الرئيسية » مقالات » كابوس الجلسات البرلمانية

كابوس الجلسات البرلمانية

تابعت بقلق ام ّ خائفة على رضيعها المريض , جلسات البرلمان العراقي الثلاث الاخيرة التي قـُرأت فيها – بصخب وعراك – بنود الاتفاقية الامنية , ورأيت مالم يره النائم من كوابيس لا تصدق .
رأيت كل الفوضى التي سادت مجلس النواب , رأيت نائبات ونواب ينقلون تصرفات الجهلة والرعاع الى جلسات البرلمان ويحاولون تكسير كل مايرونه امامهم ويطرقون الطاولات والكراسي بملفاتهم وباسلوب احتجاج لا يرقى الى مستوى برلمان ومعنى كلمة ديمقراطية وكلمة حوار التي طالما تشدقوا بها امام الكاميرات والاعلام ..
رأيت مالم يره النائم في نومه من كوابيس جهل , ابطالها شخصيات عراقية منحهم الشعب ثقته , يخلطون في الامور القانونية دونما معرفة بها , فاحدهم يستنكر على الجندي الامريكي مسائلة سائق السيارة الذي لايلبس حزام الامان , ويجد ان الجندي مخطيء في هذا , والنائب هذا لا يدري ان حزام الأمان قد وُضع أساسا لأمان السائق العراقي وليس لأمان الجندي الامريكي , وان الالتزام به امر حضاري لصالح حياة الانسان , وتذكرت العقوبة في هولندا ومقدارها 70 يورو لاي مواطن لا يضع حزام الامان , لانه يعرض حياته للخطر والاستهتار بالحياة مرفوض لدولة تريد الحياة للجميع, وكثيرة هي الامور العجيبة في برلماننا , كأن يرفع نائب آخر يده طالبا التنبيه لنقطة نظامية يتضح بعد ذلك ان ما لديه لاعلاقة لها بالنظام , بل هو اراد ان يطرح وجهة نظره باغتصاب الوقت من زميله الاخر الذي بدأ يتحدث , كما رأيت نائبا آخر يمسك بتلفونه النقال مسترسلا بحديث ضاحك اثناء سير المناقشات وكأنه غير موجود تحت قبة يقرر بها مصير شعب ووطن . ..
ماهذا البرلمان الذي يقود شعبنا , وماهذا المستوى الذي عليه ان يشرع قوانين يسير عليها الناس لسنوات واجيال ؟
كمن يرى كابوسا , عجبت من ممثلي الشعب وعجبت كيف وصلوا الى هذا المجلس بكل هذه البساطة, لكن عجبي يزول حينما اتذكر اننا امة طالما تظاهرت رافضة ما لم تقرأه , لان غالبية المتظاهرين من الأميين , كما يزول عجبي حينما اتذكر اننا امة تحارب البكتريا والامراض بالتمتمات والتعاويذ وزيارة قبور الاولياء..
لست مزايدة على وطنية اعضاء البرلمان , فالجميع يحب العراق من الرافضين والمؤيدين للاتفاقية , ومن البديهي انه لا يوجد وطني يحب وجود الاجنبي بأرضه , وسيكون رفض الاتفاقية مؤكدا من الجميع لو كان العراق بظرف يستطيع به الحفاظ على امن المواطن وحياته وهو الأهم , يضاف لهذا الصراعات المتوقعة في المنطقة والتي لايعرف مداها احد من العرب , أو من الغارقين بتقليب كتب القرون الوسطى .
و لو عدنا الى الوراء ودرسنا تاريخ القضية الفلسطينية جيدا سنتعظ حتما, وسنتقبل الاتفاقية الامنية حبا للوطن وكرامة للذين يمكن ان يموتوا بعد الان , بل كرامة للاطفال الذين سيولدون , اما اننا نركب موجة السيد مقتدى الصدر بمواجهة الامريكان لنجر البلاد الى الموت والخراب , فهو الانتحار والجنون بعينه , اذ ان عالم اليوم لديه قيم اخرى ومواجهاته وحروبه غير التي قادها العرب والمسلمون بالسيوف والابل لتنطبق عليهم اليوم آية ” كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة ” .
اليوم الاسلحة المدمرة والفتاكة حتما ستسحق الضعيفة والعلم ماعاد يعترف للاسف بقدرة الفئة الضعيفة على النصر , لقد تجاوزنا الزمن وماعلينا الا ان نقول:
“رحم الله امريء عرف قدر نفسه ”
في جلسات البرلمان العراقي رأيت نائبة عصبية, اعتبرت الاتفاقية تمكينا للكفرة على المسلمين , بدليل افتراضها تمزيق القرآن من قبل جندي امريكي دون الخوف على المئات من ابناء الشعب من التفجيرات والتفخيخات والاغتيالات وعلى اموال الوطن التي تسرق بالبلايين وتدمر حيث يبقى العراق تحت الاحتلال كما بقيت فلسطين وذابت وذهبت القضية ادراج الرياح تحت تأثير مزايدات عربية ذات روح قومية متعصبة قادها حزب البعث ليقسم العرب – الذين ما اتفقوا طوال تاريخهم – خاصة بعد ان دق اسفينه باحتلال الكويت , ومزايدات واطماع اسلامية أخرى قادتها جهات ارهابية كالقاعدة بشخصياتها المريضة التي تجد في العنف لذة ونشوة وتعتبره نصرا ودخولا للفردوس, ناشرة سمومها واموالها على كبر خارطة العالم واولها العالم العربي الزاخر بالفقر والجهل والبطالة, كذلك ايران بخلقها عداوات أدت الى تراجع قضية فلسطين الى مادون نقطة الصفر, بل زادت على ذلك بنقل الخراب والدمار الى لبنان وابقاء مشاكلها دائمة مادات الجمهورية الاسلامية ترفع شعاراتها الطنانة وتدعي حماية المسلمين من العرب دونما ذكر لأطماعها بتوسيع امبراطوريتها لتشمل كل المناطق العربية , وما الحركات الاسلامية التي تنبثق يوميا هنا وهناك في العالم العربي, وبدعم من ايران الا دليل عليها .
اخيرا , اننا الطرف الضعيف والمحتاج لتوقيع الاتفاقية, لان الولايات المتحدة اساسا – وبدون الاتفاقية – هي الطرف المحتل والتي تستطيع فعل ماتشاء لتسير الامور بدون العودة لنا , وقد راينا ما استهترت به قواتها بخصوص كرامة الانسان العراقي , اذن الاتفاقية هي الحل الوحيد للبقاء على العراق , وهي الحل الوحيد للمحافظة على كرامة العراقيين , وهي الحل الوحيد لضمان انسحاب كامل من الاراضي العراقية , ولو حصل الفلسطينيون على هكذا اتفاقية مع اسرائيل ولو بالانسحاب بعد عشرين عاما , حتما سيوافقون , اذ لا ضمان بتحريرهم ولو بعد الف عام بمساعدة احد, لا من اخوانهم العرب اصحاب المزايدات والشعارات و ولا من حلفائهم الاسلاميين اصحاب التهديدات بحرق بلد هنا ومحو بلد هناك .
هل للكوابيس البرلمانية التي نراها من زوال لصالح العراق وشعبه؟ …