الرئيسية » مقالات » نوري المالكي وديمقراطية المعايير المزدوجة

نوري المالكي وديمقراطية المعايير المزدوجة

مع ميوعة وضبابية المشهد السياسي على الساحة الإقليمية والدولية , في ظل المرحلة الانتقالية هذه . تنتهز مختلف القوى والحكومات الفرصة لتعيد حساباتها وتراجع مواقفها من القضايا التي تؤثر على مصالحها ومصائرها , ذلك وفق تطورات الأحداث التي تشهد حالة من تأرجحات دراماتيكية تخل بموازين القوى بين قطبين متصارعين عالميا :
حيث يتلقى القطب الديمقراطي ضربات موجعة في مناطق شتى من العالم تحت ظل القيادة الأمريكية السيئة والخاطئة لهذا التيار العالمي , بينما القطب الاستبدادي آخذ في الصعود من جديد في الشرق الأوسط وبلدان أخرى , ذلك بوجود قوى وحكومات عديدة ترعى الدكتاتورية والتوتاليتارية , كل حسب توجهاته السياسية والإيديولوجية ومنطلقاته الخاصة , التي مهما تباعدت تظل تشكل تيارا عالميا يصب في مجرى واحد يغذي الفكر الشمولي – الاستبدادي , لينتعش ثانية بفعل تراجع الإدارة الأمريكية عن مشروع نشر الديمقراطية في العالم , حيث لم تحسن معالجة مشكلة الحكومات المتطرفة في فنزويلا وكوريا الشمالية وإيران وتركيا وبعض الحكومات العربية , إلى جانب عجزها عن منع روسيا والصين عن دعم هذه الحكومات والحركات المعادية للحرية وفشلها في اجتثاث التنظيمات التي تتبنى الإيديولوجيات السلفية سواء كانت قومية أو دينية , والتي تتخذ الإرهاب سلاحا استراتيجيا في صراعها مع القوى الديمقراطية , لتسجل اختراقات خطيرة في العراق ولبنان والسودان والجزائر وموريتانيا , حيث عادت ظاهرة الانقلابات العسكرية ومهزلة تغيير الدستور بهدف التمديد لرئيس الجمهورية إلى الأبد , جراء تردد وتخبط الإدارات الأمريكية منذ بوش الأب إلى بوش الابن , حيث لم تظهر واشنطن دعما جديا للتيار الديمقراطي الذي شهد نموا عظيما بعد زوال المعسكر الشرقي , فالإدارة الأمريكية وما زالت متخوفة من نشر الديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط بذريعة أن أنظمة الحكم الدكتاتوري تخدم مصالحها أكثر من ديمقراطية قد تأتي بالقوى السلفية – الأصولية إلى الحكم , حيث تقف إسرائيل وراء الضغوط على الإدارة الأمريكية بغية تخليها عن إشاعة الديمقراطية التي قادت حركة حماس إلى السلطة في الأراضي الفلسطينية , وبالفعل خف حديث الأمريكيين عن الديمقراطية بعد صعود حماس ونجاح الإسلام السياسي في احتلال مزيدا من المقاعد البرلمانية في تركيا وبلدان عربية , مما يشير إلى سؤ قيادة أمريكا لعملية الصراع بين الفكر الديمقراطي والفكر الاستبدادي الشمولي , ولا أظن المسألة متعلقة بنوعية الإدارة إن كانت جمهورية أو ديمقراطية أو بشخص الرئيس , بل هي البراغماتية الأمريكية الخبيثة التي تضع مصالحها العليا فوق جميع الاعتبارات , حيث يسهل عليها إذا اقتضت الحاجة التخلي عن شعاراتها ومبادئها وحلفائها والرضوخ للخصم , كما هي عليه في العراق , فحين وجدت واشنطن حراجة موقفها أمام حركة التمرد والإرهاب الوافد , سارعت إلى الاستعانة بالأطراف المناوئة لها والاتفاق معها على تشكيل مجالس الصحوة , فانقلبت العشائر على تنظيم القاعدة , مقابل إفراغ قانون اجتثاث البعث من مضمونه والسماح للعفلقيين والصداميين بالتسلل إلى مراكز صنع القرار في الدولة العراقية وكذلك تمييع مشروع الدولة الديمقراطية – التعددية – الفيدرالية , ما أعطى الفرصة للشوفينيين والعنصريين والمذهبيين بالعمل تحت قبة البرلمان العراقي وتحويله إلى مقهى مفتوح لوكلاء دول الجوار , يعقدون فيه الصفقات ويجرون المساومات ويرسمون المخططات وينسقون المواقف بما يخدم أجندة العواصم الإقليمية .
على هذا الأساس بدأت حركة الردة وسرعان ما تحولت من نزعات سياسية إلى موقف رسمي تتبناه رئاسة الوزراء في الحكومة العراقية ممثلة في مواقف نوري المالكي الرامية إلى الانقلاب على الدستور من خلال تشكيل توليفة برلمانية عنصرية – شوفينية تحاول اغتصاب الدستور من خلال ضرب المادة 140 والمواد المتعلقة بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره وحقوق الأقليات الاثنية و الدينية , لا يدع المالكي مناسبة ليكشف فيها نواياه تجاه الدستور والفيدرالية والديمقراطية وهو يصعد من خطابه الشوفيني الاستبدادي ضد القومية الكردية متجاهلا أن الأكراد شركاء له في بناء العراق الجديد وفي السلطة المركزية , وهذا جلي من موقفه المتعفن من مسألة الأراضي الكردية المقتطعة من كردستان الجنوب حيث تبين انه أكثر تطرفا من المغفور له ابن عمه صدام حسين , بل انه زاد عليه في مسألة الاستقواء بدول الجوار ضد أهم مكون عراقي بهدف ابتزاز أمريكا وكذلك الأكراد , وبالفعل أفسح المالكي المجال واسعا لهذه الدول كي تصول وتجول في العراق عبر وكلائها من القوى الشوفينية والدينية المتطرفة , من المشين أن يعرض المالكي كرئيس للوزراء مسودة الاتفاقية الأمنية مع أمريكا على دول الجوار متناسيا انه بذلك يطعن في حرية العراق وسيادته , وإذا عرف السبب بطل العجب فالرجل له امتداده العرقي والمذهبي إلى خارج حدود العراق حيث عليه التزامات تجاه بعض الدول ربما أكثر من التزاماته نحو العراق .
يريدون انسحابا أمريكيا كيفما كان حتى يتسنى لهم الانقلاب كليا على الدولة العراقية الجديدة
والقضاء على الدستور , بغية رهن مصير العراقيين بمشيئة دول الجوار التي لم تنظر يوما إلى العراق نظرة الود بل نظرة الطمع بأرضه وثرواته والتخوف من قدراته , المالكي ينسق مع هذه الدول فقط ليقوي موقفه في رفض الحقيقة الكردية , دون أن يعتبر من المقبور صدام الذي فعل المستحيل للقضاء على هذه الحقيقة السرمدية فوقع في شر أعماله , هو ذا المالكي يسوق العراق إلى مصير مجهول تهربا من استحقاقات دستورية ملزمة , وكانت أخر بدعة منه وليس أخرها دعوته إلى الحكم المركزي ومبادرته إلى تشكيل مجالس الإسناد ( جنجويد عراق الغد ) وهو بذلك يرمي إلى تهيئة نفسه للمرحلة المقبلة حيث انسحاب قوات التحالف ليباشر إلى تنفيذ أوهامه في إلغاء الفيدرالية وإعادة كردستان الجنوب إلى حظيرة المركزية والاستبداد , فالرجل يعقد الآمال على :
1- ضعف الموقف الأمريكي في العراق
2- دعم وتحريض دول الجوار له في مسألة إنعاش الفكر الشوفيني – الاستبدادي
3 – تنامي التيار العنصري لدى أطراف عراقية مناهضة لتجربة البناء الناجحة في كردستان الجنوب
4- احتمالات انسحاب وشيك لقوات التحالف من العراق
5- وجود البدائل الإقليمية الحليفة للمالكي لسد الفراغ في المنطقة بعد انكفاء الدور الأمريكي
فإذا جرت الرياح كما تشتهي سفن الشوفينية , فالرهان يكون على تقوية الجيش العراقي وعلى مجالس الصحوة والإسناد وعلى دول الجوار , ليضرب المالكي ضربته ويعود بالعراق إلى الحقبة العفلقية – الصدامية تحت مسمى الديمقراطية .
إن المالكي لا يشكل ظاهرة فردية أو موقف شخصي بل هو نهج إيديولوجي – سياسي تتبناه قوى عراقية بتوجيه من دول الجوار , هؤلاء مستعدون لإشعال صراع داخلي عرقي – مذهبي في العراق يتيح للأطراف الإقليمية التدخل لتحقيق أطماعها وتنفيذ أجندتها الخفية .
أمام هذه النوايا التي باتت تفصح عن نفسها علانية, وأمام احتمالات باتت حقائق ملموسة , يحق للطرف الكردي الخوف والقلق على مصيره , والبحث عن ضمانات تحمي حقوقه المشروعة .
لقد صارت الخريطة السياسية للمنطقة والعراق في المستقبل القريب واضحة المعالم , حيث الوضع السياسي والعسكري وأزمة الاقتصاد العالمي يرشح سيناريوهات قليلة للمرحلة القادمة , فإما أن تتوجه الإدارة الأمريكية نحو الانفتاح على القوى الظلامية من حكومات استبدادية وتنظيمات إرهابية مناوئة والسماح لها بتحقيق بعض أجندتها في العراق والمنطقة , مقابل حفاظ أمريكا على ماء وجهها في حال انسحابها من العراق , أما السيناريو الثاني فهو سعي الإدارة الأمريكية إلى تصحيح سياستها في المنطقة وذلك بعدم التهاون مع الحكومات والتنظيمات المتطرفة ووضع حد لتجاوزاتها .
بالنسبة للأكراد عليهم توقع الأسوأ والعمل انطلاقا من هذا الأساس , كي لا يقع الفأس في الرأس , ومن هذا المنطلق فمن حق القيادة الكردية التحرك على كافة المستويات وعلى جميع المسارات , بعد أن كشرت ذئاب الشوفينية عن نواياها في أكثر من موقف , فما هو المطلوب من الجانب الكردي حتى يحافظ على المنجزات التي تحققت اثر تضحيات عظيمة قدمها شعب كردستان الجنوب في سبيل حريته وكرامته :
اولا- بات ضروريا للشريك الكردي مراجعة علاقته بالسلطة المركزية في بغداد , على الأقل مع المالكي والفريق الذي يتبنى أطروحاته الانقلابية – الارتدادية , حيث اخل بكافة العهود والمواثيق التي اتفقوا عليها مع الشريك الكردي لبناء العراق الجديد , فلم يعد هناك من انسجام أو توافق بين الفريق الكردي وفريق المالكي في حكومة بغداد , فالمالكي وسع الخلاف على الجزئيات إلى خلاف على المبادئ و البديهيات المتفق عليها حتى قبل سقوط صدام حسين , فهو لم يعد يمثل إرادة شعوب العراق بل يمثل موقف حزبه , حيث يحرص على مصالح دول الجوار أكثر من حرصه على مصالح العراق .
ثانيا – على الأكراد السعي إلى تشكيل تحالف برلماني واسع مع القوى العراقية الأخرى , يفقد المالكي أغلبيته النيابية مما يساعد على إسقاط حكومته بالطرق الدستورية , وتشكيل حكومة جديدة تلتزم بالدستور والمواثيق التي قام على أساسها العراق الجديد
ثالثا – رفض حكومة كردستان الجنوب الالتزام بالقوانين والإجراءات التي تتخذها حكومة المالكي , فيما لو كانت تمس الحق الكردي الذي نص عليه الدستور العراقي
رابعا – على الأكراد العمل على تمتين علاقة كردستان الجنوب بدول العالم وكسب الأنصار والمؤيدين لقضية القومية الكردية , وإذا كان المالكي ينظر إلى امتداده العرقي – المذهبي إلى خارج العراق , فلماذا لا تعتمد كردستان الجنوب على امتداد العمق القومي الكردستاني إلى خارج العراق , حيث الورقة الكردية أكثر فاعلية في التأثير في أجندة القوى الدولية والإقليمية , ما يكفي لخلط الأوراق التي يعبث بها المالكي ليصيد في الماء العكر .
خامسا – عدم تهاون القيادة الكردية مع النزعة العنصرية – المذهبية التي يقودها المالكي , وإذا كان الرئيس م . البارزاني مشهورا بصبره وجلده وتحمل أخطاء الآخرين , فهو معروف بحزمه وصرامته في المسائل التي تمس مصير الشعب الكردي , كونه لا يقبل بغير الحق والصواب , ومن هذه القناعة فالقومية الكردية تنتظر من لدن قيادتها عملا مستمرا نحو توحيد الصف الكردستاني , والاستعداد لكل الاحتمالات المرتقبة في المرحلة القادمة , حيث لا بد من إعداد وتعبئة الأمة الكردية على كل صعيد خاصة سياسيا وميدانيا لتكون جاهزة لمواجهات التحديات في عالم متقلب سريع التبدلات شديد التغيرات .
أن المرحلة القادمة محفوفة بالمخاطر , ولا بد من ضمانات دولية لحماية منجزات شعب كردستان العراق , بمعزل عن الاتفاقية الأمنية بين العراق وأمريكا , وقد كان شيء حسن أن طالب برلمانيون أكراد بمثل هذه الضمانات ولكن يجب تعميق هذه الخطوة وتحويلها إلى مطلب شعبي ورسمي لدى الطرف الكردي , والسعي لدى واشنطن وبغداد وهولير إلى الاستجابة لهذا المطلب الشعبي .