الرئيسية » مقالات » امريكا.. بعد الاتحاد السوفيتي

امريكا.. بعد الاتحاد السوفيتي

كان تفكيك الاتحاد السوفيتي قد لزم اقل من عقد من السنين باطلاق عملية التغيير من عقالها العام 1982، وتحديدا خلال المدة القصيرة التي لم تزد عن عام واحد، تولى فيها يوري أندروبوف منصب رئاسة الحزب والدولة قبل ان يحل الرئيس غورباتشوف بخيار التغيير المنهجي في البيروسترويكا.

وبسبب التلازم بين وحدات التاريخ والتداخل في المنظومات المكونة للعالم المعاصر وتبادل التأثير بين احداثه وانهياراته فان الانظار اتجهت الى الكتلة الغربية التي تشكل طرف المعادلة الاخر في التوازن التاريخي العالمي، إذ بدت للوهلة الاولى انها متماسكة وعصية على التغيير، بل وفي موقع القوة التي لا تقهر، وظهر للكثيرين ان هذا التماسك “القلق” مستمد من المخزون الهائل للقوة الامريكية الذي تعاظم بانهيار الاتحاد السوفيتي وانتقال العالم الى عصر العولمة، غير ان البعض القليل من المحللين والمتنبئين رصدوا في عمق الصورة مأزق النموذج الغربي، بل ولاحظوا، منذ صعود المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، واندفاع بوش الابن في تكريس السياسة التقليدية الامريكية المغامرة ان الولايات المتحدة تعدّ على نحو ما بديلها الذي ينسجم مع طبيعة العصر، ويستجيب لحكم التغيير.

وليس من دون مغزى ان يعلن الرئيس الامريكي الجديد باراك اوباما، بعد دقائق من اعلان فوزه في السباق الانتخابي، بان “التغيير جاء لامريكا” والاهم واللافت والاخطر والانقلاب جاء في تأكيده بان “قوة الولايات المتحدة منذ الان ليست في السلاح” وهي التعبيرات عن البرنامج الانتخابي الذي خاض به التنافس وحشد من خلاله الشارع الامريكي الذي زجه الرئيس بوش في سلسلة من الالتباسات والحيرة والخذلان، فيما ذكّرت انفعالات الملايين الامريكية المهمشة، السوداء والمهاجرة بخاصة، وهي تعبر عن بهجتها بهذا الانتصار ما حدث في تلك السلسلة من التظاهرات المليونية الانفعالية في موسكو وهي تحتضن خيار الغلاسنوست والتغير والتخلي عن الحكم الشمولي.

على ان شعار التغيير الذي رفعه اوباما منهجا لادارته المقبلة لن يكون، إذا ما نظرنا الى تجليات الامر المتسارعة، شعارا انتخابيا لاستدراج الاصوات الى اللون الازرق للحزب الديمقراطي، فثمة عاصفة هبت على الولايات المتحدة هي اكثر من تحول واقل من ثورة، وستجد تعبيراتها في منظومة من الاجراءات والسياسات الجديدة، ليس فقط على صعيد التزامات الولايات المتحدة الدولية وبخاصة حيال بؤر الصراع في افغانستان والعراق والشرق الاوسط وفي ملفات التسلح النووي والارهاب والمجاعة والبيئة، لكن ايضا، وفي المقام الاول، ما يمس القضايا ذات الصلة بحياة الامريكيين بعناوينها الاقتصادية والاجتماعية والاخلاقية التي كانت تتخبظ في دورة من المآزق.

نعم، لن يحدث التغيير بين ليلة وضحاها، فسيجد خنادق عميقة حياله، وقد تتكون جبهة واسعة وشرسة دونه، لكن حكم الرابع من نوفمبر لن يفقد زخمه بسهوله، ولن يجري تصريفه في اقنية الصفقات الجانبية، او الاحتيال عليه بدواعي الظروف الحساسة.. ولن يكون في مقدور القوى الامريكية المحافظة منع تفكيك دولة النخبة الواحدة، مثلما لم يكن في مقدور الحرس السوفيتي القديم وقف عمليات تفكيك دولة الحزب الواحد.
ــــــــــــــــ
كلام مفيد:

“الانظمة السياسية ليس كمثل الاسماء، لا يغيرها الزمن”.

مانديلا