الرئيسية » مقالات » الولاء دون الوطني في الرواية العراقية

الولاء دون الوطني في الرواية العراقية

تنتعش الولاءات العصبوية ومشاعر التمرد والضياع حتما مع معاناة المجتمع من عوامل الاحباط والتمزق ومحاولات اخضاع عموم البلاد لسيطرة قوى الاحتلال واعوانهم ليجر اسباغ المغانم والاهمية على البنى دون الوطنية ومنها النظام العشائري وشيوخ العشائر ورجال الدين.لقد جهدت الحكومات المتعاقبة في الاستانة وبغداد للتمسك بالعشائر واحياء العشائرية(العشرنة او العشائرياتية)ولتحويل العشائر والقبائل الى الحاجلة التي تسحق استياء ورفض عامة الشعب،والاخطار عن كل التحركات خارج الاطر السلطوية،ولتوزيع القاب الشيخ والاغا والبيك على مرتزقتها من المنبوذين لتوسيع القواعد الاجتماعية للسلطات.وتبذل قوى الاحتلال جهدها لخلق الركائز الاجتماعية والاقتصادية عبر المبادئ البريمرية المعروفة واشاعة العلاقات الرأسمالية بالتبادل السلعي النقدي واستغلال العلاقات العصبوية باتجاهين:
1. تحويل شيوخ العشائر ورجال الدين الى اقطاعيين وملاكين كبار ووجهاء للبورجوازية العقارية والكومبرادورية والطفيلية،وتحويل ابناء العشائر والطوائف الى خول ودفعهم الى سوق العمل.
2. استغلال العلاقات العصبوية لتدجين الجماهير الواسعة ودفعها لتنفيذ المآرب الرأسمالية.
وتدخل الحروب وسياسات الاحتلال واعمال الارهاب المنظم والنهج الاجتمااقتصادي للدولة ضمن العوامل المؤثرة في التوازنات العشائرية القائمة في بلادنا حيث تميل المؤسسة العشائرية عادة الى ازالة الحواجز بينها وبين مصالحها وماتريد.
عاش الفلاحون والعشائر والقبائل العراقية مأساة الحروب وويلات الحياة الصعبة وقساوة الظروف السياسية المتقلبة حسب تقلبات الأنظمة المتعاقبة في تسيير قطار السياسة في بغداد،مراحل حزينة وقاسية لحياة الشعب العراقي وبكافة قومياته المنكوبة بطغيان العقول الدموية واالاطر السلطوية المغلقة كما جاء في رواية(د. زهدي الداوودي/تحولات/2007).وعاصر الفلاحون الاحداث الجسيمة من تاريخ العراق السياسي،الاحداث السياسية والمراحل الصعبة لنشوء الحركة اليسارية في العراق وتأثيرها على الوعي الجمعي لشباب ذلك العهد،ورجها للعقول المناهضة لهيمنة فكر البورجوازية الصغيرة او الانصياع للموروثات القبلية.
لا تستمد سلطة الشيخ وجودها وقوتها من التقاليد العشائرية وحدها بل تستمدها مما يكون له من وضع اقتصادي يستطيع به الغلبة على منافسيه والسيطرة على افراد العشيرة عبر تقديم المنافع المادية والخدمات المعيشية،وينهمك هؤلاء بتكديس الثروات وتنمية ملكياتهم الخاصة لوسائل الإنتاج وتوسيع مبادلاتهم التجارية وجباية الضرائب والاتاوات على التجار والقوافل.ومعروف ان العشيرة في نظر الاسلام ضرورة اجتماعية ومصدر قوة للفرد والمجتمع في كل مكان وزمان لدورها الحيوي في حل المشاكل المستعصية التي يعجز القانون على معالجتها ولتحقيق التكافل الاجتماعي وصيانة النظام الاسري من التفكك والانهيار عبر تطبيق الاعراف والتقاليد القبلية كقواعد قضائية ثابتة تتعاقب الاجيال في تطبيقها بصرامة رغم ان النظام العشائري يتضمن سلوكيات لا تنسجم مع الاسلام كتحول المجلس العشائري الى مسرح لآراء منافية للحق وتفسير الاسلام تفسيرات مغلوطة،وشيوع مظاهر الثأر والانتقام،والدية بالنساء،واعتماد اسلوب الوراثة في تعيين زعيم العشيرة.
الميليشيات وبعيدا عن حجمها واسمائها وتصنيفها ومرجعيتها واجندتها السياسية،واساليب العنف التي تستخدمها،ومدى مشروعية وجودها القانوني في الساحة السياسية،او حجم التعاطف الشعبي معها في الشارع العراقي،فانها ظاهرة غير صحية قائمة في الجوهر على التوازنات العشائرية والطائفية.وادى تعاظم دور الميليشيات الى المزيد من التمترس ومفاقمة الأوضاع في بلادنا وخروج مجاميع متطرفة منها على السيطرة،امتهنت الإجرام والقتل والخطف”والعلس”..الخ.كما لجأت الاحزاب المتصارعة الى استراتيجية استقطاب العشائر بعد تصاعد المطالب بتوسيع تجربة مجالس الصحوة العشائرية لمحاربة الميليشيات.
رغم بطولة وجسارة العشائر العراقية في ثورة العشرين الا انها كانت مرتعا للفقر والقذارة والظلام على حد مشاعر الروائي(محمود السيد/في سبيل الزواج/1921)حين يقول:”الفلاح العراقي احقر من الدواب شأنا”بينما ساندت الدولة العراقية الاولى الاستغلال الاقطاعي بدعمها الملاكين الجدد وتكبيلها الفلاحين بسن التشريعات والانظمة التي تسحقهم على حد رواية(ذو النون ايوب/الدكتور ابراهيم/1939).لقد تصدعت الوحدة القرابية للعشائر الفلاحية بتحريض من الاستعمار البريطاني لزعماء العشائر كي يبقى العراق بلدا زراعيا متخلفا(محمد حسن النمري/في الفرات الاوسط/1931)،واستمر الصراع حول الارض من خلال تنافس شيوخ العشائر مع الوحدات المكونة للعشيرة(علي الشبيبي/رنة الكأس/1936).كما تصاعد وتوسع وتعمق عناء الفلاح العراقي الذي يعمل بأجر زهيد لساعات طويلة قاسية تحت تهديد البطالة،ونكل الاقطاع بالفلاحين واحرقوا بيوتهم وصلموا آذانهم وشووها واجبروهم على اكلها في حالات التمرد والعصيان(يحيى عباس/الثالوث/1953).
بقي المضيف العشائري وبقي السادة تعبيرا لرسوخ القلوب والاواصر العشائرية رغم الدهر ومضي الاعوام والسنون،وهو يكتسب قداسته من جلوس السيد به ولجوء اضياف القرية اليه واجتماع عامة الناس به في المناسبات للسمر كما للصلاة،وهو رمز الوحدة الروحية الاجتماعية في القرية،فالبيوت تزول وتفترق مصائر الاشخاص لكن المضيف يبقى في مكانه(جاسم الهاشمي/ام آيشين/1981).وينتشر الفساد الاداري والرشوة وتتوسع قسوة الطبيعة والآفات ويزداد تآمر كبار الملاك على المشاريع الزراعية للفلاحين وخريجي الجامعات،وتقف الطبقات وجها لوجه امام الحياة في كفاحها اليومي المرير في سبيل البقاء وسط صراعا طبقيا حامي الوطيس(ذو النون ايوب/اليد والارض والماء/1948).
لا تجد المرأة في الريف سبيلا للخلاص من المظالم الاقطاعية الا بالموت(عبد الله حلمي ابراهيم/فتاة الريف/1957)،وسادت ظاهرة زواج الشيخ الكبير من الفتيات الصغيرات(د. زهدي الداوودي/تحولات/2007)حين يقول:”كيف ان الرجال الكبار في السّن يتزوجون بعشوائية ودون وعي،من نساء صغيرات وحين يموتون يخلفون وراءهم مجموعة من الاطفال تحتار بهم الام الشابة”.
الصراع الرئيسي في الرواية العراقية قائم بين الجديد والقديم،وبين الفكر التقدمي ومناهضته للعقلية القبلية والطائفية،وكانت الدكتاتورية والنظم الشمولية نصيرة دوما للحياة الاجتماعية القاسية والفاسدة الامر الذي حتم مواجهتها وتغييرها مقدمة لتغيير القيم الاجتماعية السائدة(عادل عبد الجبار/عزرال حمد السالم/1979)و(ناجي التكريتي/مزمار نوار/1980).وتجعل الروابط دون الوطنية من رجل الدين معينا للاقطاعي والمالك ضد المعدمين ومعاديا للتطور وللعلم وناشرا للخرافة والشعوذة(انظر:
عبد الودود عيسى/شمخي/1969
غالب عبد الرزاق/قالت الايام/1965
عبد الآله المخزومي/علل في المجتمع/1972
ادمون صبري/الخالة عطية/1958
مرتضى الشيخ حسين/لقاء في الظهيرة اللاهثة/1973)
العشائرية اليوم كالطائفية مؤسسة ارتدادية ورجعية مرادفة للجهل والامية والاقتتال الدائم،والدفاع عن العشائرية هو طبل فارغ يتعامل مع جسد ميت فالموضوع ليس في التمنيات والاحلام لان التحليل السياسي الصادق عقلاني الطابع وموضوعي وعلمي المضمون.

4/11/2008