الرئيسية » مقالات » دلالة مصطلح الأقليات في القانون الدولي والمعاهدات/ الحلقة الثانية

دلالة مصطلح الأقليات في القانون الدولي والمعاهدات/ الحلقة الثانية

من دراسة النسيج الاجتماعي لشعوب الدول القائمة في العالم اليوم يمكن التوصل الى استنتاج مؤداه، ان معظم هذه الشعوب ليست احادية القومية. فأغلب الدول هي دول شعوبها متعددة القوميات والاثنيات. ولكن ليست كل هذه الدول تعاني من عدم القدرة على التوفيق بين مصالح الجماعات المختلفة القومية او الدينية والموجودة داخلها وبين خصوصياتها. فهناك دول متعددة الاثنيات لا تعرف ابداً اشكالية الاقليات، حيث تتمتع فيها الاقليات بحقوقها الفردية والجماعية. بحرية التعبير عن هويتها وانتمائها. فمشكلة الاقليات وحمايتها تظهر للوجود حيثما مارست قوة معينة (سلطة عامة او جماعات او افراد) اضطهاداً ضدها بمنعها او سلب حقوقها او المحافظة على وجودها الاثني المستقل داخل نسيج الدولة. ويتفق الدراسون في مجال القانون الدولي بأن أولى مظاهر بداية الحماية الدولية للأقليات قد ظهرت في القرنين السادس عشر والسابع عشر بشأن حماية الاقليات الدينية، وتكرست هذه الفكرة حينما فرضت بعض الدول الغربية قيوداً على الامبراطورية العثمانية بقصد حماية المسيحيين الموجودين تحت سلطان الدولة العثمانية. وبرزت هذه الفكرة بوضوح في معاهدة برلين عام (1878) والتي قبلت بمقتضاها الدول الاوربية الجديدة (بلغاريا- صربيا- الجبل الاسود- ورومانيا) وكذلك تركيا الألتزامات المنصوص عليها فيها، والمتعلقة بحماية الحريات الدينية والمساواة لمصلحة الاشخاص المنتمين للاقليات. الا ان حماية حقوق الاقليات بقيت مجرد حالات معزولة، لا تعبر عن سياسة قانونية عامة، حتى انشاء عصبة الأمم التي وضعت نظاماً دولياً لحماية الاقليات طبق في مواجهة عدد محدود من الدول. وبعد فشل نظام العصبة المتعلق بحماية الاقليات وانتهاء العمل به بزوال عصبة الامم، وحلول الامم المتحدة محله، بات مستقراً في اذهان القائمين على انشاء الامم المتحدة عدم الجدوى من انشاء نظام خاص لحماية الاقليات، وان فكرة عالمية حقوق الانسان والمساواة كافية لوضع حد لمشكلة الاقليات. إلا ان الامم المتحدة سرعان ما شرعت بدراسة الموضوع، فوضعت صكوكاً دولية عديدة تهدف الى حماية الاقليات.
ومن الاطلاع على لوائح القانون الدولي المعاصر لم نطلع حتى الان على تعريف محدد ومقبول عموماً لمصطلح الاقلية، فالصكوك الرئيسة التي أصدرتها الامم المتحدة في هذا المجال تقتصر على بيان حقوق الاقليات المعنية بها وعلى تحديد عدد من الالتزامات الملقاة على كاهلها دون ادراج اي تعريف للاقلية عموماً، وثمة صكوك دولية تستخدم مصطلح الاقليات القومية لتنشر الى سائر طوائف الاقليات المشمولة بمختلف الصكوك الدولية ذات الصلة، ودون ان تعطي تعريفاً لمصطلح القومية، ومن الامثلة على هذه الحالة المادة (15/ 1/ ج ) من اتفاقية اليونسكو لمناهضة التمييز في مجال التعليم لعام (1960)، والوثائق المتعلقة بالاقليات الصادرة عن مؤتمر الامن والتعاون الاوربي (منظمة التعاون والامن الاوربي حالياً)
والاتفاقية الاطارية لحماية الاقليات القومية التي تبناها مجلس أوريا.
ومن الملاحظ ان هناك حالات عديدة يتم فيها تجنب استعمال مصطلح الاقلية، فالدساتير الاخيرة لعدد من دول اوربا الشرقية قبل عام 1990 استخدمت لفظ القوميات بدل لفظ الاقليات القومية أو الاثنية. (1) القانون الدولي ومصطلح الاقلية ان غياب تعريف مقبول لمصطلح الاقلية ليس ظاهرة منعزلة أو فريدة في القانون الدولي العام، ولا يعد سبباً لحرمان الاقليات من الضمانات المقررة دولياً لحمايتها بمقتضى أحكام القانون الدولي. فهناك حالات مشابهة تماماً لحالة الاقليات. فمصطلح الشعب لعمليات تطبيق الحق في تقرير المصير ضمن عملية تصفية الاستعمار وتحرير الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية أو لاحتلال اجنبي أو لنظام الفصل العنصري، ليس له تعريف جامع ومانع في القانون الدولي، ولكن ذلك لم يمنع المنتفعين والمطالبين بهذا الحق من التمتع به وممارسته. (2) لقد ادخلت المعاهدات الدولية المعقودة في حقبة عصبة الامم، والخاصة بحماية حقوق الاقليات في معجم القانون الدولي العام تعبيرات مثل، الاقليات العرقية، الاقليات اللغوية، الاقليات الدينية والاقليات القومية، إلا انها لم تضع أي تعريف يحدد المقصود بالاقلية.
أما المحكمة الدائمة للعدل الدولي فقد أشارت في رأيها الاستشاري الصادر في 15/9/1923 والمعلق بشروط اكتساب الجنسية البولندية، بان الشخص المنتمي لاقلية معينة، لا يعد اجنبياً، وان مركزه القانوني يختلف تماماً عن الاجنبي واوضحت المحكمة في الرأي ذاته أيضاً، من أن مصطلح الاقلية يشمل سائر قاطني الاقليم البولندي الذين يختلفون عن اغلبية السكان بالعرق أو باللغة أو بالدين، وفي حكم المحكمة الصادر عام 1928م في القضية المتعلقة بمدارس الاقليات في (سيليزيا العليا)، أعلنت ان مسألة تحديد انتماء الشخص الى اقلية عرقية أو لغوية أو دينية، وتحديد مدى تمتعه بالحقوق الناتجة عن الاحكام المدرجة في المعاهدة الخاصة بحماية الاقليات هي مسألة واقع وليست مسألة إرادة محضة(3) وفي رأيها الاستشاري الصادر عام 1930م بشأن هجرة الجماعات البلغارية ـ اليونانية عدت المحكمة في هذا الرأي ـ الاقلية ـ تجمعاً من أشخاص يعيشون في دولة أو في منطقة ما، وينتمون لعرق أو دين أو للغة ما، أو يتمتعون بتقاليد خاصة بهم، ويتحدون من خلال الهوية الخاصة بهم، بهذا العرق أو الدين أو اللغة، أو هذه التقاليد. كما يرتبطون فيما بينهم بشعور من التضامن للحفاظ على هويتهم وشعائر، ولتوفير نشأة وتعليم لابنائهم يتسق مع طبيعة عرقهم ولغتهم ولتحقيق صورة من التعاون الوثيق فيما بينهم. (4) الاقليات والصكوك الدولية اللاحقة على الحرب العالمية الثانية.
جاءت الصكوك العالمية المعنية بحامية الاقليات خالية من تعريف مفهوم الاقلية.
أما على المستوى الاقليمي وخاصة الاوربي فقد تضمنت مجموعة من الصكوك الدولية بالاقليات، وتعريفات خاصة بالاقلية، فالتوصية رقم (20) (1992) الصادرة عن الجمعية البرلمانية لمجلس اوربا والمتعلقة بمشروع بروتوكول اضافي للمعاهدة الأوربية لحقوق الانسان، خاصة بحقوق الاشخاص المنتمين لاقليات قومية، فورد تعريف فحواه ان الاقلية القومية عبارة عن مجموعة من الاشخاص في دولة ما: 1. مقيمون على اقليم هذه الدولة وموطنون لها.
2. يتمتعون بروابط قديمة وقومية ودائمة مع هذه الدولة.
3. يتحلون بصفات اثنية، ثقافية، دينية، أو لغوية خاصة أو متميزة.
4. يشكلون عدداً كافياً، ولكنهم أقل عدداً من باقي سكان الدولة، أو من أحد أقاليمها.
5. يرتبطون معاً بارادة مشتركة للحفاظ على العناصر المكونة لهويتهم المشتركة خاصة المتعلقة بثقافتهم وعاداتهم أو بدياناتهم أو لغتهم.
كما قدمت لجنة فينيسيا (اللجنة الاوربية للديمقراطية من خلال القانون) تعريفاً للاقلية في مشروعها الرسمي الخاص بمعاهدة اوربية لحماية الاقليات إذ نصت المادة (2) من المشروع على: 1. لغايات تطبيق هذه المعاهدة يدل مصطلح الاقلية على مجموعة أقل عدداً من باقي السكان الموجودين في دولة ما، حيث يكون افرادها الذين يتمتعون بجنسية هذه الدولة متصفين بصفات اثنية، دينية، أو لغوية تختلف عن تلك التي يتصف بها باقي السكان، كما يرتبطون فيما بينهم بارادة للحفاظ على ثقافتهم أو على عاداتهم أو على ديانتهم أو على لغتهم.
2. كل مجموعة تتحقق لها العناصر الواردة في هذا التعريف يجب ان تعامل كأقلية اثنية أو دينية أو لغوية.
يضاف الى ما سبق، هناك معاهدات ثنائية خاصة ـ معاهدات حسن الجوار المعقودة بين دول اوربا الشرقية والوسطى في اطار ميثاق الاستقرار الاوربي تتضمن تعريفات محددة لاقليات معنية ـ لا تعدو ان تكون مجرد تحديد للطوائف والفئات المشمولة بالحماية والمنتفعة من أحكام هذه المعاهدات، وأخيراً وفي عام 1946 انشئت اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الاقليات كجهاز فرعي تابع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي وللجنة حقوق الانسان، وقد كرست هذه اللجنة شطراً من أعمالها وانشطتها لحماية حقوق الاقليات كأحدى الجماعات الضعيفة والمحرومة تحت اسم (اللجنة الفرعية لتشجيع وحماية حقوق الانسان).
ــــــــــ
1. ما بعد الاقليات، بديل عن تكاثر الدول ـ بيروت المركز الثقافي العربي 2004 صفحة 19 ـ جوزيف جاكوب.
2. القانون الدولي لحقوق الانسان الحقوق المحمية _ج2 الدكتور محمد يوسف علوان والدكتور محمد خليل الموسى ص454 دار الثقافة للنشر والتوزيع _عمان _2007. 3. المحكمة الدائمة للعدل الدولي ـ السلسلة A رقم 15 ص 32 ـ33.
4. المحكمة الدائمة للعدل الدولي السلسلة B رقم 17 صفحة19و21ـ22.