الرئيسية » مقالات » والدي المريض يتنفس أحفاده

والدي المريض يتنفس أحفاده

منذ استيقاظه قبل سنوات من غفوته , رقدة طويلة تحسبها اغمائة لا نهوض بعدها , غير التمدد داخل مترين من الخشب , بين أنين الرجال وبكاء النساء , وحيرة الأحفاد , زرعنا وسط المشقة والآلام في محلتنا الصغيرة , كنا كل حياته , وقت الشدة , رفض المغادرة والهجرة كاخاه الأكبر , انشق عنه حتى في البيت ولقاء الأهل والزوجات , امتد وعلا جدار فاصل عازل , استوطن النفوس والقلوب , وحدهم الأحفاد يتلاقون في أزقة الحي والمدارس , ليشكلوا فرقا تلعب الكرة وتمارس الشجار مع الآخرين , قاطع أبانا أخاه في حله وترحاله ,ووضع رجليه في مستنقع البلدة هنا وهناك حيث أينعت وكبرت وانتشر ظلها شجيرات باسقات خضر , بقيت اليوم جذوعها حطبا تضرب بالفؤوس والمعاول لتتقطع أغصان صفراء تتهاوى أوراقها وتسقط في خضرة ماء آسن نتن تتقيأه مجاري البلدة ليجمع الذباب والأبناء والمزابل .

ناديته مرة

– أبي اخرج من الوحل نحو الحلم أو التقط خيط سنارة تلاحقه سمكة تصلح لعشاء ,

ولم يجب

استمر بعد يقظته صامتا يراقب , كنت الابن الأكبر العامل العاقل , ثم جار الزمان وأصبحت الجاهل العاطل , ولكني لا أفكر بموته بل أتحسس عجزه , وما يريده لينهض ويعود للحياة , ويخلصنا من هم رقدته وسباته , جئنا له بطبيب واثنان , يتفحصونه يقلبونه ثم يخرجون حيارى هامسين

– انه يشكو العزلة , التوحد , الحنين .

حتى الوالدة لم تفهم ! فلا وصف لداء أو دواء , لا أقراص بعد الفطور ولا حقن قبل النوم .

– مرض نفسي .

– عجايب .

تحامل الإخوة ونسائهم بعضهم على بعض , ضاقت الدار بالأنفس , وحدها غرفة الوالد , تختزن الصمت , الكل في الخارج ينتظر موته , ويدعو له بطول بقاء !!

ويقسم الإرث بعد بيع الدار , حصة جيدة تغطي بعض الحاجة لا كلها , كان شجارنا المتواصل تتصاعد أصدائه , ترتفع نحو السماء , كل يريدها لجانبه ضد الآخرين , ولكن الظلام حينها يزداد عتمة في غرفة الوالد , , يهاب الصغير والكبير , الذكر والأنثى دخولها وكان صمتها سيحرقه أو يجمده وينزع عنه جلده , ولكن الجمع ينتظر وخاصة النساء بداية الشهر الجديد ومجيء اختنا الكبرى مع الوالدة لتدخل الغرفة وتجلس عند رأس أبانا وتصمت وسط نهر دموع وهي ممسكة بيده , البعض منا يقول إن الوالد يفتح عيناه ليشاهدها ثم يبتسم للأم ويعود لذاته , الباقين لايصدقون , لا احد يجرؤ على الدخول وقت الزيارة ! ولذلك قصة أخرى قد تكون طريفة في نظر البعض , وقد تدمي القلوب إن تلقف خبرها أهل البلدة والجيران , كانت اختنا الزائرة تضع تحت الوسادة عند رأس الوالد رزمة من النقود وتخرج , نقود ! نعم نقود , بعدها يسود الصمت وتبدأ , الحياكة ! , الصمت حتى يرتاح الوالد وينام نوما عميقا , لاتوقضه صرخة ولا رد , والحياكة هي همس ماقبل دخول الغرفة ويد من ستمتد لتسحب الكنز , حتى الأطفال يتسرب إليهم الإحساس بالسرور فطلباتهم مستجابة شرط الصمت والهدوء ويستطيعون الخروج متى شاءوا فلا درس ولا تحصيل ولا ضغوط , وتبدأ عروض خدمة الغرفة , الكل يريد جعلها نظيفة مرتبة زاهية , وبعد يوم أو اثنان ينفجر البركان على من تبدو عليه آثار النعمة .

بعضنا – لصوص سراق , حرامية

أهل النعمة – ما الذي سرقناه ؟

لا احد يجيب ! وبماذا يجيب ؟ وما أدراه بوجود النقود ومكانها ؟ ومن اعلمه بفقدانها ؟ , يقل الاقتراب بعدها من الغرفة ويعود سيل التمني للخلاص من الراقد فيها , كرهنا بعضنا , مع اضطرارنا للمكوث من حوله , ولكن هل من بديل ؟ لا يوجد سوى الموت , له أو لنا , وتسيل دمائنا أحيانا حتى على عتبة حمام البيت الصغير في السباق الصباحي على دخوله , نحن الباقين في الدار , والأعجز عن الهرب إلى رحاب دنيا الله الواسعة .

نعود ليقضته , نادانا عصر يوم مغبر مترب , يتساقط فيه حتى الذباب من الإعياء , أسرعنا إليه بين مصدق ومكذب , ازدحمت الغرفة بالرجال والنساء , أكثر الفرحين كالعادة هم الأطفال ذلك السحر الغريب الذي يتملكهم حال اجتيازهم عتبة الغرفة , تتورد منهم الوجوه , وتبتسم الشفاه , ويزداد رعبنا وخوفنا عليهم ! وكأن الوالد الراقد حينها يتحول في عقولنا إلى مارد أو جن , اوحتى شر غريب سيأخذ مانمتلك من أطفال ! , تناسينا انه جدهم , تتغلب أنانيتنا علينا , نتمنى موته والخلاص , ويتضاحكون له حتى في غفوته .

الأب – سيأتي أخي بعد الريح والغبار , ويفتح باب داره مع من كبر من أفراد أسرته , الرأي لكم في المقاطعة أو الحديث .

أخي – هل سيجلبون لنا هدايا ؟ ملابس لنسائنا , العاب لأطفالنا ؟

الأب – لن —- تأخذوا —- شيئا—– ليس —- لكم .

وكأني سمعته يهمس في أذني (حافظوا على ماتملكون ) , وحسبتها مزحة !! .

وعاد للنوم , خرجنا بالتأكيد ليس كما دخلنا , بدأنا نحسب أعدادنا , نسائنا أولادنا , ماسيحدثه فتح النصف الثاني من الدار وكيف سيعمره أبناء العم , وهل سيخرجون من بين جدرانه صمت القبور الذي نسمع أنينه لسنين خلت , ويحرم علينا الوالد كسر الإقفال , واقتحام المهجور , وقتال الجن والأشباح .

الأب – هو نصف أخي .

حدثت نفسي يوما , مالي إنا وما يحصل من العاب الحواة ومربي القردة والثعابين الخارجين من غابات الهند والسند ؟ .

الغريب أن زوجتي لم تسألني يوما المغادرة ! كانت ترى السعادة في وجوه أطفالنا قرب الغرفة , يدخلونها زحفا ويخرجون وقد طالت سيقانهم واشتد ساعدهم وحملتهم أرجلهم مبتسمين مغردين , وتأخذني الحيرة وتنتابني الهواجس , كيف يناجيهم أبي ؟

ذلك الذي ضمني صغيرا , احتضنني وكنت أتسلق جسده يداي وساقاي تتشبثان بجلده ولحمه وعضمه لأصل رقبته ورأسه , واشم رائحة لذيذة وأنا اقبض براحة يدي خصلات شعره الفاحم اللامع الأسود , ثم امتطي كتفه وارتفع يكاد يطلقني عاليا في الفضاء , ويتركني بعدها على الأرض , لان طفلا آخر أصبح قادر على تسلق الجبل الشامخ , .

أخي – هل نستطيع بيع الدار وهو على قيد الحياة .

أنا – لا

أخي – لم لا تكلمه بالأمر ؟ هو يستمع لك .

أنا – لا .

أخي – لم لايشتري عمنا الحصة ؟

أنا – والى أين سنذهب مع الوالد ؟

أخي – سنضرب عصفورين بحجر واحد , نستلم النقود ثم نبقى في الدار , لا يخرج الظفر من اللحم كما يقولون , ولن يتخلى العم عن أخاه .

أنا – هل كنت ستبقيني في الدار لوكان ملكك ؟

أخي – كلا ثم كلا .

حديثنا الصراحة دوما مع بعضنا , ربما ذلك أكثر ماورثناه عن الوالد , مع الفقر والعوز والحاجة , يصاحبهم الإباء والعناد ومضاجعة الهموم ! .

جاء العم الغائب , استوطن نصفه الآخر , حصنه جيدا من كل الجهات , لم يبد اهتماما بالوالد , اظهر مودة ولطفا لأبناء البلدة , وكأنه نسينا أو لايعلم بوجودنا , كانت تصرفاته وأبناءه بعيدة عن أصولنا وما نحن عليه , ربما راقت لبعض الأقرباء البعيدين زاروه فرحين وعادوا مندهشين ! هي الغربة وأفعالها إذن ؟ حتى تحامل بعض إخوتي وادعوا أن عمنا أبدل حتى اسمه ولم اصدق , ذهبت إليهم بلا دعوة , هو عمي بلا شك , استقبلني بعض الأبناء بابتسامة , وعدت نادما مهموما لم أر في وجوههم دم العائلة القاني الأحمر ! , وكأنهم لم يعودوا الفرع الثاني من الشجرة , اتسعت ألهوه , استقبلتني زوجتي بالأحضان وأنا اجتاز العتبة وكأنها تعوضني الحنان المفقود , كان وجهها كالعادة يبتسم وهو يصطدم بوجهي العابس المحلق ناحية السقوف والمطأطأ نحو الأرض , التصق بي صغيري الزاحف , وكأنه يحاول تمثيل دوري مع أبي ليصل كتفي , سلمته لامه , فلن يتسلقني أبنائي ليمتطوا كتفي ويسحبوا بقوة خصلات شعري , لا , لن تعاد الكرة , واجد رجلاي أنا الآخر في مستنقع الكآبة والقذارة الأخضر , ليذهبوا ويلعبوا الدور مع جدهم , لم يفهم ابني مافعلته , ولن يحاول تفهمه كما اعتقد , تطلعت أليه كانت ابتسامته صفراء تكشف عن أسنان صغيرة بيضاء جميلة ناصعة , مد يده نحوي سحبت أظفاره الصغيرة وأمسكت بكفه ووضعته فوق راحة يدي اليسرى تمددت أصابعه والتصقت , أطبقت باليمنى على ضهر كفه وضغطت وكأني أود إيلامه , صرخ بصوت كمواء قطة , أو نشيد ملائكة , وأطلق ضحكة اهتزت لها عظيمات صدره وكتفه .

نهض الوالد بعدها أصبح يضع كرسيا بباب حجرته ويجمع من حوله الأحفاد يتكلم معهم بلغة لانفهمها نحن الأبناء يذهبون بها إلى مدارسهم وأحاديثهم مع أبناء البلدة ’ كثر الغرباء المتجولين قرب شارعنا , وصلوا إلى بابنا وكأنهم يودون الدخول ومحادثة الوالد , بدأنا معهم بالزجر والنهي والمجادلة , أبانا ليس فرجة , وليس تمثال نطق ولا مهزلة ! , ابتعدوا عنا وليعالج كل منكم و منا همومه .

الناس – نريد الوالد

نحن – اذهبوا إلى العم فهو خير لكم .

الناس – نريد الوالد

نحن – هل تريدون شرائه , حددوا الثمن ! , (هكذا نطقنا بعد أن ثارت منا الأعصاب )

التفتنا نحو الوالد الجالس على كرسي قرب باب حجرته , كان الأحفاد قد أحاطوه من كل جانب , لا اثر فيهم لابتسامة أو ضحكة مجاملة مرسومة على الشفاه والوجوه , بل تحدي .

الوالد – سأضع الكرسي عند باب الدار متى أشاء .