الرئيسية » مقالات » من يمارس العمليات الإرهابية وما الهدف منها في العراق حالياً وما الهدف منها ؟

من يمارس العمليات الإرهابية وما الهدف منها في العراق حالياً وما الهدف منها ؟

لا يجوز أن يستقر العراق , لا يجوز أن يهدأ الناس , لا يجوز أن لا ينزفوا دماً أو أن لا يذرفوا الدموع , كما لا يجوز أن يتنفس أهل العراق الصعداء !! هذا هو الشعار المركزي الذي تحمله وتعمل به بكل حرص وحيوية ونذالة فائقة كل القوى الداخلية والإقليمية المعادية لشعب العراق , سواء أكان ذلك بصورة مكشوفة أم متسترة.
خلال الأشهر الأخيرة تراجعت العمليات الإرهابية نسبياً وتقلص عدد الشهداء والجرحى والمعوقين من بنات وأبناء الشعب العراقي في أعقاب تنفيذ نسبي لقرار “فرض القانون” الذي مارسته حكومة السيد نوري المالكي من خلال الضربات العسكرية التي وجهت لتنظيمات القاعدة وميليشيات “جيش المهدي” وبعض قوى البعث المتداخلة مع هاتين المجموعتين من القوى الإرهابية دون أن تخوض صراعاً فكرياً وسياسياً فعلياً ورصيناً ضد فكر وسياسة هؤلاء , بل احتضنت التيار الصدري ليمارس دوره باعتباره الغطاء السياسي لتلك المليشيات المجرمة داخل مجلس النواب وفي كل وسائل الإعلام العراقية. وهذه الحقيقة تركت الصراع مفتوحاً والعودة إلى العنف قائماً , إذ أن أساسها المادي لا يزال موجوداً وفاعلاً. ورغم ذلك كان هذا الإنجاز الطيب يعني أن المسيرة تتجه صوب الهدوء والاستقرار , وبالتالي توفير مستلزمات تعجيل البناء الاقتصادي والتطوير الاجتماعي والثقافي في البلاد. فهل ستقبل القوى والأحزاب السياسية المناهضة لمسيرة العراق نحو التغيير في الداخل والخارج هذه النتيجة الأولية والبداية الإيجابية؟ طبعاً لا! فشعارها المركزي لا يزال مرفوعاً , رغم اجتماعات الدول المحيطة بالعراق لدعم العراق أمنياً ورغم الاجتماع الوزاري الأخير في دمشق!
من نافل القول تأكيد أن تحسن الوضع الأمني نسبياً قد اثار هذه القوى وحفزها للتحرك من جديد لإبقاء التوتر في العراق , خاصة وأن العملية السياسية ذاتها كانت ولا تزال متعثرة , بل تصاب أحياناً بأنواع أخرى من العقبات , كما في العلاقة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية. فبدأت تلك القوى الشريرة تحرك كل الاحتياطي المتوفر لديها وأيقظت القوى التي كانت تمر بفترة قيلولة لتنهض وتمارس عمليات إرهابية متنوعة تقود إلى زعزعة الوضع في العراق مقترنة بفعاليات شعبية تساهم في تهيئة الأجواء لنشاطها الدموي. ولكن , أين بدأت وماذا تمارس؟
يضعنا هذا السؤال أمام جملة من المشكلات التي تواجه المجتمع العراقي مباشرة , وسنحاول هنا أن نشير إليها بشفافية وصراحة , إذ لا بد من ذلك وخاصة في المنعطفات الحادة التي يمر بها الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والسياسية. إنها بدأت في التحرك صوب ما يطلق عليه مجازاً بالإقليات القومية والدينية , وهي مكونات أساسية من الشعب العراقي لا تقاس بحجمها بل بوجودها وحقوقها وواجباتها , سواء أكانت القومية الكلدانية الآشورية السريانية , أم مواطناتنا ومواطنونا من أتباع الديانة المندائية العتيدة والمسالمة , وكذلك ضد أخواتنا وأخوتنا الكرد الأيزيديين والشبك أخيراً.
بدأ الإرهابيون بالتحرك صوب الأيزيديين في الموصل وقتلوا عدداً كبيراً منهم واشاعوا الإرهاب في المنطقة , ثم توجهوا صوب الأحياء التي يسكنها المسيحيون في الموصل , فهجروا الآف العائلات المسيحية الموصلية من المدينة باتجاه سهل الموصل وقتلوا حتى الآن 15 شخصاً منهم. ورغم الادعاء باتخاذ إجراءات لحماية المسيحيين , فأنهم لا زالوا بعيدين عن المدينة ويخشون البقاء في بيوتهم التي هجروها ليلاً. وترتفع عقيرة المجرمين عبر مكبرات الصوت في الموصل وهم يهددون المسيحيات والمسيحيين بالويل والثبور والموت المؤكد. ولكي يقنعوا الناس بأنهم جادون في ما يقولون , قاموا بقتل أختين مسيحيتين عادتا للسكن في دارهم في الموصل بناء على ادعاء الحكومة المحلية بتوفير الأمن لهم. وأخيراً بدأ العمل ضد الشبك في الموصل أيضاً , حيث تم اختطاف ستة أشخاص منهم لم يعرف مصيرهم حتى الآن. كل هذا يجري في مدينة الموصل تحت سمع وبصر مسئولي المحافظة والقوات التي أرسلها وزير الدفاع وضعف تحرك وزارة الداخلية. ومع ذلك لا يزال أسامة النجيفي , النائب في البرلمان العراقي عن الموصل يلح بأن المليشيات الكُردية , ويقصد بها الپيشمرگة الكُردستانية , حيث قال بأن رئيس الوزراء نوري المالكي ابلغه صراحة إن الميليشيات الكردية متورطة في تهجير المسيحيين من الموصل وأوضح , كان لدينا اجتماع مع رئيس الوزراء قبل يومين جرى خلاله تداول موضوع تهجير المسيحيين وقال لي رئيس الوزراء لقد ثبتت صحة اتهاماتك السابقة للميليشيات الكردية بتهجير المسيحيين من الموصل , وأشار إلى أن لدى لجنة التحقيق الأدلة الكافية حول تورط الميليشيات الكردية بهذا الأمر , ودعا إلى إعلان نتائج التحقيقات بهذه القضية , وقال النجيفي في تصريح للصحفيين اليوم السبت إن المالكي أراني ملفا قال إنه يثبت تورط الميليشيات الكردية في تهديد وتهجير المسيحيين من الموصل”. (موقع الدار العراقية, وكالة الأخبار العراقية في 25/10/2008). ولكن لم يصدر عن مكتب رئيس الوزراء أو أي جهة رسمية عراقية ما يؤكد هذا الإدعاء , خاصة وأن للسيد أسامة النجيفي موقف قومي يميني متطرف إزاء الشعب الكردي ولا يختلف كثيراً عن مواقف وسياسة جماعة صدام حسين إزاء الشعب الكردي. وأملي أن لا يجري الخلط بين الپيشمرگة الكُردستانية وبين جماعة أنصار افسلام السنة المسلحة التي يمكن أن تمارس مثل هذه الأعمال الدنيئة.
ثم رفعوا أعداء الشعب من وتيرة العمليات الانتحارية في محافظة ديالى وفي بغداد , كما مارسوا أخيراً عملية انتحارية في السليمانية. فمن هم هؤلاء الأوباش الذين يمارسون القتل العمد بالبشر العراقي؟
كل الدلائل تشير , كما أن أصابع الاتهام تتجه , إلى مجموعات من القوى الإرهابية المتداخلة في نشاطها والمتعاونة في الهدف الذي تسعى إليه والأدوات والأساليب التي تمارسها. إنها تمارس العمليات الانتحارية والاغتيالات والتجاوزات على الناس وعلى دورهم وأموالهم وتعريض حياتهم لخطر الموت. إنها جماعة القاعدة التي تستخدم النساء في عملياتها الإرهابية , إنها أنصار الإسلام السنة الكرد التي مارست العديد من العمليات الإرهابية في كُردستان العراق وفي الموصل , إنها قوى البعث الصدامية التي لا تزال تعتقد بأنها ستعود عبر هذه الممارسات إلى الحكم , إنها جماعة هيئة علماء المسلمين السنة التي يقودها الشيخ حارث الضاري والتي تآخت مع قوى القاعدة للإجهاز على الأمن والاستقرار في العراق , إنها ميليشيات جيش المهدي المليئة بالبعثيين والمرتزقة وعملاء الحرس الثوري والأمن الإيراني واللصوص والقتلة الذين أطلق سراحهم صدام حسين قبل بدء حرب الخليج الثالثة , إنها قوى حزب الله , الجماعة الإحتياطية التي هيأها الحرس الثوري الإيراني في العراق إن فشلت قوى أخرى مؤيدة له في نشاطها السياسي. كما أن البعض غير القليل يرقص على حبال العملية السياسية , ولكن رقصته الأساسية تجري على حبال العمليات العسكرية العدوانية الموجهة ضد المجتمع بحجة كونها موجهة ضد قوى الاحتلال. يضاف إلى ذلك دور الإعلام البعثي والقومي اليميني والإسلامي السياسي المتطرف وإعلام دول الجوار المناهض للوضع في العراق سراً أو علناً.
لا شك في أن لكل حدث أو أمر في العراق من يؤيده ومن يعارضه. وليس في هذا أي ضير , بل هو أمر طبيعي , بسبب الاختلاف في المواقع والمصالح والأهداف. ولكن ما يلحق الضرر بالمجتمع حين يمارس العنف لتحقيق الغايات. وهذا ما نشاهده اليوم في العراق. وهو ما يفترض التصدي له. في مواقع المخالفين للتوقيع على الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة مجموعتان من القوى :
1 . مجموعة وطنية تختلف في الرأي وتجد أن هذه الاتفاقية غير سليمة وتلحق الضرر بالعراق لأنها تقوم بين طرفين غير متكافئين , دولة مُحتلة وأخرى تمارس الاحتلال , وهي الولايات المتحدة. وهذه المجموعة تمارس العمل السياسي الاعتيادي في مناهضة التوقيع على الاتفاقية. وهو أمر مشروع وفي إطار الدستور والتعبير عن الرأي الحر , بغض النظر عن مدى صواب أو خطأ هذا الموقف , إذ أن الحياة ذاتها ستبرهن عن مدى حاجة العراق لمثل هذه الاتفاقية.
2 . مجموعة أخرى مكونة من عدة قوى عراقية تمارس العنف في التصدي لموضوع الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية , في ما عدا قوى القاعدة الإرهابية وأنصار الإسلام السنة الكردية , وأعني بها:
أ . مجموعة القوى القومية اليمينية والشوفينية التي كانت تحت أبط صدام حسين وفي جعبته , وخاصة جماعة المؤتمر القومي العربي , والمتشابكة مع قوى الإسلام السياسية السنية والشيعية المتطرفة , وخاصة مجموعة هيئة علماء المسلمين السنية ومجموعة جواد الخالصي الشيعية وأحمد الحسني البغدادي ,التي تدعو جهاراً نهارا إلى ممارسة العنف في العراق.
ب . مجموعة مقتدى الصدر التي لا تكف عن تهييج المجتمع وممارسة العنف الفعلي في العراق. وكان منظر جلسة مجلس النواب العراقي الأخيرة حيث برز العنف لدى هذه المجموعة السياسية العسكرية بوضوح كبير , رغم حقهم في معارضة الاتفاقية , ولكن ليس وفق شريعة الفوضى والاعتداء.
ولكن السؤال المشروع هو: هل عمل هؤلاء يستهدف الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية أم يستهدف السلطة السياسية؟
رغم التباين بين القوى القومية والإسلامية اليمينية المتطرفة من جهة وبين جماعة مقتدى الصدر من جهة من حيث المصالح المتباينة ولمن يعملان , فأنهما يتفقان على التصدي للاتفاقية لا كهدف , بل كوسيلة للوصول إلى السلطة من خلال التعبئة العامة بحجة محاربة الاحتلال. وإذ تقف دول عربية في معسكر المجموعة الأولى , تقف إيران في معسكر المجموعة الثانية.
ليس لدي أي وهم حول طبيعة الحكومة الحالية, فهي حكومة لا تزال في إطار المحاصصة الطائفية التي لا تقوم على أسس المواطنة والكفاءة وحسن الاختيار. ولكن تغييرها يفترض أن يخضع للطرق والأدوات الدستورية , رغم نواقص الدستور وطائفيته أيضاً , والذي يستوجب تعديله ايضاً وفق أسس دستورية.
كما ليس لدي أي وهم في أن الاتفاقية الأمنية تعقد بين طرفين غير متكافئين , وهي بالتالي غير متكافئة وتحمل العديد من النواقص الجدية أولاً , ولكنها تضمن بالمحصلة النهائية مصلحة عراقية اساسية و تحمل معها نهاية لوجود القوات الأجنبية في العراق وتحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية ثانياً , كما أنها وخلال السنوات الثلاث القادمة ستمنع أو تعرقل بحدود معينة ومناسبة تعزيز النفوذ الإيراني في العراق وتأثيره السلبي على السياسة العراقية أو ترويجه للسياسات الطائفية المضرة بمصالح العراق وشعبه ثالثاً. يضاف إلى ذلك أنها ستعيق هيمنة القوى الشوفينية التي تنطلق من مواقع قومية على الحكم في العراق أو عودة البعثيين الصداميين بشكل ما إلى مواقع الدولة والحكم رابعاً. وهي ضمانة مباشرة لتأمين هدوء نسبي يمكن أن يوفر الأرضية لإجراء تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية في العراق, بعد أن عاش العراقيات والعراقيون تجربة الحكم السلبية مع قوى الإسلام السياسية وما جرته على البلاد من مشكلات في أعقاب حكم استبدادي دام 35 عاماً , رغم الفتاوى والدعايات التي تروجها هذه القوى بأن من لا ينتخب الأحزاب الإسلامية سيدخل النار , ومن ينتخبها سيدخل الجنة ويلتقي بالأولياء الصالحين!!! وعلينا أن نتمعن بهذه الدعاية السيئة التي تعيد إلى الذاكرة قول أدولف هتلر ” اكذبوا ثم اكذبوا ثم اكذبوا , لعل بعض أكاذيبكم تعلق بأذهان الناس”! كما أن الاتفاقية ستمنع توسيع الدولة التركية حدود الاعتداء اليومي الجاري على العراق بحجة قصف مواقع قوات حزب العمال الكُردستاني , وتمنع أيضاً إيران من التجاوز الذي تمارسه بين فترة وأخرى في كُردستان العراق من خلال قصف بعض المناطق العراقية.
إن معارضة الاتفاقية من جانب هذه القوى التي تمارس العنف , (وليست تلك القوى التي تملك وجهة نظر سياسية معارضة للاتفاقية من أرضية وطنية واجتهاد شخصي , إذ لا تختلف من حيث الجوهر عن أولئك الذين يؤيدونها من أرضية وطنية واجتهاد شخصي أيضاً) , هي الوسيلة لزعزعة الحكم وإشاعة الفوضى والعودة بالإرهاب إلى العراق ثانية لتوفير فرصة الهيمنة على السلطة , وهو ما يفترض التصدي له وكشفه وإفشاله.

25/11/2008 كاظم حبيب