الرئيسية » مقالات » لماذا تخلّف الايزيديون؟3

لماذا تخلّف الايزيديون؟3

لم يكن اختيارنا لهذا الموضوع في حلقات إلاّ رغبةً منا في فهم وإفهام تلك الحقيقة المرة التي لازمتنا في ثنايانا، ولم تعد تنفك عنّا وتفارقنا مهما بذلنا من الجهود في الوقت الحاضر. ويجب أن يعرف الاخرون أيضاً بأنهم ليسوا بافضل منا حالاً قياساً بغيرهم، وأن يعرفوا كذلك بأنه لا يوجد مجتمع أو قوم أو شعب متخلف في الاصل. وإنما، التخلف هو حالة نسبية وصفة تنبثق من الواقع المسيطر على قدرات وملكات الأفراد والمجتمعات والشعوب. فبتشديد القبضة على العقل والمبادرات وإخضاعهما لخط سير واحدة رغماً عنهم بحيث لا يمكنهم أن يتخطوا ذلك الحد، عندها يعم الجمود ويشل العقل عن التفكير الطبيعي. وبما أن مسألة التخلف نسبية، لذا فإن مدى تطور أو تخلّف أي مجتمع يقاس بما حوله من التنمية والتطور، وعلى ذلك الاساس يتميز عن المجتمع المحيط به، وبالتالي يطلق عليه التعبير الذي يتصف به ويستحقه. فهو إذن مسألة قياسية وتختلف في بيئة عنها بما موجود في بيئة ثانية، وعلى أساس الظروف والملابسات التي تقف حائلا فيما وراء التخلّف وفي طريق التقدم.
ف للتخلف أسبابه وظروفه وارضيته، وكذا للتقدم والنمو والتطور اسبابه ومسبباته وظروفه. وكحقيقة لا يمكن تجاوزها، فلم نجد مجتمعاً على وجه الارض تقدم خطوة صحيحة عندما يجعل من التعليم أمراً هامشياً ويمر عليه مرور الكرام. فبمجرد البدء بالتعليم بشكل صحيح على اساس المنهج السليم، سوف يكون هناك مجالا للتفكير وقراءة تراث وتاريخ الشعوب والاطلاع على واقع وتاريخ تلك المجتمعات وتقدمها. وبالتالي سوف ياخذ منها العبر ويتداول ويتفاعل مع محيطه من خلال الدروس والعبر المستنبطة من تلك التجارب، ومن ثم يتخطي الحواجز العنصرية والصهر في الخط العام لنمو وتنمية وتطور المجتمعات بغض النظر عن الانتماء.
يمكن ملاحظة بريق هذا المفهوم بشكل واضح في المجتمع الامريكي، وخاصة عقب الانتخابات الاخيرة عندما تجاوزوا اللون والعرق والعنصرية والخلفية الاجتماعية واعتمدوا على الامكانيات وما يمكن أن يقدمه الانسان. فالعنصرية ليست قيمة أصلية في ضمير الانسان، بل إنها إحدى سيئات المسيرة الانسانية وما صاحبها من صراعات على الأرض والثروات والماء. ويمكن التغلب عليها بعقل متفتح واتساع الحوار الديمقراطي وفتح النوافذ والقنوات بحيث أن الحوار الانساني يأخذ مجراه الطبيعي ومداه الاوسع. في هذه الحالة تتحقق لكل المهمشين فرص التعبير الحر وتطفو من بينها العقول التي لها القابلية على تنوير الطريق بشكل أكثر وضوحاً في الاطار المجتمعي المحدود وكذلك في اطار الشعوب وعموم المجتمعات، سواء اختلف هؤلاء المهمشين مع الغالبية الدينية أو العرقية، أو مع القوى السياسية والاقتصادية المتحكمة بالمجتمع بحكم ثرواتها التي جمعتها من قوت الشعب وبالتالي سطوتها على مقاليد الحكم والحياة في البلاد. فوجدنا السود بجانب البيض، والعربي الاصل بجانب المهاجر الاوربي، واللاتيني يشجع الاسيوي الاصل وأن للجميع مسعى واحدة وهي الفوز بفرص الحياة عن طريق هذا الاختيار أعتماداً على البرنامج المطروح.
عندما كتبت الحلقتين الاولى والثانية من، لماذا تخلّف الايزيديون؟ تلقيت عدداً من الرسائل مِن مَن هم من خارج الايزيدية تقول بما معناها؛ جميل أن نسمع منكم هذا الكلام لكي تنشلوا مجتمعكم من هذه الافكار البالية، وكان لسان حالهم يقول بأنكم الوحيدون الذين تعانون من آفة التخلف متناسين تخلفّهنم وبالتالي دورهم في تخلّفنا، وما تقوم به العديد من الجهات بالقتل والتدمير والخراب وتأخير عجلة التقدم. فهم مشكورون في كل الاحوال، ولكن أقولها وبكل اسف بأنه لسنا الوحيدون في هذا الاطار، وأنكم لستم بأفضل منا حالاً. وأن سبب تاخرنا هو المحيط الخارجي المتخلف الذي اتى منكم وأجبر بدوره الداخل الايزيدي على التركيع وقبول التخلف مجبرا وليس أختياراً للقبول به، أو انه لم يكن له ظرف افضل لكي يستثمره ويتجاوز الضعف والوهن. فكيف لشخص معصوب العينين ومقيد بالسلاسل في يديه وارجله أن يبارز في ميدان الركض شخصاً طليقاً وبكامل تجهيزاته الرياضية وقد تدرب على فنون الركض وتحت اشراف مدربين اكفاء؟ وكيف يمكن أن يتطور الانسان تحت ظروف القهر والتهميش والتحقير بتعمد مدروس؟ إذن فالموضوع ليس فقط تهم واتهامات، وإنما له أسبابه ومسبباته الموضوعية المتأصلة في ثقافة المجتمع الذي لا يقبل بالتطور، ومن ثم يحجب فرصة التطور عن غيره.

السبب الحقيقي وراء تخلفنا.
لابد من القول، بل الاعتراف، بانه لسنا نحن المسئولين الوحيدون عن تخلفنا بمقاييس التخلف المعمول قياسا بالطموحات التي نمتلكها كما سبقت الاشارة، بدليل أننا نتقبل التنمية والتشعب في مجالات المعرفة. ولكوننا لانمتلك الامكانية في اختيار المفردات والمناهج واسلوب التعليم، فإننا نخضع لسلوك عام يسيطر فيه الدينين الاسلامي والايزيدي بثقليهما وما فيهما من مجالات الاستغلال لصالح التخلف، وكذلك تأثير العرف الاجتماعي والثقافة العامة على ملكاتنا الثقافية. وأن هذا التفسير لا يعني بأننا يجب أن نقف مكتوفي الايدي تجاه مجتمع عالمي يتقدم بسرعة البرق، ونحن نتخلف عنه بما يساويها في المقدار ويعاكسها في الاتجاه نحو الامام.
إن المشكلة الأساسية هي أن نحدد، من أين تبدأ ثقافة التنمية في المجتمعات؟ فإذا كان المجتمع (والايزيدية كمثال) عموماً يحاكَم على أساس دينه، والفرد في هذا المجتمع يحاكَم على أساس أنتمائه لهذا الدين، والفكر يحاكَم على أساس وجوده في رأس هذا الفرد. فكيف إذن يمكن للفرد (الانسان)، أن يمزق كل هذه الحواجز ليطفوا بكامل طاقته وعافيته إلى السطح ويؤدي دوره الطبيعي؟ وما ينطبق على الافراد هو عينه ما ينطبق على المجتمعات والدول والشعوب. وما يعقّد المشكلة أكثر هو أن القادة والمسئولين يحكمون على الواقع بكل نشاطاته بنفس الروحية والسلوك الذي كان يطبق في ايام المجتمعات الزراعية الاقطاعية ذات الطابع الجماعي مهمشين بذلك دور الافكار والمبادرات الفردية وقتل تلك المبادرات لمجرد أنها جاءت من شخص ينتمي إلى الدين الفلاني أو الطبقة الفلانية أو العشيرة المعينة، أي أن تقييم نشاطات الانسان ومبادراته وإبداعاته كلها تعتمد على انحداره وليس على أفكاره.
فيبدو لي بأن الثورة المعلوماتية والنهضة الصناعية وعصر ما بعد الحداثة لم يصل بعد إلى عقول المسئولين عن إدارة مجتمعاتنا، بدليل أنهم لازالوا يتعاملون مع الواقع بنفس تلك الروحية التي كانت سائدة في المراحل التي كانت تقتل فيها الطموحات والابتكارات تحت حجج الدين والقومية والعنصرية والطائفية، ومن ثم عدم التعامل العقلاني مع الواقع، وبالتالي أتساع وانتشار امتدادات اخطبوط التخلف في أعماق المجتمع مسبباً تأخره. فالخلط بين الدين والسياسة، والربط بين القومية والدين، وشد العشيرة بالعرق، وإلحاق بين الخير بالشر وتفضيل الطالح على الصالح لاعتبارات نفعية وغيرها الكثير جعلت من ثقافة هذه المجتمعات لا تقبل بالآخر وبالتالي قتل حرية الفكر والمبادرة والطموح. فليس للفرد في ظل مجتمعاتنا حرية اختيار العمل والطريقة التي ينمي بها افكاره مما يجعل منه كالآله في قالب معين لا يستطيع ان يتحرك خارج المرسوم لكي لا يتهم بما لا يسر.
بعد إعتناقه الإسلام ودراستة بتعمق، أصدر المفكر الفرنسي الشهير روجيه غارودي كتابه “وعود الاسلام”، التي رد فيه على الاتهامات الغربية للإسلام وتوصل إلى حقيقة السبب الاساسي لتخلف المسلمين وهو “العقول المغلقة”. وبنى فكرته على نجاح المسلمين في بداية الاسلام إلى استيعاب وادماج افضل مافي حضارات الشعوب الاخرى إلى حضارته وقبولها بفكر مفتوح ولم يغلقوا الباب بوجهها ولم يرفضوا التجديد بل زاد بينهما الاخذ والعطاء والتفاعل الايجابي. لذلك رأى بأن على المسلمين اليوم أن يتعاملوا بعقلية متفتحة مع المعطيات والانفتاح على الحضارات الاخرى قبل الانفتاح الاقتصادي لأن العقل المغلق بحد ذاته هو عقبة تحول دون التقدم في أي مجال وتؤدي إلى الجمود العقائدي والسياسي والثقافي.
لقد كنا ولازلنا نعيش، كإيزيديين، في ذلك الوسط منذ ذلك التاريخ الذي كان فيه الاسلام منفتحاً على الآخر، ولم نزل كذلك لحين أن أنغلق على نفسه. وكان من الصعب علينا بالانفتاح وقتئذٍ بسبب الدعوات الاسلامية بأسلمة الشعوب ونشر الدعوة الاسلامية للشعوب والاقوام التي كانت خارج الاسلام في المنطقة والتي نالت منها الايزيدية القسط الكبير، فكيف الحال بعدما أنغلق على نفسه؟. فالتاريخ الايزيدي مليء بحملات الابادة التي كانت تعبر عن حقد أعمى وكانت معضمها تفعل كالنار في الهشيم وحصدت مئات الالاف في ذلك الزمان لا لشيء سوى للرفض في الدخول إلى الدين الجديد والاحتفاظ بعقيدتهم. فبالإضافة إلى الطوق الفكري الجامد الذي فرضه المسلمين على أنفسهم، أصبح تاثير ذلك الطوق بحكم التعايش في نفس الوسط متعدد الحلقات حول العنق الايزيدي وبدأ بخنقه شيئاً فشيئاً مما زادت مع الزمن صعوبة التخلص منه كواقع حال، وازدادت العزلة وزاد معها سمك الطوق بزيادة الاضافات من الداخل الايزيدي.
فبعد الانحصار الاجتماعي في المناطق النائية والجبال للهروب من الحملات غير المتكافئة والابادة الجماعية التي كانت لاترحم بكل المقاييس، عانى الايزيديون من التقوقع والدوران في بيئة وفراغ بدأ يلعب فيها (الدين)، رغم الجهل به، منها الدور الاعظم في الحكاية والوعظ والنصيحة والابتعاد عن التعليم ليس كرها وجهلا بأهميته بل خوفا من الذوبان والضياع في الآخر. فأصبحت الحياة تدور في مساحة ضيقة لا تتعدى حدود المنطقة الجغرافية التي كان يعتمد فيها على الطبيعة في تلبية حاجاته من المأكل والملبس وضرورات الحياة، وقد لمسنا وعايشنا البعض من تلك الصعوبات في خمسينات وستينات القرن الماضي، فكيف يمكن تصوّر الحال في زمن ماقبل خمسمائة سنة من الان؟
فأصبح أكل الخس، والتلفظ بالنعل واللعن ومشتقاتهما، ودخول الاماكن العامة كالمرافق الصحية والحمامات، واللون الازرق، والتغيب عن البيت لأكثر من مدة معينة، وحلق الشنب وعند بعض العشائر حلق شعر الرأس، والاغتناء بالتجارة وجمع المال، والنظر إلى وجه المرأة غير الايزيدية، وحتى التمشيط بمشط غير الايزيدي. كلها بدت من المحرمات بناءً على ماجاء في المذكرة التي قدمها رؤساء الايزيدية إلى حكومة الاستانة بواسطة المشير رؤوف باشا والي بغداد في 28 شباط 1872، ليتخلصوا من الجندية ( ينظر اليزيديون في حاضرهم وماضيهم، عبدالرزاق الحسني ص 101).
على الجانب الثاني رفع المجتمع من درجة الغلو في مدح الاولياء والصالحين لدرجة الالوهية وخلطوا الدين بالعادات الاجتماعية والاداء الفلكلوري وكأنه يكمل أحدهما الاخر، وبلغت درجة ترابط الدين بالعادات والتراث حداً لم يعد من السهولة التمييز بينهما وبالتالي من الاصعب انفكاكهما عن البعض. بل أصبح التقرب من التلاعب بتلك التراثيات من الكفر والخروج عن الدين والتي بمرور الزمن اضيفت اتعاب على ما كانت موجودة وزادت من تفاقم المشكلة. فالتي ترتب على كل هذا هو امكانية التلاعب بها وقولبتها حسب الاهواء والمصالح النفعية والشخصية وكما يحلو. فحصل في السابق بكون الايزيدية من أصل العرب ومن لب قريش وبالتالي تحسبوا عربا بناءً على بعض الاجتهادات والمصالح السياسية، وكان ذلك بالطبع على حساب الدين. واليوم ما يحصل هو امتداد لنفس المشكلة ولكن بطريقة أكثر خطورة وأعمق تأثيراً في تكريد الدين والحفر في الاعماق بحيث مالم يكن كرديا فهو ليس من الدين. ولهذا فإن التلاعب بمقدرات هذا المجتمع اصبح من اسهل الممكنات بحسب ما تقتضيه مصلحة اية جهة سياسية.
إذن يمكن تصور سمك الطوق الذي فرضه رؤساء الايزيدية حول مجتمعهم داخل الانغلاق السابق الذي فرضه الخارج المسلم نتيجة لإبعادهم عن المشاركة الايجابية، وبناء حواجز من الصعب تجاوزها مع غير الايزيدية خوفاً من الذوبان فيهم. وكذلك رفضهم للدعوات الاسلامية بتغيير عقيدتهم أثناء تلك الحملات التي زادت من التباعد وعمقت المأساة والعداوة.
ولقد صوِرت تلك العريضة فيما بعد في إطار ديني بحت لأنهم غالوا في الوصف وربطوا كل صفة وتصرف بالدين مما اعطت صورة سلبية جداً فيما بعد عن هذه الديانة ولم يعد الانفكاك منها بالامر اليسير. والامر الآخر المهم هو أنها أصبحت من المصادر التي تعتمد لانها أعتبرت وثيقة رسمية وتناقلتها الالسن في المحافل الرسمية وتوسعت مساحة انتشارها مع حجم الفتاوى الدينية التي كانت تسبق حملات الابادة التي ساهمت بفعالية كبيرة في نسج الصور الغريبة والخيالية حول المجتمع الايزيدي وديانته واتهمت بالزندقة تارة وبالارتداد عن الاسلام تارة أخرى.
فمن طبيعة وتدقيق تلك العريضة يمكن فهم الواقع آنذاك ومدى ومقدارالجهل بالآخر، وحجم التخلّف السائد في الوسط الاجتماعي والرسمي بكامل فئاته وطبقاته ودياناته. وكذلك حجم التخلّف الذي كان يكتنف الجميع بدون استثناء بحيث أن تلك العريضة تناقلت على الالسن وأعتبِرت من قِبل الجميع، وفي جميع الاوساط بما فيهم الباحثين. ولم يتم تكذيب ما جاء فيها بسبب قوة الخرافة التي نسجتها حول الايزيدية، ولِما كانت تكتنف الديانة والمجتمع الايزيديين من غموض، بحيث اصبحت مع الزمن من المسلمات، والقبول بها من قبل الباحثين من الاساسيات. بينما كان الهدف هو عدم الانخراط في الجندية. ويجب أن نذكٍر بأنه ليست تلك العريضة هي السبب في استمرار حملات الابادة بشكل مستمر بدليل أن الحملات كانت مستمرة منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب. ولكنها نسجت هالة من الخرافات حول الديانة الايزيدية والتي اصبحت فيما بعد مصدراً هاما للكثير من البحث والاستقصاء وساهمت بشكل وآخر في تعميق التصور السلبي وبالتالي تشجيع الفتاوى والانتقام. فمنها بدعوى سياسية وثانية تحت مسمى العصيان وأخرى تأديبية، ولكن الهدف الاساسي منها جميعاً هو احتوائهم في الدين الاسلامي. ويجب أن لا ننسى الدور السلبي للكتّاب والباحثين في تعميق المشكلة لكونهم اعتمدوا على النقل الشفاهي، أو اتخذوا من عدم نزاهة البحث العلمي سبيلا في الوصف والتوصيف.
فأملنا كبير بعد هذا الزمن والعيش المشترك في صنع الحياة أن يغير الآخرين من نظرتهم عن هذه الديانة والمجتمع الايزيدي وينظر بحقهم، وبقائهم كلوحة تراثية، وبإنسانية إنسانهم، والانتباه إلى امكانياتهم واستثمارها بشكل صحيح ليضيفوا إلى التراث الانساني ما مطلوب منهم من مقدار وحجم وامكانيات.. ومن التوفيق

علي سيدو رشو
القاهرة في 22/11/2008