الرئيسية » مقالات » مناقشة فكرية مع الأخوة الكرام في جميعة السراجين الحلقة الرابعة والأخيرة

مناقشة فكرية مع الأخوة الكرام في جميعة السراجين الحلقة الرابعة والأخيرة

مناقشة قضايا اقتصادية أخرى
أولاً: أثار بعض المشاركين في الندوة حول أهمية دور النفط في الاقتصاد العراقي. وينتقد التقرير الذي تسلمته أولئك الذين يركزون على موارد النفط المالية في حين يفترض فيهم الانتباه إلى قضايا أخرى حيث جاء في التقرير المعد من جمعية السراجين ما يلي: “النفط ودوره في الماضي القريب وحاليا ضمن تركيبة المجتمع العراقي والوضع الاقتصادي , وبينما تحدث البعض , ومنهم أكثر السادة القائمين على إدارة الندوة , وكأن النفط وإيراداته هو العقدة كما هو الحل والربط , فزيادة أسعاره وكمية تصديره هو مفتاح الخير العميم للمجتمع وتطلعاته وللاقتصاد وتفرعاته , متناسين وكما أوضح البعض أن جل مشكلات العراق , هي في زيادة اعتماد الحكومات المتعاقبة سابقا ولاحقا على مداخيل النفط لتغيير البنية الاجتماعية لفئات الشعب العراقي من منتجين وعاملين في الأرض والورشة والحرفة والحقل , إلى مستهلكين ضمن بركات الحاكم وتحت جناحه …الخ”.
إن هذا الرأي , وأيا كان قائله , يخلط بين مسألتين مختلفتين , بين أهمية وضرورة ودور النفط في الاقتصاد والعملية الاقتصادية العراقية , وبين سوء استخدام موارد النفط المالية من جانب الحكومات العراقية المتعاقبة. لا بد هنا من توضيح الأمور التالية:
1 . إن النفط الخام والغاز الطبيعي ثروة وطنية استراتيجية بالنسبة للاقتصاد العراقي والدولي ولا بد من استغلالها بصورة عقلانية لصالح العراق وأن يؤخذ في استغلالها ببنظر الاعتبار مصلحة الأجيال الراهنة والأجيال القادمة , أي موازنة عقلانية في الاستخراج والتصدير والاستخدام في الداخل.
2 . وأن هذه الثروة , من حيث كونها مادة خام أو مورد مالي , يفترض استخدامها بصورة سليمة في العملية الاقتصادية , سواء في إقامة مشاريع صناعية بتروكيماوية وسلسلة طويلة من السلع المصنعة وفي إنتاج الطائقة الكهربائية ..الخ , أم في توظيف الموارد المالية في إقامة مشاريع التنمية الاقتصادية المادية والبشرية وتحقيق التراكم الرأسمالي لصالح الإنسان والمجتمع وإغناء الثروة الاجتماعية في العراق. أي يفترض عند وضع السياسة الاقتصادية تأمين إجراء تغيير في بنية الاقتصاد العراقي بما يجعله متعدد الجوانب وليس وحيد الجانب كما هو عليه الحال , أي مشاركة قطاعات إنتاجية أخرى بصورة أفضل في إنتاج الدخل القومي , كالصناعة التحويلية والزراعة والصناعات الصغيرة والحرفية بدلاً من اعتماده على النفط الخام بشكل أساسي.
3 . وأن موارد النفط المالية , وكذا النفط الخام ذاته , يساهم عبر دوره في عملية التنمية في تغيير بنية المجتمع الراهن ذات الطبيعية الفلاحية والريفية والعشائرية باتجاه نمو سريع للطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة والمتوسطة وبناء المجتمع المدني الديمقراطي.
إلا أن من المؤسف والمؤلم حقاً أن نشير إلى إن النفط الخام والغاز الطبيعي كانا حتى الوقت الحاضر عبئاً ثقيلاً على الشعب , وكانا سبباً وراء الكثير من الدماء التي سالت على أرض العراق والدموع التي ذرفت على تلك الضحايا والألام والعذابات التي تحملها الشعب , ولكن هذا الواقع يفترض أن ينتهي وأن تتحول الثروة النفطية والغاز الطبيعي إلى خير يعم الشعب كله ويرفع من مستوى حياة وظروف عمل الفئات المنتجة وبقية فئات المجتمع.
كانت أغلب الحكومات المتعاقبة تستخدم القسم الأعظم من موارد النفط لخلق لتمويل أجهزة الدولة الإدارية والأمنية والشرطة والجيش وشراء أو إنتاج أسلحة تستخدم ضد الشعب في الداخل وفي غزوات وحروب النظام نحو الخارج. هذا الحقيقة التي يذكرها التقرير واقعية وصحيحة حتى الآن. ولكن ألا ينبغي لنا أن نناضل من أجل تغيير هذه الحالة ومن أجل أن لا يساء استخدام موارد النفط المالية في عمليات الإفساد , بل وضعها في خدمة المجتمع. وهي عملية معقدة وليست سهلة في الظروف الراهنة وطبيعة الحكومة القائمة. ولكن هذا لا يعني رفض الحقائق عن أهمية ودور النفط الخام في الحياة الاقتصادية والاجتماعية العراقية سلباً أو إيجاباً.

ثانياً: أشار بعض المشاركين في الندوة إلى واقع وجود تناقض بين الصناعيين والتجار. ففي الوقت الذي يسعى الصناعيون إلى تطوير الصناعة الوطنية , يسعى التجار إلى إغراق الأسواق المحلية بالسلع المستوردة التي تمنع فعلياً التنمية الصناعية بسبب المزاحمة التي تعيق تطور الصناعات الوطنية. وهذه الوجهة لدى التجار التي تسع إلى تحقيق أقصى الرباح بسهولة وبسرعة تلحق أضراراً فادحة بالاقتصاد والمجتمع في العراق.
لم تخطئ المجموعة الصناعية بهذه الملاحظة السليمة جداً , ولكن من المسئول عنها؟ الحكومة العراقية هي المسئول المباشر عنها أولاً , وناشئة عن الخراب الذي لحق بالاقتصاد العراقي خلال العقود الثلاثة المنصرمة بسبب سياسات النظام السابق والحروب ومن ثم العمليات الإرهابية الجارية وسياسة بول بريمر وقوات الاحتلال , وليس التجار بشكل مباشر , إذ أن الحكومة ليست لها سياسة اقتصادية موجهة لأصحاب رؤوس الأموال في البلاد أولاً , كما أنها ليست إلى جانب قيام قطاع صناعي متين وواسع , بل هي تقف إلى جانب التجار وتسعى إلى تنمية دورهم وأرباحهم , ليشكلوا القاعدة الاجتماعية مع موظفي الدولة للأحزاب الحاكمة. ومن يتتبع علاقات هؤلاء التجار سيجد العجب العجاب في علاقاتهم من الأحزاب الحاكمة والعائلات المعروفة والمسيطرة على قيادات تلك الأحزاب , وخاصة الأحزاب الإسلامية الشيعية والأحزاب الكردية. وإشكالية التصدي للتصنيع مسألة كبيرة وقديمة وترتبط عضوياً بالمفهوم الاستعماري القديم الرافض لأي عملية تصنيع في الدول النامية والمستعمرة سابقاً , ويريد لها أن تعتمد على الاستيراد لتغطية حاجة السوق المحلي. وهي السياسة التي تحرم البلاد من القاعدة المادية الأساسية للتنمية الوطنية (الصناعة وتحديث الزراعة وتصنيعها والتقنيات الحديثة في الخدمات الاجتماعية) , وتحرم البلاد من التراكم الرأسمالي , بل تستنزفه عبر الاستيراد السلعي الاستهلاكي والكمالي تحت واجهة سياسة التجارة الحرة والباب المفتوح على مصراعية أمام الاستيراد. وهذه الحالة هي التي تخلق فئة الكومبرادور , أي الفئة الاجتماعية التي ترتبط بالشركات التجارية الدولية وبالاستيراد ومنع التطور الصناعي. وهذه السياسة تحرم البلاد من التغيير الاجتماعي المنشود ونمو الطبقة العاملة والطبقة المتوسطة والبرجوازية الصغيرة. الاقتصاد العراقي الراهن نفطي ريعي , واستيرادي استهلاكي لا غير ومكشوف مائة في المائة على الخارج , وهي كارثة حقيقية على مستقبل العراق , أن أصر الحكام الحاليين على مواصلة هذه السياسة في العراق.

ثالثاً: المسئول عن وزارة المالية رجل بعيد عن علم الاقتصاد والسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية. وأغلب تصريحاته الصحفية حول السياسة المالية تعبر عن ضحالة في التفكير الاقتصادي وجهل بالسياسات المالية وتغيب عنه أن السياسة المالية هي الأداة التنفيذية للسياسة الاقتصادية. ويقترن بهذا سلبياً اعتماد العراق على موارد النفط الخام , وأسعار النفط الخام غير مستقرة على حال , بل متذبذبة بين صعود كبير جداً غير معقول وهبوط حاد غير مبرر , لأنها مرتبطة بالسياسات الدولية والشركات العملاقة المتعددة الجنسية وبالمضاربات الدولية. ومثل هذه الحالة تخلق إشكاليات غير قليلة لوزارة المالية والبنك المركزي ولكل الاقتصاد العراقي وعملية التنمية , إذ يصعب تقدير الإيرادات المالية والتخصيصات المالية الممكنة في وضع الميزانية الاعتيادي وميزانية التنمية. إن هذا الواقع يخلق إشكاليات للبنك المركزي , وهو بنك الدولة الا حتياطي , في رسم سياسة نقدية عقلانية ومحفزة للنمو الاقتصادية وكابحة للتضخم بصورة سليمة لا تؤثر سلباً على القوة الشرائية للسكان , ولكنها تشجع وتنشط من خلال نسب فائدة مناسبة للتوفير ولمنح القروض لمن يعمل على إقامة المشاريع الصناعية وتحديث الزراعة , وكذلك المشاريع الصغيرة التي تساهم في استيعاب جزء مهم من البطالة الكبيرة الراهنة.
لا شك في أن محافظ البنك المركزي السيد الدكتور سنان الشبيبي. يبذل جهوداً واضحة ليلعب البنك المركزي دوره الفعال في السياسة النقدية للبلاد , وفي تصحيح الكثير من إشكاليات التضخم الراهنة وحجم السيولة النقدية وعدد دورات الدينار العراقي سنوياً …الخ, كما أنه لعب دوراً طيباً في إعادة بناء فروع بنك الرافدين في العراق وفي الخارج. وهي مهمة كبيرة.
لقد استمعت بعناية إلى اللقاء التلفزيوني الأخير الذي بثته قناة العراقية مع الدكتور سنان الشبيبي. ومع قناعتي بإمكانيات الدكتور العلمية , إلا أنه لم يكن مقنعاً لي بما طرحه. لقد كان متردداً وغير واثق مما يريد التعبير عنه وفي قضايا يفترض أن يكون أدرى بها من غيره بحكم مسئوليته الطويلة في البنك المركزي. أتمنى أن يراجع هذه الندوة ليلاحظ بنفسه مدى ضعف الموضوعات التي طرحها على المشاهدين والمستمعين. وكان تبريره للأخذ بشروط صندوق النقد الدولي غير كاف وضعيف , رغم أهمية شطب 80 % من ديوان العراق الخارجية , إذ أن تلك الشروط تأتي على حساب مستوى حياة ومعيشة الفئات الكادحة والفقيرة وذات الدخل المحدود , وهو أدرى بذلك بحكم عمله الراهن ايضاً. كانت ولا تزال تتوفر إمكانية خلق الموازنة بين تلك الشروط وبين وجهة التطور الاقتصادي ووجهة الاستجابة لحاجات الفئات الأكثر فقراً وكدحاً في العراق وهي التي تنسحق يومياً , في حين أن أغلب الاحزاب التي ادعت النضال من أجل هؤلاء , تملأ جيوبها وأرقام حساباتها في الداخل والخارج بمزيد من الأموال على حساب مصالح الشعب والتطور الاقتصادي.

رابعاً : نحن ندرك بأن الدول المانحة لم تقدم الكثير , والكثير من القليل الذي قدم ذهب إلى أصحاب السحت الحرام والعمل الإداري , إذ لم يبق منه شيئاً مناسباً للمشاركة في عملية التنمية. ومن المؤسف أن ليست هناك رقابة شعبية وحكومية حازمة قادرة على مراقبة كيفية وصول وسبل صرف تلك الأموال. ولهذا فالتعويل عليها قليل , والجهد المبذول من أجل الحصول عليها أكبر بكثير من المورد المالي المتحقق.

خامساً: لم أجد التوصية التي خرجت بها الندوة كافية لتحريك التوجه صوب التصنيع. فتشكيل وفد لزيارة رئيس الوزراء من قوى يسارية سوف لن يأتي بالشيء الكثير , على أهمية هذا التحرك. بل يفترض أن نحرك الشارع العراقي , أن نحرك العاطلين عن العمل الذين تصل نسبتهم إلى نصف القادرين على العمل في العراق في الوقت الحاضر , أن نحرك الصناعيين , أن نحرك أصحاب رؤوس الأموال والراغبين في التنمية الصناعية , أن نحرك اتحاد الصناعات العراقي وجمعية أصحاب الأعمال , أن نكشف عن القطط السمان وأصحاب النعمة الحديثة الذين اغتنوا عبر التجارة على حساب الشعب والا قتصاد الوطني. أي تفترض المهمة الكبيرة والاستثنائية التي تواجه المجتمع عملاً كبيراً واستثنائياً يتسم بالهدوء والتنظيم والتبرير العقلاني لأسباب التحرك صوب فعاليات فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية من هذا النوع في جميع أنحاء العراق.
وأخيراً , أرى بأن الندوة كانت ناجحة من حيث المهمة والتعبئة لها وما اثارته من نقاط , ولكنها تحتاج إلى مزيد من الجهد لإعداد ورقة تتضمن ما افتقدته ورقة العمل , سواء بتجاوز نقاط معينة أم بتكثيف أخل بالمضمون والهدف المنشود. كما يبقى السؤال قائماً: كيف نستفيد من هذه الندوة ونتائجها في تنشيط الحركة الفكرية بالاتجاه الصحيح؟

24/11/2008 كاظم حبيب