الرئيسية » مقالات » انتخابات مجالس المحافظات ودور القوى اليسارية والعلمانية فيها

انتخابات مجالس المحافظات ودور القوى اليسارية والعلمانية فيها

بينا في المقالة السابقة الفرص المتاحة أمام القوى اليسارية والديمقراطية لخوض الانتخابات وحظها من القبول لدى الناخب العراقي ،وعلينا الآن استطلاع ما تتحلى به تتلك القوى من نقاط قوة وضعف وهل تستطيع بالاعتماد على نفسها خوض الانتخابات وتحقيق نتائج مهمة فيها وما هو المطلوب منها لكي تتمكن من تقديم البديل أو الحافز للناخب العراقي ليجعلها ضمن اختياراته.

لو رجعنا إلى الوراء قليلا ورأينا الأداء السيئ لهذه القوى في معالجة الحدث العراقي وابتعادها الكامل عن أي نشاط جماهيري فعال يمكن أن يلفت نظر المواطن إلى وجودها، وعدم قدرتها على التفاعل مع الأحداث والتحرك بمقتضاها وقصورها الواضح في التقرب من الجماهير والاندماج معها ومحاولة تحريكها ،واكتفاء هذه القوى بعقد المهرجانات والفعاليات النخبوية التي لا نجد للمواطن البسيط حضور فيها مكتفية بحضور النخب المثقفة التي هي أساسا تدين بهذا الوجه ولم نجد أي من هذه القوى أستطاع أقامة مهرجان جماهيري في ساحة عامة أو منطقة شعبية بل تركوا الجماهير صيدا سهلا للقوى الدينية التي استغلت المناسبات الدينية للهيمنة على الجماهير وتسخيرها لجانبها ،بل أصبحت هذه القوى وخصوصا بعد السقوط مباشرة هي التي تجذب اهتمام المواطن بما تمتلك من وجود فاعل في أجهزة الدولة وقدرة على تحقيق بعض احتياجات المواطنين فيما لم يكن للقوى الأخرى أي دور في تبني مطالب الجماهير والسعي لحلها لانكفاء هذه القوى وابتعادها عن هذه الأمور، لذلك يتطلب الأمر أن تأخذ القوى الديمقراطية على عاتقها مهمة قيادة الجماهير وتبني مطالبها والسعي للتحرك معها في المطالبة بإقامة الدولة الوطنية الديمقراطية بعيدا عن المحاصصة التي سادت في الدولة العراقية ،وان يكون لهذه القوى وجودها المؤثر في الشارع العراقي،من خلال السعي لتفعيل دور المواطن في المطالبة بحقوقه،ودفع الجماهير للمشاركة في الفعاليات العامة وإقامة الندوات الكبيرة التي تحضرها الطبقات الاجتماعية المختلفة وشرح طبيعة المرحلة وما تتطلب من عمل جاد ودءوب للحصول على حقوق المواطنين لأن الحقوق تؤخذ ولا تعطى،وأن يكون لهذه القوى وجودها في المزارع والمعامل والمدارس والمعاهد والكليات فهل هي قادرة على أثبات هذا الوجود والنزول إلى وسط الجماهير للفوز بأصواتهم.

اعتقد ولعلي مخطئا أن هذه القوى عاجزة عن الوصول إلى الجماهير وإقناعها بالتصويت إلى جانبها لأسباب عديدة في مقدمتها:

*الافتقار إلى الإمكانيات الدعائية فلا تمتلك القوى الديمقراطية مجتمعة فضائية تستطيع من خلالها الترويج لمبادئها أو تبيان أهدافها أو معالجة مشاكل المواطنين من خلال طرحها عبر وسائل الأعلام ،وقد يقول قائل أن هناك فضائيات ذات توجه علماني وديمقراطي ،ولكن أغلب هذه الفضائيات تعمل وفق توجهات تخدم تطلعاتها فالقوميون العرب لهم فضائياتهم التي تعمل ليل نهار لنبش الماضي ومحاولة النيل من القوى الوطنية الأخرى وإلقاء اللوم عليها في أحداث تاريخية وكأنها تعيش الماضي بخلافاته متخذتا من بعض الرموز التي ولى عهدها وأفل نجمها رمزا للحرية والتحرر في الوقت الذي ليس لهذه الرموز أي تأثير في المجتمع العراقي بل أن الشعب العراقي يرى فيها عدوا كاد له وأوصله إلى أبشع دكتاتورية عرفها التاريخ ولا تتورع هذه الفضائيات عن الأنحاء باللائمة على جهات وطنية على أساس من عداء سابق لم تنسيهم الأيام شدته فظلوا على ما هم عليه من عداء وإمعات تردد ما رث من كلام قديم ،بل تحاول ما وسعها الجهد تشويه صورة تلك القوى في الوقت الذي تنسى العدو الحقيقي لها أو المنافس والخصم المؤثر الذي جعل منها نسيا منسيا يلفه الإهمال،وهذه الفضائيات التي تدعي العلمانية لم تستطع أن تجعل للرأي العام توجهه العلماني لعدم امتلاكها الآليات القادرة على الإقناع. في الوقت الذي تمتلك الأطراف الأخرى سائل أعلام متطورة لها تأثيرها على المواطن بما تبث من برامج تؤسس لفكرها وتجعله مقبولا لدى الآخرين.

* ضعف القدرات المالية للأطراف العلمانية والديمقراطية في الوقت الذي يمتلك خصومهم السياسيين الإمكانيات التي تزيد على قدرات بعض الدول العربية،وهذه الإمكانات لها تأثيرها المباشر في الانتخابات حيث يستطيع هؤلاء صرف ملايين الدولارات للترويج لمرشحيهم في الوقت الذي تعجز القوى الديمقراطية عن تأمين ملايين الدنانير،وقد يقول قائل أن بعض الأطراف الديمقراطية تمتلك من الأموال ما يجعلها قادرة على أحداث التغيير والموازنة وأنا أقول لهم أن القوى المعنية لا تمت إلى الديمقراطية والديمقراطيين بصلة وأنها تختبئ خلف هذه الواجهات لتحقيق مأربها الخاصة وتوجهاتها المرتبطة بأطراف هي والديمقراطية على طرفي نقيض،بل أن بعض هذه الأطراف لها ارتباطاتها المشبوهة وتمويلها المعلوم من أطراف غير مقبولة في الشارع العراقي ،واعني بهم البعثيين والدول العربية التي لها مصالحها في العراق وارتبطت بعلاقات مع أطراف عراقية تعمل لصالحها في الوقت الذي يتحسب الشعب العراقي من أي علاقات مع هذه الدول لما لها من تاريخ غير مرغوب فيه من جانب العراقيين.

وهناك أطراف ديمقراطية أخرى لها أمكانتها المادية ولكنها للأسف الشديد لا تمتلك وجودا في الشارع أو لها جماهيرها المخلصة وقد قام أنصارها أو المدعين نصرتها في الانتخابات السابقة بسرقة أموال الحملة والتصرف بها لحسابهم الخاص وما أورده هنا من نتيجة عمل في تلك الأوساط واختلاط بها من خلال الحملة السابقة فكان جل جهدهم الحصول على المال دون العمل بشكل سليم لصالح قائمتهم بل أن بعضهم كان يعمل بالضد منها .

*هناك أمر آخر يجعل من القوى الديمقراطية أقل مستوى في أدائها من الأطراف الأخرى هي عجز الديمقراطيين عن أقامة أي تجمع جماهيري في أي مدينة عراقية فالأطراف الأخرى تمسك بالسلطة بيد من حديد ولا تتورع عن استعمال كافة الوسائل لإفشال أي نشاط معادي لهم ،ولا توجد سلطة قادرة على لجم هؤلاء وإيقافهم عن أي اعتداء وقد رأينا في الانتخابات السابقة إن أتباعهم يمزقون الإعلانات الانتخابية للأطراف الأخرى في النهار دون خشية حساب أو عقاب بل يمارسون جميع أشكال التضييق على من يخالفهم بالتوجهات ولا يتورعون عن استئجار الأطفال أو الأشقياء للقيام بمثل هذه الأعمال،بل قد يستعملون وسائل أكثر عنفا إذا تطلب الأمر ذلك،ولا اعتقد أن أي سلطة قادرة على الوقوف بوجههم لأن السلطة معهم بل هم جزء منها ،وبذلك ينعدم مبدأ تكافؤ الفرص الذي هو جوهر الديمقراطية والعملية الانتخابية.

يتبع