الرئيسية » مقالات » أسماء وشؤون عراقية في ذاكرة باريس

أسماء وشؤون عراقية في ذاكرة باريس

دعونا نسمي هذه الكتابة مخططاً فقط، بل وأولياً، للخوض في غمار تسجيل وتوثيق أسماء وشؤون عراقية، اختزنتها ولم تزل، ذاكرة باريس، حاضرة فرنسا، على مدى عقود القرن الماضي بخاصة، وإلى اليوم… ومما شجع على السباحة في هذا البحر، مادتان توثيقيتان، حاولتا أن تسجلا – بهذا القدر أو ذاك – لشيء من تاريخ عراقي في العاصمتين التشيكية، براغ (1)، والروسية موسكو (2)، نشرتا قبل أسابيع قليلة على شبكة الانترنت، وقد حضيتا باهتمام، ليس من جانب التقييم الايجابي وحسب، بل والانتقاد أيضاً… أما لماذا باريس هذه المرة، فوراء ذلك أسباب بالتأكيد، ستتبين في سياق السطور اللاحقة، ومن خلال محاور الموضوع ذاته.

* بــدايــات

… ولعل المدخل الأنسب في هذا “المخطط” المكرس للاسهام بتوثيق الشؤون والأسماء العراقية في ذاكرة باريس، هو الحديث عن موقع فرنسا ودورها التاريخي في الشرق الأوسط، وتأثيرها الثقافي – الحضاري، وكذا “الاستعماري” في العديد من البلدان العربية، والعراق من بينها… ثم، وتبعاً لذلك، فلندقق في صحة الاجتهاد الذي يقول بأنها – باريس – هي الحاضرة الأوربية “الغربية” الثانية، بعد لندن، التي عنت ببدايات الاستعراب، والاستشراق الحديثين، والاهتمام بشؤون العرب وأحوالهم، وتقسيم بلدانهم، وكذلك في تشكيلها، بعيد الحرب العالمية الأولى، وانهيار الامبراطورية الاسلامية العثمانية…

* طلبة ودارسون

… وفي ضوء ما تقدم توجه طلبة ودارسون عراقيون لمواصلة تعليمهم، وربما بدؤوه، في باريس، وأخواتها الفرنسيات… ولا نعلم مستوى الدقة في التثبيت هنا، بأن من بين طلائع أولئك المعنيين، في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، كان: مصطفى جواد وصفاء الحافظ وعلي جواد الطاهر وخالد السلام وابراهيم السامرائي وصلاح خالص وحسين امين، ممن ابتعثوا للدراسة في باريس، حكومياً، أو واصلوها على حسابهم الخاص… كما لا نعلم مدى فائدة الاتيان بكثير من التفاصيل عن تلك الأسماء وغيرها، لاسيما وان اصحابها باتوا في ما بعد، شخصيات فكرية وثقافية وجامعية، احتلت مراكز ومواقع مهمة، وعلى مدى عقود ليست قليلة.

* الجواهري في باريس…

وفي اطار هذه التأرخة، لابد من التوقف – كما نجتهد – عند زيارات واقامات الجواهري الكبير في باريس، نهاية الأربعينات، سواء عند مروره عبرها لتمثيل العراق في المؤتمر التأسيسي لمجلس السلم العالمي في وارسو… أو في الاشارة إلى قصيدته المتفردة “أنيتا”، التي كتبها اثر حالة عاطفية عارمة، مرّ بها خلال اقامته في العاصمة الفرنسية لبضعة أشهر عام 1949… علماً بأن تلك القصيدة لقيت اهتماماً متزايداً لدى دارسي شعر الجواهري وتطوره من حيث البناء والأسلوب والأغراض… كما يبرز تساؤل جديد آخر حول مدى أهمية الاستطراد بهذا الشأن، ونعني به “باريسيات” الشاعر العظيم، فيتم التوقف عند قصيدته “باريس” المنظومة عام 1948 (3)

* … وموهوبون متميزون

ومادام التوثيق يشمل المبدعين العراقيين وعلاقتهم بعاصمة فرنسا، أو علاقتها بهم، فلابد اذن أن يصار للحديث عن جمع بارز من الشخصيات الثقافية التي مرت وأقامت، وأبدعت، ومابرح بعضها يبدع، في باريس… ومن المؤكد ان يذكر منهم أولاً: جواد سليم وسعدي يوسف ومحمد سعيد الصكار وفيصل لعيبي وصلاح جياد وجليل العطية وعبد القادر الجنابي إضافة لعدد آخر يشمل تشكيليين وأدباء ومثقفين واعلاميين ومنهم: سلام خياط، غسان فيضي، عصام الخفاجي، شوقي عبد الأمير، انعام كجه جي، جبار ياسين، هشام داوود، سوسن سيف، وجواد بشارة… وعلى هذا الصعيد ينبغي، كما نظن – وبعض الظن ليس اثماً – ان تتناول التأرخة التي نساهم في التخطيط لها، جوانب من أبرز المتحقق على هذا الصعيد من نتاجات ثقافية وفنية، مثل الدراسات والاصدارات والمعارض واللوحات والمشاركات في الحياة الاجتماعية والمدنية وغيرها….

* سياسة … وسياسيون

… ولأن السياسة حاضرة في كل زمان ومكان، فلابد أن تأخذ موقعها في هذا التوثيق، وخاصة من جهة العلاقات الرسمية والاقتصادية وسواها… أو نشاط المعارضة العراقية في باريس، وأخواتها المدن الفرنسية… ومن بين ما نعتقد بأهمية التركيز عليه بهذا الشأن: بدايات العلاقات الدبلوماسية، المؤثرات الاقتصادية في العلاقات السياسية خلال العهود العراقية المختلفة، وخاصة فترة نظام البعث الثاني الذي ركز على توثيق الصلات مع فرنسا، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً… بل وحتى نووياً، لأسباب متعددة من بينها مراهنته الهشة على الدور الفرنسي في مواجهة التعقيدات والتداعيات التي تسببت بها “نظريات” و”توجهات” السلطة البعثية في حروبها الداخلية والخارجية، ومغامراتها المعروفة خلال الثمانينات والتسعينات بشكل رئيس… وفي هذا السياق كم يبدو ضرورياً أن يتم الحديث عن دور سفارة بغداد لدى فرنسا في تلك الفترة، وما قامت به من نشاطات على أصعدة شتى، سياسية واعلامية، فضلاً عن المخابراتية وما إلى ذلك…

… ولاشك في أن تلك الوقائع والأحداث ستدفع بالموثق أو المؤرخ للتوقف، تالياً، عند بعض الأسماء “اللامعة” في ادامة وتطوير روابط نظامها مع فرنسا، مثل محمد المشاط وعبد الأمير الأنباري وغازي فيصل حسين… وحتى انهيار السلطة البعثية في نيسان 2003، ثم ليتولى السفير موفق مهدي عبود رئاسة البعثة الدبلوماسية الأولى للعراق الجديد في باريس، وإلى اليوم…

… وبالمقابل لا يحق للموثق المعني أن يتجاوز في هذا المسار، النشاط العراقي المعارض في باريس، وفرنسا عموماً، سياسياً واعلامياً… ويقود ذلك للحديث عن مهام وأدوار فروع أو تنظيمات الأحزاب السياسية هناك ومنها الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، والتشكيلات الاسلامية والقومية وغيرها… ولكي تكون التأرخة أزيد ملموسية، سيكون مفيداً التنويه – على الأقل – إلى أسماء وشخصيات سياسية عراقية عديدة برزت، أو نشطت في فرنسا، في الثمانينات والتسعينات الفائتة، ومنها: رحيم عجينة وبشرى برتو وعادل عبد المهدي ورائد فهمي وقيس العزاوي… فضلاً عن سابقيهم مثل يوسف اسماعيل البستاني وباسل الكبيسي وغيرهما من الأقران…

* أطــر مـدنيـة

… لقد حتم تزايد عدد الطلبة والمقيمين العراقيين في فرنسا واللاجئين إليها، في العقود السابقة، قيام عدد من التشكيلات المهنية والديمقراطية، حملت إلى جانب نشاطاتها المدنية والاجتماعية، مهاماً سياسية وتضامنية مع نضالات الحركة الوطنية… ولعل الأبرز بين تلك التشكيلات والأطر: رابطة الطلبة العراقيين وفرع رابطة الكتاب والصحفيين والفنانيين الديمقراطيين وجمعية الطلبة الأكراد والمنتدى العراقي والجمعية التركمانية… وكذلك المعهد الكردي في باريس. كما نقترح أن يجري التوثيق أيضاً للأسماء البارزة في مجالات العمل الديمقراطي والمهني العراقي في فرنسا، ولفترات متباينة، ومن بينها على ما نعرف: حسين شاكر ووثاب السعدي وخالد الصالحي وعدنان بولص… كما نتساءل عن مدى أهمية الاستفاضة في هذا المجال ليشار، وان بإيجاز، إلى التظاهرات والاعتصامات والبيانات والنشريات عموماً، وغيرها من نشاطات قام بها منتسبو تلك الأطر المهنية والديمقراطية وكذلك السياسية، في مجالات التضامن مع ما تعرض له مناضلو الحركة الوطنية والجماهيرية في العراق، وخاصة في فترة العهد البعثي الثاني (1968-2003)… وهنا قد يفيد الباحث والمؤرخ المعني، الحديث عن اغتنام اعضاء وأنصار التنظيمات السياسية والديمقراطية العراقية فرص فعاليات جماهيرية تشهدها العاصمة الفرنسية، وضواحيها كل عام، ليشاركوا فيها، ويعبروا من خلال منابرها عن بعض أهدافهم السياسية والتضامنية… ومن بين تلك الفعاليات – على ما نعهد – احتفالات صحيفة اللومانتيه، ومهرجانات الشبيبة الشيوعية الفرنسية ومسيرات الأول من آيار العمالية… اضافة إلى المؤتمرات والندوات الدولية وغيرها من فعاليات مشابهة(4)… وفي هذا الاطار، بل وفي سياقه، تجدر الاشارة إلى نشاط متميز للمعارضة العراقية شهدته باريس، وهو اطلاق اللجنة العالمية للتضامن مع الشعب العراقي، في السادس من تشرين الأول/اكتوبر عام 1981 وبمشاركة سياسيين عراقيين بارزين، وأولهم – كما تحتفظ الذاكرة – القائد الوطني العراقي زكي خيري، والمسؤول الشيوعي فخري كريم…

* اليونســكو

… ووفقاً لاجتهاد آخر، وذي صلة بالتأكيد، من المهم على ما نرى، ان تشمل التأرخة التي تساهم هذه السطور في التخطيط لها، المشاركة العراقية في ادارة، ونشاطات المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة، التابعة للأمم المتحدة، ومختصرها (اليونسكو) كما هو معروف… ولعل ما سيزيد من أهمية ذلك، التوقف بشكل مناسب عند أسماء ممثلي العراق في تلك المنظمة، وادوارهم، ابتداء بالأولين، ومروراً بعزيز الحاج، ثم فترة ما بعد التغيير السياسي الجذري في العراق عام 2003، حينما كلف بتلك المهمة السفير محيي الدين الخطيب، ومازال ممثلاً للبلاد في هذه المنظمة الدولية…

* وأخيراً

… ان خلاصات سريعة كالتي أشرنا إليها في المحاور السابقة – ونستبق بذلك أية ملاحظات متوقعة – ليست كافية بالتأكيد لتأرخة وتوثيق الشؤون العراقية الزاخرة في باريس، وفرنسا عموماً… إلا أن الانطلاقة تبدأ بخطوة أولى كما هو معلوم… وها نحن لا نثبت سوى أطر عامة، لمخطط لابد أن يتصدى له المعنيون، ومن أهل باريس، العراقيين، ذاتهم. فهم الأجدر قبل غيرهم في معرفة “شعاب” العاصمة، والبلاد التي باتت لهم وطناً ثانياً – ولربما الأول حتى – ولاشك فإن في ذاكرتهم ووثائقهم المزيد والمتنوع عن الشؤون ذات العلاقة… بل وسيكون الفضل مضاعفاً، لمن سيسبق الآخرين في التوسع والاضافة، فضلاً عن التدقيق في ما تناولته هذه الاسهامة الأولية.

رواء الجصاني

25/11/2008

هوامش واحالات ــــــــــــــــ

1- بعنوان: تاريخ عراقي في ذاكرة براغ (تموز 2008)

2- بعنوان: أسماء وشؤون عراقية في ذاكرة موسكو (أيلول 2008)

3- تحت اليد متابعة خاصة تبحث في “باريسيات الجواهري”

4- للكاتب مشاركات مباشرة ببعض تلك الفعاليات

مع تحيات بابيلون للاعلام