الرئيسية » مقالات » محمد فرادي ..ذاكرة الانهار

محمد فرادي ..ذاكرة الانهار

عندما يسير الماء من اعلى النهرين عبر شواطئ اللون والحنين متخطيا اسرار البيوت وعطر المحلات المضمخة بلون الحياة المستحيلة متغلغلا في مسامات الارض ..الوطن ..الحلم ..فاتحا شرايينه لونا ولمسة من ضياء الشرفات العاشقة ..يكون قد اختزل في مسيرته صور التاريخ الحاضر دوما في مخيلة الانهار ..أو ليست الانهار مراة لوجه البلاد ؟؟واذا كانت كذلك حتما ألا يحق لها ان تاخذ عصارة اسرار البيوت بين موجاتها ناشرة الق اللون على ضفاف القلب .. ذلك هو فناننا الهارب بذاكرة الماء محمد فرادي الذي اودعته الانهار كنوز ذاكرتها قبل ان تغادر البصرة الى سماوات الحنين ..وقبل ان تصعد الى شرفات الوطن رايات من لون يضج باغاني الحقول .. ماذا تعلم من الانهار قبل ان يسلم اصابعه لممرات اكاديمية الفنون في بغداد؟ وماذا اخذ من مدارج الدرس البغدادي ليحلق باسرار البصرة عاليا في سماوات الرحيل ؟؟ لقد اسهمت اكاديمية محمد فرادي في اضافة لبنة المرمر الى بناء الطين الملون بالقلوب وبالماء .. انه ذاكرة الانهار التي سرقت جمال المدن لترميه بين ضفتي شط العرب وعلى اديم البحار صورا لعاشق كبير عاصر الحروب بريشة طائر جنوبي ادمنته مواويل العشق العراقي العجيب ثم لتاخذه بعيدا بعيدا حيث تعب التلفت نحو اشباح تحاول تسلق مواويلها القديمة قدم الماء في ارض الجنوب ..في اعمال محمد فرادي اجدني اتصفح ذاكرتي جرحا جرحا وانظر الى صور عشيقاتي اللواتي عجز النهر عن تصويرهن فصرن اشعارا واغاني مرتبكة بدمعي اليابس ..في اعمال محمد فرادي ارى رسائل العشق الخجول اباح بها لون هو الزيت في طواعيته ليمسح بيديه على شرفات بيوت العراق بحنو اب يغادر للمرة الاخيرة .. وفي اعمال محمد فرادي اجد ذاتي مغمسة باهات لشوق ما فتأ ينازع راسي الى طرق العراق وارصفة الغبار .. وكل مرة تعبرنا الفصول تلبسنا الوان محمد فرادي خيمة الوطن فننسى اننا في غربة مزدوجة حملت عمرنا وبعدنا واطياف لن تعود .. لم تجمعني الحروب ولا خلفياتها المنتشرة بارض العراق ولم تجمعني به ضفاف انهار العراق لكن لونا راحلا بين جدران لوحاته جرني الى لقاء كان جمرة في شتاء الراحلين ..بعد ان ظننت ان عوالم اللون بهتت كما هي الايام في شتاءات الشمال الامريكي القاسي .. دخلت عوالم الوانه لاجد ظلي وقد تفرع الى جدران واقمار من بيوت الضفتين .. لاجد شكلي وقد صار اغنية جنوبية كورتها شفتي قبلة على خد بغداد الاترف .. لا اريد ان ادخل صومعة محمد فرادي كقارئ حيادي لاعماله لانه استفز قلبا ظننت انه اختار الغبار واذا به يقفز بين امواج ذاكرته ..ذاكرة الانهار المتجهة دوما نحو الجنوب ..حاملة معها صور القرى الوادعة واسرار المحلات العراقية النائمة على اكتاف الانهار المترعة باللون وبالموسيقى شكرا للفنان العراقي محمد فرادي على متعة الحنين ولذة الالم الصادق وحصاد الفصول الملونة ..وشكرا على تذكرة الدخول الى ذاكرته المتوقدة باشكال العراق ..لقد ارجعتني اعمال الفنان محمد فرادي عمرا لارى ذاتي نخلة تمشط ظفيرتها على مويجات الفرات وارتني مناديلا هي للعشق العراقي رسائل من جنون وارتني وحشتي وانا اصارع الوان الشتاء بعيدا عن قيض الخدود الخجلى .. وبعيدا عن شموس المدن المتربعة في الرأس ذكرى لاغان حقيقة ..ارجعتني لدرب الشوق للبصرة.

محمد رسول البستاني – ميشغان