الرئيسية » بيستون » بصراحة ابن عبود – الاكراد الفيلية قلب العراق النازف

بصراحة ابن عبود – الاكراد الفيلية قلب العراق النازف

وانا صغير كان يمر من امام بيتنا، احيانا، رجلا يحمل “شيلمانه” على ظهره. ويتجه بها الى البيوت الجديدة، التي تبنى على اطراف محلتنا. ادهشتني قوته، وقدرته العجيبتان، وهو يحمل شيلمانه قد يصل طولها الى خمسة امتار، ناهيك عن وزنها وهي من الحديد الخالص. لما سالت عنه قالوا: “انه كردي، والاكراد اظهرهم قوية”! ولما اعترضت: ولكن صديقي فلان هو الاخر كردي لكنه اضعف من السعفة؟! اجابوا: هؤلاء يختلفون، انهم اكراد فيلية! وكان هذا بعد سنوات تفسيري الوحيد لقوة لاعب السلة المشهور، الذي يضرب المثل بلياقته البدنية، فهو افضل سنتر(موزع) كرة سلة في البصرة، ولم نره متعبا ابدا. اموري امان ذلك اللاعب الاسطورة، والاخر حامل الشيلمانه يذكراني بعباس الديك، اول بطل للمصارعة الحرة في العراق اصبح بطلا عالميا، وعن جدارة، وليس مزيفا مثل عدنان القيسي. وتقفز اسماء انور مراد حامي هدف المنتخب الوطني العراقي المشهور. ولاعبي كرة القدم الاخوة محمود اسد، وصمد اسد. وعشرات الرياضيين المتميزين في كرة السلة، والقدم، والطائرة، والملاكمة، والمصارعة، والساحة، والميدان، وغيرها. وبينهم الكثير من الفتيات ايضا. كنا، ولا زلنا نردد احلى الاغاني العراقية لاول ملحن عراقي انتقلت الحانه خارج الوطن حيث غنت له فائزة احمد، والثلاثي المرح، ونجاح سلام، وسميرة توفيق، ونرجس شوقي، وغيرهم. عرفنا بعد ذلك ان صاحب الصوت الحنون، والملحن المبدع رضا علي هو من الاكراد الفيلية. عباس جميل، وجعفر حسن، ونصير شمة، ومحمد حسين گمر، والمئات من المبدعين، والمبدعات من المطربين، والفنانين، والسياسيين، والادباء، والكتاب، والصحفيين، والمناضلين، والشهداء، وقادة احزاب، ومنظمات نقابية، ومهنية، وطلابية، واساتذة جامعة، ومدرسين، ومهنيين بارعين. اغلب، واشهر التجار الناجحين، خاصة في سوق الشورجة الشهير ببغداد، وسوق التجار في البصرة، والصناعيين العراقيين كانوا منهم. في بغداد كانت لهم مدارس خاصة متميزة مثل المدرسة الفيلية. منظمات ونوادي، وجمعيات رياضية، وثقافية، ونواحي اجتماعية عديدة تزرع حب الوطن، والانتماء له في افكار اعضائها، وجمهورها. حتى مواكبهم الحسينية كانت متميزة، وذات نكهة خاصة، ويختلط في شعاراتها، و” رداتها” الديني، مع الوطني.

كانوا، ولا زالوا، دائما في مقدمة النضال الوطني، والطبقي، والاجتماعي. ولهذا حاربهم المستعمرون، والنظام الذي جاء بعد ثورة العشرين(بتاثير القوميين المتعصبين، وايتام الحكم العثماني) فابتدعوا لعبة “التبعية الايرانية” في حين ان قبائل عربية عديدة وكبيرة اختارت التبعية الايراانية زمن الحكم التركي لتخليص ابناءهم من الخدمة في الجندرمة العثمانية، ولم يعتبروا تبعية ايرانية بعد ذلك. حاولت ثورة 14تموز، وقائدها الخالد عبدالكريم قاسم انصافهم، لكن عملاء ايران بالذات في المرجعية الشيعية، وعملاء الاستعمار، وشركات النفط، والقوى القومية المتطرفة، وابناء الاقطاع، وكل الرجعيين، واعوانهم اسقطوا الثورة. وكان “عگد” الاكراد في بغداد اخر معقل سقط في الدفاع عن ثورة تموز، واعتقل الالاف من ابنائهم، وبناتهم بسبب ولائهم للعراق، وثورته المجيدة. وقد شهدت مناطق تجمعاتهم الاخرى في القشل، والكفاح، والصدرية، وابوسيفين، وباب الشيخ، وغيرها مقاومة ضارية للانقلاب الفاشي.

لم اصدق انه في السبعينات، وصديقي الذي يجيد العربية احسن مني لديه شهادة جنسية من الدرجة الثانية. وحتى هذه لم يعترف بها حين سفر كل اهله الى الحدود الايرانية بعد ان سلبوهم كل الوثائق، والمقتنيات، والاموال، واستولوا على ممتلكاتهم المنقولة وعير المنقولة. ايران التي تركتهم يعيشون في الخيام حتى يومنا هذا رغم “تبعيتهم” المدعاة، وانتمائهم لتفس المذهب. في ايران يعتبرون عراقيين! وفي العراق طردوهم على اساس انهم ايرانيين. وفي اوربا صعوبات جمة لاثبات هويتهم من اجل منحهم حق اللجوء. تقاسمتهم المنافي، وتخلت عنهم القوانين والدول. الاف مؤلفة من الشباب اختفوا في سجون النظام الصدامي الفاشي. حولوهم الى حقل تجارب لاسلحتهم الفتاكة. اعدموهم للتسلية السادية. لم يجد اهلهم، وذويهم لا ذكر، ولا قبر لهم. وكلهم كانوا شبابا في عمر الورود. اثناء الحرب مع ايران انظموا الى صفوف الاحزاب الاسلامية، ومنظماتها، وجيش بدر، جبرا، وطواعية، وقاتلوا، واستشهدوا في سبيل الوطن. ولما عادت بدرالى العراق، واستلمت الاحزاب الاسلامية السلطة تنكرت لهم، ولم تطالب بحقوقهم، ولم تعوض خسائرهم.

في البراري، والقفار، وعلى الحدود، وبين حقول الالغام تركوا فريسة للذئاب، والحيوانات المفترسة الاخرى. وبقيت جثث من لم يتحمل المسير في العراء طعاما للوحوش وتعرض الاحياء منهم الى هجمات الجحوش الذين كانوا يكمنون لهم لنهب ما استطاعوا اخفائه من مال، ومتاع، وحلي بسيطة. وقد كافئهم البرزاني والطالباني على اعمالهم “القومية” تلك بعفو عام، ورواتب، ومنح، وتقاعد ضخم تقديرا لاعمالهم “البطولية”! ضد اشقائهم الكرد الفيلية. من قرأ بعض كتابات الاستاذ عبد الغني الخليلي، وماساة عائلته، وامه العجوز يتصور حجم الماساة. هذه العائلة، التي ضحت، وقدمت الكثير في سبيل العراق لم تجد فرصة لدفن موتاها في المكان الذي يرغبون. وقليل من يعرف ان تهجير الاكراد الفيلية تم على وجبات، ومرات كثيرة ففي 1969 سفر الاف منهم بحجة عدم حيازتهم للجنسية العراقية وفي 1970 و1971 هجرت الاف اخرى بحجج مماثلة واهية، واغلبهم ولد، وعاش، ودرس، وعمل وادى الخدمة العسكرية في العراق، ولم يعرف وطنا اخر، ولا يعرفون كلمة من الفارسية غير “خوش” التي يعرفها كل العراقيين. ثم الحملة الاشهر قبل، واثناء الحرب العراقية على ايران عام 1980، وهي ماساة بشرية رهيبة المفترض استعادتها سنويا لان “السبي الفيلي” فاق بكثير السبي البابلي، وحتى ماساة كربلاء التي قتل فيها العشرات في حين شرد، وقتل، وذبح، ودفن حيا الالاف من الاكراد الفيلية دون ان تقام لهم العزاءات، ولم تسيير المواكب، ولم تدفن جثث موتاهم بشكل لائق، ولا استعادوا حقوقهم التي سلبت منهم. انهم فلسطينيوا العراق بلا منازع.

انهم الجرح العراقي النازف منذ عشرات السنين ومأساتهم وصمة عار في جبين القتلة العنصريين ممن امروا بالتهجير، والخونة الذين تسلقوا السلطة مدعين الدفاع عن حقوقهم. وفي وقت تقوم الدنيا، ولاتقعد، ويهدد البرزاني بالحرب من جديد، بسبب كركوك، ويحذرتركيا بالتدمير، والعرب، والتركمان بالتهجير لم نسمعه، وصاحبه المتصهين يصران بنفس القوة على استعادة حقوق الاكراد الفيلية رغم انهم حصدوا اصواتهم الانتخابية بحجة القائمة الكردستانية، وضموا مدن وقرى الاكراد الفيلية كغنائم حرب وتوسع عنصري دون الالتفات لابسط مطاليبهم الانسانية، ورفع الحيف عنهم، ولازالوا، كما كانوا يعانون المضايقة، والتمييز، والتهميش باشكال، وحجج مختلفة. مع ان القائمة الكردستانية هي القائمة الثانية في البرلمان العراقي، والسلطة الثانية في المركز، والاولى، والوحيدة في الاقليم.

شارك الاكراد الفيلية في نشاطات الحزبيين الكرديين، وقاتلوا في صفوف “البيشمرگة” وقدموا الشهداء حتى ايام الملا مصطفى البرزاني. وكانوا يمثلون اغلبية الفرع الخامس للحزب الديمقراطي الكردي. لقد ساهم الاكراد الفيلية ومنذ البدأ بحركة انصار الحزب الشيوعي العراقي في نضاله المسلح وشاركوا، وساهموا مع الاخرين من رفاقهم من ابناء القوميات العراقية في الكفاح المسلح ضد الحكم العفلقي، وقدموا في ذاك الطريق الكثير من الضحايا، والشهداء. لم يلتفتوا الى مصيبتهم الخاصة، ولم ينعزلوا بل وضعوا ايديهم مع رفاقهم بوطنيتهم المشهودة، والمعهودة، عبر تشخيص صائب بان النظام الصدامي الديكتاتوري كان عدو الجميع. ومثلها مثل القيادات القومية الكردية، والقيادات الدينية الشيعية، التي تنكرت لهم فان الحكومة العراقية لازالت ساكته(اقل ما يقال) عن حل مشاكلهم المعلقة، واستعادة حقوقهم، ومطالبة ايران بالتعامل معهم بشكل انساني كجالية عراقية كما يفعلون مع عملاء طهران، والجالية الايرانية في العراق، ولو من باب التعامل بالمثل. وفي الوقت الذي سيطر زعماء وكوادر الاحزاب الاسلامية الحاكمة على الكثير من بيوت رجالات البعث، والحكم السابق، واستولوا على الكثير من اراضي، وممتلكات، ومساكن الدولة دون وجه حق، واعتبار العراق كله غنيمة حرب فان الاف من الاكراد الفيلية لازالوا يسكنون الخيام في ايران، والعراق، واحيانا امام البيوت، والمساكن، والاراضي، التي كانت عائدة لهم في يوم ما. فاي عدالة اسلامية، واي اخوة كردية، واي ماساة فيلية في زمن بوش، وحلفائه، وعملائه في العراق، البلد الذي ساهم الاكراد الفياية في بنائه القديم، والحديث، ولا زالوا متمسكين بوطنهم، ووطنيتهم. وسيبقى الاكراد الفيلية كما يبدو يحملون مآسي العراق على اكتافهم، واعبائه على رؤوسهم، ويغرقون في همومه في حين ينعم مبتزيهم بالمال، والنعيم، والسلطة. وسيظلون يحملون ،الشيلمان، لتشاد بيوت الاغوات، والاقطاعيين، والاسياد، وتجار العبيد الجدد. في حين يظل ابنائهم مشردين في داخل وخارج الوطن المنكوب.




بصراحة ابن  عبود


 


الاكراد الفيلية قلب العراق النازف


 


وانا صغير كان يمر من امام بيتنا، احيانا، رجلا يحمل “شيلمانه” على ظهره. ويتجه بها الى البيوت الجديدة، التي تبنى على اطراف محلتنا. ادهشتني قوته، وقدرته العجيبتان، وهو يحمل شيلمانه قد يصل طولها الى خمسة امتار،  ناهيك عن وزنها وهي من الحديد الخالص. لما سالت عنه قالوا: “انه كردي، والاكراد اظهرهم قوية”! ولما اعترضت: ولكن صديقي فلان هو الاخر كردي لكنه اضعف من السعفة؟! اجابوا: هؤلاء يختلفون، انهم اكراد فيلية! وكان هذا بعد سنوات تفسيري الوحيد لقوة لاعب السلة المشهور، الذي يضرب المثل بلياقته البدنية، فهو افضل سنتر(موزع) كرة سلة في البصرة، ولم نره متعبا ابدا. اموري امان ذلك اللاعب الاسطورة، والاخر حامل الشيلمانه يذكراني بعباس الديك، اول بطل للمصارعة الحرة في العراق اصبح بطلا عالميا، وعن جدارة، وليس مزيفا مثل عدنان القيسي. وتقفز اسماء انور مراد حامي هدف المنتخب الوطني العراقي المشهور. ولاعبي كرة القدم الاخوة محمود اسد، وصمد اسد. وعشرات الرياضيين المتميزين في كرة السلة، والقدم، والطائرة، والملاكمة، والمصارعة، والساحة، والميدان، وغيرها. وبينهم الكثير من الفتيات ايضا. كنا، ولا زلنا نردد احلى الاغاني العراقية لاول ملحن عراقي انتقلت الحانه خارج الوطن حيث غنت له فائزة احمد، والثلاثي المرح، ونجاح سلام، وسميرة توفيق، ونرجس شوقي، وغيرهم. عرفنا بعد ذلك ان صاحب الصوت الحنون، والملحن المبدع رضا علي هو من الاكراد الفيلية. عباس جميل، وجعفر حسن، ونصير شمة، ومحمد حسين گمر، والمئات من المبدعين، والمبدعات من المطربين، والفنانين، والسياسيين، والادباء، والكتاب، والصحفيين، والمناضلين، والشهداء، وقادة احزاب، ومنظمات نقابية، ومهنية، وطلابية، واساتذة جامعة، ومدرسين، ومهنيين بارعين. اغلب، واشهر التجار الناجحين، خاصة في سوق الشورجة الشهير ببغداد، وسوق التجار في البصرة، والصناعيين العراقيين كانوا منهم.  في بغداد كانت لهم مدارس خاصة متميزة مثل المدرسة الفيلية. منظمات ونوادي، وجمعيات رياضية، وثقافية، ونواحي اجتماعية عديدة تزرع حب الوطن، والانتماء له في افكار اعضائها، وجمهورها. حتى مواكبهم الحسينية كانت متميزة، وذات نكهة خاصة، ويختلط في شعاراتها، و” رداتها” الديني، مع الوطني.


 


كانوا، ولا زالوا، دائما في مقدمة النضال الوطني، والطبقي، والاجتماعي. ولهذا حاربهم المستعمرون، والنظام الذي جاء بعد ثورة العشرين(بتاثير القوميين المتعصبين، وايتام الحكم العثماني) فابتدعوا لعبة “التبعية الايرانية” في حين ان قبائل عربية عديدة وكبيرة اختارت التبعية الايراانية زمن الحكم التركي لتخليص ابناءهم من الخدمة في الجندرمة العثمانية، ولم يعتبروا تبعية ايرانية بعد ذلك. حاولت ثورة 14تموز، وقائدها الخالد عبدالكريم قاسم انصافهم، لكن عملاء ايران بالذات في المرجعية الشيعية، وعملاء الاستعمار، وشركات النفط، والقوى القومية المتطرفة، وابناء الاقطاع، وكل الرجعيين، واعوانهم اسقطوا الثورة. وكان “عگد” الاكراد في بغداد اخر معقل سقط في الدفاع عن ثورة تموز، واعتقل الالاف من ابنائهم، وبناتهم بسبب ولائهم للعراق، وثورته المجيدة. وقد شهدت مناطق تجمعاتهم الاخرى في القشل، والكفاح، والصدرية، وابوسيفين، وباب الشيخ، وغيرها مقاومة ضارية للانقلاب الفاشي.


 


لم اصدق انه في السبعينات، وصديقي الذي يجيد العربية احسن مني لديه شهادة جنسية من الدرجة الثانية. وحتى هذه لم يعترف بها حين سفر كل اهله الى الحدود الايرانية بعد ان سلبوهم كل الوثائق، والمقتنيات، والاموال، واستولوا على ممتلكاتهم المنقولة وعير المنقولة. ايران التي تركتهم يعيشون في الخيام حتى يومنا هذا رغم “تبعيتهم” المدعاة، وانتمائهم لتفس المذهب. في ايران يعتبرون عراقيين! وفي العراق طردوهم على اساس انهم ايرانيين. وفي اوربا صعوبات جمة لاثبات هويتهم من اجل منحهم حق اللجوء. تقاسمتهم المنافي، وتخلت عنهم القوانين والدول. الاف مؤلفة من الشباب اختفوا في سجون النظام الصدامي الفاشي. حولوهم الى حقل تجارب لاسلحتهم الفتاكة. اعدموهم للتسلية السادية. لم يجد اهلهم، وذويهم لا ذكر، ولا قبر لهم. وكلهم كانوا شبابا في عمر الورود. اثناء الحرب مع ايران انظموا الى صفوف الاحزاب الاسلامية، ومنظماتها، وجيش بدر، جبرا، وطواعية، وقاتلوا، واستشهدوا في سبيل الوطن. ولما عادت بدرالى العراق، واستلمت الاحزاب الاسلامية السلطة تنكرت لهم، ولم تطالب بحقوقهم، ولم تعوض خسائرهم.


 


في البراري، والقفار، وعلى الحدود، وبين حقول الالغام تركوا فريسة للذئاب، والحيوانات المفترسة الاخرى. وبقيت جثث من لم يتحمل المسير في العراء طعاما للوحوش وتعرض الاحياء منهم الى هجمات الجحوش الذين كانوا يكمنون لهم لنهب ما استطاعوا اخفائه من مال، ومتاع، وحلي بسيطة. وقد كافئهم البرزاني والطالباني على اعمالهم “القومية” تلك بعفو عام، ورواتب، ومنح، وتقاعد ضخم تقديرا لاعمالهم “البطولية”! ضد اشقائهم الكرد الفيلية. من قرأ بعض كتابات الاستاذ عبد الغني الخليلي، وماساة عائلته، وامه العجوز يتصور حجم الماساة. هذه العائلة، التي ضحت، وقدمت الكثير في سبيل العراق لم تجد فرصة لدفن موتاها في المكان الذي يرغبون. وقليل من يعرف ان تهجير الاكراد الفيلية تم على وجبات، ومرات كثيرة ففي 1969 سفر الاف منهم بحجة عدم حيازتهم للجنسية العراقية وفي 1970  و1971 هجرت الاف اخرى بحجج مماثلة واهية، واغلبهم ولد، وعاش، ودرس، وعمل وادى الخدمة العسكرية في العراق، ولم يعرف وطنا اخر، ولا يعرفون كلمة من الفارسية غير “خوش” التي يعرفها كل العراقيين. ثم الحملة الاشهر قبل، واثناء الحرب العراقية على ايران عام 1980، وهي ماساة بشرية رهيبة المفترض استعادتها سنويا لان “السبي الفيلي” فاق بكثير السبي البابلي، وحتى ماساة كربلاء التي قتل فيها العشرات في حين شرد، وقتل، وذبح، ودفن حيا الالاف من الاكراد الفيلية دون ان تقام لهم العزاءات، ولم تسيير المواكب، ولم تدفن جثث موتاهم بشكل لائق، ولا استعادوا حقوقهم التي سلبت منهم. انهم فلسطينيوا العراق بلا منازع.


 


 انهم الجرح العراقي النازف منذ عشرات السنين ومأساتهم وصمة عار في جبين القتلة العنصريين ممن امروا بالتهجير، والخونة الذين تسلقوا السلطة مدعين الدفاع عن حقوقهم. وفي وقت تقوم الدنيا، ولاتقعد، ويهدد البرزاني بالحرب من جديد، بسبب كركوك، ويحذرتركيا بالتدمير، والعرب، والتركمان بالتهجير لم نسمعه، وصاحبه المتصهين يصران بنفس القوة على استعادة حقوق الاكراد الفيلية رغم انهم حصدوا اصواتهم الانتخابية بحجة القائمة الكردستانية، وضموا مدن وقرى الاكراد الفيلية كغنائم حرب وتوسع عنصري دون الالتفات لابسط مطاليبهم الانسانية، ورفع الحيف عنهم، ولازالوا، كما كانوا يعانون المضايقة، والتمييز، والتهميش باشكال، وحجج مختلفة. مع ان القائمة الكردستانية هي القائمة الثانية في البرلمان العراقي، والسلطة الثانية في المركز، والاولى، والوحيدة في الاقليم. 


 


شارك الاكراد الفيلية في نشاطات الحزبيين الكرديين، وقاتلوا في صفوف  “البيشمرگة” وقدموا الشهداء حتى ايام الملا مصطفى البرزاني. وكانوا يمثلون اغلبية الفرع الخامس للحزب الديمقراطي الكردي. لقد ساهم الاكراد الفيلية ومنذ البدأ بحركة انصار الحزب الشيوعي العراقي في نضاله المسلح وشاركوا، وساهموا مع الاخرين من رفاقهم من ابناء القوميات العراقية في الكفاح المسلح ضد الحكم العفلقي، وقدموا في ذاك الطريق الكثير من الضحايا، والشهداء. لم يلتفتوا الى مصيبتهم الخاصة، ولم ينعزلوا بل وضعوا ايديهم مع رفاقهم بوطنيتهم المشهودة، والمعهودة، عبر تشخيص صائب بان النظام الصدامي الديكتاتوري كان عدو الجميع.  ومثلها مثل القيادات القومية الكردية، والقيادات الدينية الشيعية، التي تنكرت لهم فان الحكومة العراقية لازالت ساكته(اقل ما يقال) عن حل مشاكلهم المعلقة، واستعادة حقوقهم، ومطالبة ايران بالتعامل معهم بشكل انساني كجالية عراقية كما يفعلون مع عملاء طهران، والجالية الايرانية في العراق، ولو من باب التعامل بالمثل. وفي الوقت الذي سيطر زعماء وكوادر الاحزاب الاسلامية الحاكمة على الكثير من بيوت رجالات البعث، والحكم السابق، واستولوا على الكثير من اراضي، وممتلكات، ومساكن الدولة دون وجه حق، واعتبار العراق كله غنيمة حرب فان الاف من الاكراد الفيلية لازالوا يسكنون الخيام في ايران، والعراق، واحيانا امام البيوت، والمساكن، والاراضي، التي كانت عائدة لهم في يوم ما. فاي عدالة اسلامية، واي اخوة كردية، واي ماساة فيلية في زمن بوش، وحلفائه، وعملائه في العراق، البلد الذي ساهم الاكراد الفياية في بنائه القديم، والحديث، ولا زالوا متمسكين بوطنهم، ووطنيتهم. وسيبقى الاكراد الفيلية كما يبدو يحملون مآسي العراق على اكتافهم، واعبائه على رؤوسهم، ويغرقون في همومه في حين  ينعم مبتزيهم بالمال، والنعيم، والسلطة. وسيظلون يحملون ،الشيلمان، لتشاد بيوت الاغوات، والاقطاعيين، والاسياد، وتجار العبيد الجدد. في حين يظل ابنائهم مشردين في داخل وخارج الوطن المنكوب.


 


رزاق عبود


7/7/2008