب نفسه – لما كان الرد على “البارتي” وليس على الأخ ديار سليمان ككاتب لمقالٍ أستفز مشاعر (صديقنا)، بل كان الرد على الحزب الديمقراطي الكردي بتاريخه القديم والحديث وبهذا العنفوان ولا نقول الحقد، مع أن المقال غير ببعيدٍ عنه. وهكذا فلقد وقع فيما منع الآخر عنه فكانت “الرائحة” من الرأس/المقدمة وحسب المثل الشعبي الكوردي “ماسي ژه سه ري ده دگه مره” ولا تحتاج إلى ترجمة، وهي ليست بشتيمة بل توضيح للمتن.

وهكذا ومن خلال ما يطرحه لاحقاً يبين لنا السيد إبراهيم بركات الأسباب التي دفعته ليكون رده على “البارتي” وليس الزميل والأخ ديار سليمان – ولا نود أن يفهم بأن ردنا هذا هو دفاع عن الأخ ديار مع تقديرنا وإحترامنا له فالرجل يستطيع أن يدافع عما يكتب – ولكن هو دفاع عما يخصنا من المقال وتهجمه الحاقد على “البارتي” حيث يقول عن الأسباب التي دفعته إلى الرد فيكتب: “وهذا السيد (أي ديار سليمان والتوضيح من عندنا) الذي حوّله المسؤولين عنه إلى بوق يشتم من يريد، ويخون من يريد، وبالتالي فهو غير معروف، والغير معروف شجاع وبطل وأنا معه بأن النظام القمعي يمارس الظلم على أصحاب الأصوات الحرّة، ولكن البعض من الأقزام يتخذون من ذلك حجة لكي يقولوا: لا توجد حرية ولذلك نكتب بالأسماء المستعارة، وحتى الآن الكلام صحيح ولكن أن يكون ذلك للنيل من الشرفاء فهو أمر بشع، والبشع ان يكون ذلك حتى لخدمة تيار ضمن حزب ضد اخر واي كان هذا..”. وهكذا إلى نهاية الفقرة؛ فهي مليئة بالنعوت والشتائم.

إننا نكرر مرةً أخرى بأننا لن ندافع عن الأخ ديار سليمان على أنه (عملاق أم قزم) ولكن ما يهمنا من الموضوع هو وصفه له وكأنه (أي الأخ ديار) الناطق الرسمي – وإن كان الغير علني – للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا “البارتي”، مع العلم أن الكاتب نفسه يقول ومن خلال الفقرة نفسها بأنه “غير معروف” فكيف عرفه (صديقنا) وعرّف اللا معروف؛ فهل هو نوع من “ضرب المندل” أم هناك من “همس في أذنه”. ولما حمّل “البارتي” وزرا مقالٍ لكاتبٍ لم يدعو يوماً – على حد علمي – بأنه الناطق بأسم الحزب أو حتى من مؤيديه وأعضاءه، وإن كان في مقالاتٍ له يثني على مواقف الحزب وفي بعضها الآخر ينتقدها. فإن كانت الأمور تقاس هكذا فليس بمستبعدٍ أن يسمع السيد إبراهيم بركات من يصفه على أنه “بوق يشتم من يريد ويخون من يريد” – على حد تعبيره هو وليس تعبيرنا – وبأن “المسؤولين عنه” يستخدمونه وهو (المعروف) وفق التعريف بنفسه على أنه “ناشط شيوعي في تيار – قاسيون” بينما الآخر، الأخ ديار سليمان “غير معروف” كشخص وهوية وليس ككاتب وموقف.

ولكن أكثر ما شد إنتباهنا وكوَّن لدينا نوع من الصدمة العقلانية هو تصريحه بأنه: “لا يتحدث عن مضمون المقالة” فإن كان غير مهتم بمضمون المقال فهو على ما أعتمد إن لم يكن على موروثٍ ثقافي ضغائني – كما قلنا في بداية مقالنا هذا – ثم ما هذا الخطاب السلفي والذي يفوح منه “رائحة” الفكر الغيبي والديني وهو “الناشط الشيوعي” – على حد وصفه لنفسه – وهو يتحفنا بـ(المقدسات) وبأن الأخ ديار سليمان قد “شتم لينين رمزه المقدس”؛ لعمري إنه خطاب منبري سلفي غيبي وهذا أقل ما يمكن أن يقال عنه، وهذا لا يعني بالتأكيد عدم “إحترامنا” لشخصية فاعلة في التاريخ كشخصية “لينين” وعلى أنه يمثل رمزاً لتيار فكري سياسي عريض، بل نجزم بأن تلك الشخصية – لينين – ذاته قد ناضل ضد هكذا عقلية منغلقة على “الذات المقدسة” وبالتالي فأين الأستاذ إبراهيم بركات من الفكر الشيوعي ومن (اللينينية) والشيوعية، ولربما صح أن نسمي بالـ(شودينية).

وأما بخصوص تعليقه على “أن الأحزاب الكردية” و”بفضل الحزب الشيوعي وأهميته ودوره صاروا ما صاروا عليه باعتراف الجميع” فإنها تحتاج إلى الكثير من الدراسة والتحليل و.. حتى لو كان موفقاً – ولن نقول صادقاً – في إدعائه هذا فهو لا يعيب الحركة السياسية الكوردية بأحزابها وتياراتها وما تاريخ الفكر السياسي إلا سلسلة طويلة من التراكم الثقافي المعرفي، وهذه من بديهيات وأبجديات علم السياسة وما الشيوعية نفسها إلا حلقة من حلقات ذاك الفكر الذي يمتد بنا إلى أغوار كهوف الأولين وهي لم تلد من العدم؛ فلا يأتي شيء من الفناء كما لا يفنى شيء وهذه بذاتها أبجدية شيوعية، إن كانت الذاكرة قد خانت “ناشطنا الشيوعي”. ولكن فقط نود أن نقول له بأن تاريخ سوريا قد شهد مراحل تكاتف وتعاضد بين الحركة الشيوعية والحركة الكوردية وفي مراحل أخرى كانت الصراعات والتخاصمات، وهذه الآخرى تعتبر من صميم العمل السياسي ونجدها في تاريخ أي بلد بالعالم وليس حالة خاصة بالتاريخ السوري الحديث.

صدق المثل القائل بأن “كل إناءٍ بما فيه ينضح”؛ فها هو يصف الأخ ديار سليمان على أنه “شخص حاقد بالفطرة على الشيوعيين” وما كنا وصفناه بما سبق لو أنه أكتفى بمن يود الرد عليه ولكن عندما يضيف بأن من “..بدلوا رايهم ويبدلونه كل يوم هم أنتم (أي البارتي والتعليق من عندنا)، فمتى كنتم مع الفلاحين، وهل كنتم أصحاب المواجهات مع الاقطاع ومن أوائل الجرحى ضدالاقطاع، واذا كانت السلطة فتحت باب الفتنة فانا ارى ان اكبر فتنة انشقاقاتكم وهي مثل النار في الهشيم، واخطر من مواجهات الفلاحين والاقطاع لان اقطاعيونكم السياسيين اخطر، متى كنتم مع الفلاحين اكثر من الشيوعيين هل تاريخكم يشهد على ذلك…؟
أم أنت وحزبك تريدون أخذ تاريخ الغير لنفسكم…؟ وأخذ نضالهم لكم، وأنتم تعرفون كيف كانت نشأتكم، ومن أنشأكم وأنا لا أحاسبكم على الماضي بل على الحاضر و أريدكم رغم ما وراء الولادة أن تكونون كما ينبغي مدافعين أشداء عن القضية الكردية وحق الكردي في سوريا، ليس كما يقولونه الشيوعيون المباعين بل كما يقوله المدفونين في الساحة الحمراء: حق تقرير المصير ولا أريد أن أقترب من إي مقدس لك، فأنت تعرف أنكم تحولون حتى (………) إلى أبطال لأن لا رموز عندكم، من قال للغمر حين جاء: اهلا بهؤلاء الاخوة؟ أنتم لستم الشعب الكردي، أحفاد صلاح الدين، الشعب العظيم الذي منه سلمان آدي و فرهاد وأبطال انتفاضة قامشلو التي كتبت أنا عنها و أنا في بيروت..”.

بدايةً لا بد أن نشكره على مواقفه الداعمة للقضية الكوردية، بل والمطالبة بـ”حق تقرير المصير” للشعب الكوردي وكذلك لوقوفه إلى جانب “أبطال انتفاضة قامشلو” والكتابة عنهم وعنها وهو “في بيروت” وليس دمشق. ولكن ما يؤسف عليه حقاً هذه الديماغوجية والخطاب المتعالي والحاقد؛ “أنا لا أحاسبكم على الماضي بل على الحاضر و أريدكم رغم ما وراء الولادة (أي ولادة البارتي وليس ديار سليمان بالتأكيد – أيضاً التعليق من عندنا) أن تكونون كما ينبغي مدافعين أشداء عن القضية الكردية وحق الكردي في سوريا” ونحن هنا بدورنا نسأله: من أنت لتحاسب وتحاكم على الطريقة المخابراتية السورية وكذلك نتساءل إن لم يكن “البارتي” وعموم الحركة الكوردية هي المدافعة عن الحقوق الكوردية – والتي هي بالأساس حركة قومية – فمن يكون المدافع – خطاباً سياسياً على الأقل – عن حقوق شعبنا في غرب كوردستان والتاريخ السياسي للتيارات والأحزاب تكشف بجلاء عن هذه الحقيقة وعن ولادة كل كتلة سياسية في سوريا وظروف المرحلة التي نشأت فيها ولا داعي للخوض في التفاصيل حيث الحديث يطول ويطول.

ثم تعييبه على الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا “البارتي” وبأنه قد تعرض للإنشقاق ووصفها (أي الحالة الإنشقاقية في الحركة الكوردية؛ كون هناك متتالية إنشقاقية في صفوف الحركة الكوردية وليس حالة فردية متفردة للبارتي) على أنها “اخطر من مواجهات الفلاحين والاقطاع لان اقطاعيون(نا) السياسيين اخطر” فماذا نقول عن الإنشقاقات التي حصلت داخل الحركة الشيوعية السورية ووجود أكثر من فصيل شيوعي في البلد وهو الذي يعرّف عن نفسه بأنه من “تيار قاسيون” وماذا نقول عن “اقطاعيون”كم و(خطرهم) وإن أكثرهم بقي “من المهد إلى اللحد” في رأس الهرم الحزبي، بل أورث (مملكته الشيوعية) لخلفه، وهذا ما لم يحصل إلى الآن في صفوف الحركة القومية الكوردية في سوريا – على حد علمي – أم أن عود الآخر يتبين لنا ولا نرى الخشبة التي تعمينا، فـ”من بيته من زجاج لا يرمي بيوت الآخرين بالحجارة”. ثم من قال بأن “البارتي” أو أي فصيل سياسي كوردي آخر قد رحب بـ(مشروع الحزام العربي) والبيانات التي صدرت عن الأحزاب في تلك المرحلة تكشف بجلاء من (هلل للمشروع الوطني الأممي والطبقي) وكما يقال “البير تكذب الغطاس”. وبخصوص التاريخ وبأن “البارتي” يود الإستيلاء على تاريخ الآخرين وأخذه لنفسه، فإننا نطمأنكم بأن الحزب لا يفكر مطلقاً أن يكون “تاريخ” الذين تقصدونهم له، ليس تأففاً بل كونه تاريخ الآخرين وليس تاريخه.

وأخيراً نود أن نقول للسيد إبراهيم بركات كفانا (لعباً) على وتر الاقتتالات الداخلية وتأليب أخوة ورفاق الدرب الواحد ضد الآخر، فإن طرحٍ كهذا لا يخدم إلا الدوائر الأمنية في البلد – وهنا لا نتهم بقدر ما نصرح بحقائق على الأرض – فمن يستفيد من قوله “أنشاء الله تعتقد أن كل الذين جاؤوا جاؤوا للاعتصام الذي انا معه من أجلك وأجل حزبك، الموقوفين أكثرهم كانوا مستقلين ومن الذين عرفوا الاعتصامات من اعوام يا سيد ديار أنت وحزبك صار لكم بالقصر – أي بالاعتصامات- من مبارح العصر فلا تزاود على أمثال بافي آشتي والشيوعيين أصحاب الأعتصامات و أمثال حسن صالح وغيرهم”. إننا لا نعرف من أين يستقي هذا الرجل معلوماته؛ فمن قال بأن كل الذين أشتركوا في الإعتصام من “البارتي” أو حتى من قوام الحركة الكوردية – كأعضاء منضوين إليها وليس جماهير مؤيدة لهذا النهج والخط السياسي العام – وقد بيّنت البيانات الصادرة عن الأحزاب المشاركة في الإعتصام ذلك بجلاء. وكذلك من قال بأن “البارتي” قد “زاود” على أولئك الأخوة الذين ذكرهم السيد إبراهيم، وما هي الدلائل التي تكشف عن (صدق) أقواله بأن “ممثلي” الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا “كانوا وراء أفشال الأعتصام، وتم توقيفهم بشكل صوري وأن بطلاً كحسن صالح كنتم نسبتم (أي كان البارتي قد نسب – التعليق منا) أمام السلطة وفي الشارع كل شيء بأسمه أمام الأجهزة كما وعلى هذا تمت إهانته” فإن لم يكن هذا تحريضاً ودعوة للفتنة الداخلية، ناهيك عن أكاذيب مفتعلة، فماذا تسميها يا سيد إبراهيم ونعتقد بأنه لو كان في بلدٍ ديمقراطي والعدالة فيها “سيد الأحكام” لتم مقاضاته على هكذا إدعاءات وإلا فليقدم بيانه وبلاغه.

وتالياً نحن بدورنا نتمنى، بل نعمل على “أن يحافظ” الحزب – أي البارتي – “على هذا الخط” و”لا أن يكون ذلك تكتيك من ممثل حزب(نا) لتثبيت دعائم رجله” ولا يهمنا كثيراً إن كنا من الغد البعيد أو اليوم القريب “بالقصر – أي بالاعتصامات” وكفانا أن نقول كنا وكنا و.. أن نبقى أسيري التاريخ والماضي بكهوفها العفنة وكذلك رسوماتها الإبداعية كما نسمعها من بعض الديناصورات القومجية. وآخراً.. آخراً نعيد طرح سؤاله عليه، لعلنا نستفاد من الإجابة، وإن كنا نشك في ذلك أيضاً، ونقول له بصيغتها مع بعض التحوير: “كم يساوي حزبك خارج ادعاء اللينينية” ولن نكمل لنقول له بأنها “مجرد قميص تجاري يلبسه الكثيرون منكم” وذلك حرصاً على تلك الخيوط الواهية التي تتشابك بيننا ونود الحفاظ عليها وتقويتها وكذلك إحتراماً أدبياً وأخلاقياً لأولئك المناضلين في الحركة الشيوعية السورية والتي تربطنا بالبعض منهم علاقات أخوة وصداقة حقيقية نفتخر بها رغم بعض (نغمات) النشاذ هنا وهناك.

* پير روسته م: العضو الاحتياط في اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا “البارتي”.
هولير – 2008