الرئيسية » مقالات » العراق: الإتفاقية الأمنية والبدائل..!

العراق: الإتفاقية الأمنية والبدائل..!

“الحرب إستمرار للسياسة بطريقة أخرى”

توماس هوبز

أشرت في مقالتي الموسومة (الإتفاقية الأمنية والمأزق المزدوج..)(*) الى طبيعة المأزق المزدوج الذي وجد فيه الجانبان الحكوميان؛ الأمريكي والعراقي نفسيهما بعد عام من المفاوظات ومن الأخذ والرد حول شكل ومضمون الإتفاقية الأمنية التي يزمعان، التوقيع عليها، وكأنهما أمام طريق مسدود لا يفضي بهما الى الخروج من حالة الركود والتأزم التي تنتاب موقفيهما، في وقت بات فيه الزمن يأخذ بخناق الجانبين وتتعالى فيه أصوات الرافضين والقابلين لتغطي على مشهد الصراع..!؟

لا نذهب بعيداً إذا ما أشرنا الى بعض الحقائق ، التي وحسب تقديرنا، تقف وراء حالة الركود والإرباك، التي تكتنف موقف الجانبين وتضع العصي في عجلة توصلهما الى إتفاق يرتضيانه ، ويحقق مصالحهما دون أن ينتقص من حقوقهما المشروعة في ضمان ما تقرره دساتير البلدين والقوانين السارية والأعراف والوثائق الدولية وفي مقدمتها إتفاقية فينا المتعلقة بالمعاهدات الدولية/1969، وكل ما يتعلق بعدم المس بالإستقلال والسيادة:

الموقف الأمريكي



يمكن تسجيل ما يلي:

· هيمنة حالة الإستعجال الغالبة على الموقف الأمريكي في ظل الإدارة الحالية، للتوصل الى التوقيع على الإتفاقية، تحت ضغط عامل التسارع الزمني، ولم تعد أسباب ذلك مجهولة، وتقف في مقدمتها قرب إنتهاء شرعية التفويض الأممي لوجود القوات متعددة الجنسية في العراق في 31/12/2008، ولا بد من نتيجة ما، تعزز مقولة الإدارة الأمريكية للجمهوريين ب”النصر” قبل فوات الأوان، من جهة، وضرورة التوصل الى الأهداف المرسومة من وراء عملية الغزو والإحتلال الأمريكي للعراق، فالحرب هي إستمرار للسياسة بطريقة أخرى كما عبر عنها “توماس هوبز” (1588-1679)..!

· حالة الألحاح المتواصل الذي تبديه الإدارة الأمريكية والمشوب بالتحذير والتهديد المبطن للجانب العراقي في ضرورة التوقيع على الإتفاقية مع التنويه بعدم إمكانية إجراء تغييرات أو تعديلات في نصوص المسودة المقدمة لضيق الوقت، مما يضع الموقف الأمريكي وكأنه يمارس حالة من الإكراه والضغط الموجه على الجانب العراقي لإجباره على التوقيع من خلال إستغلال مواطن الضعف في موقفه؛ ويتحمل مسؤولية ذلك الضعف، الجانب العراقي لتستره المتواصل على حيثيات المفاوظات وعلى بنود الإتفاقية، مما وضع الوفد العراقي المفاوض في عزلة تامة عن محيطه الشعبي ، مع الإشارة الى تملك الإدارة الأمريكية الكثير من الأوراق الضاغطة لتنفيذ أجندتها في توقيع الإتفاقية.

· الإيحاء والإقحام والتركيز المستمر من قبل الجانب الأمريكي على ربط مسألة خروج العراق من أحكام الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة والمفروضة بموجب قرار مجلس الأمن رقم/ 661 لعام 1990، بالتوقيع على الإتفاقية، وبأن العراق لا يمكنه الخروج من أحكام هذا الفصل بدون تلك الإتفاقية. وفي هذا لعمري، مغالطة ديماغوغية من قبل تلك الإدارة وقد جرى إنطلائها على البعض. وهنا يتحمل الجانب العراقي مسؤولية عدم الفصل بين المسألتين. (لاحظ مقالتنا حول الموضوع والمنشورة بتاريخ 9 /1 / 2008 )(**) الرابط أدناه

· أستلاب دور الأمم المتحدة وإختزاله بالإدارة الأمريكية، والإيحاء للمواطن العراقي بأن لا خيار للعراق من الحفاظ على وحدته وإستقلاله وأمنه إلا بالقبول بالإتفاقية. ويقف في مقدمة العوامل التي تسند الموقف الأمريكي، حالة عدم جاهزية القوات المسلحة العراقية وعدم قدرتها منفردة بالقيام بمهام حفظ الأمن الداخلي وحماية البلاد من مخاطر التدخل الخارجي زائداً هشاشة الوصع الأمني، الذي تتحمل فيه قوات متعددة الجنسيات القسط الأكبر من المسؤولية، بحكم توظيفها الأممي؛ وهكذا يجري الإيحاء بضرورة القبول بالإتفاقية الحالية على علاتها.



الجانب العراقي

يمكن تسجيل مايلي :

· عدم شفافية موقف المفاوض العراقي وإنغلاقه في أجواء السرية والكتمان، طيلة فترة المفاوظات منذ آذار/2008 ، مما وسع الشقة بين الحكومة والشعب العراقي وفسح في المجال، ومن خلال المواقف والتصريحات المتناقظة للقيادات السياسية الحاكمة، أمام كل مبررات حالة التشكك والإرتياب بما يدور خلف الأبواب الموصدة.

· تغييب دور مجلس النواب العراقي وعدم إشراكه أو إحاطته علماً بإجواء المفاوظات وتفاصيل ما يدور على طاولة التفاوض، وموقف المفاوض العراقي وماهية مسودات المشاريع المطروحة من قبل الجانب الأمريكي حول الإتفاقية ، وإنفراد الحكومة العراقية بشخص رئيسها في تقرير كل شيء، بما فيه تمديد أجل بقاء قوات متعددة الجنسية والتوقيع على ” إعلان النوايا” ، وذلك في قضية مصيرية وغاية في الأهمية تتعلق بمستقبل العراق وسيادته ومصير ثرواته الوطنية. وهذا ما ساعد على الإخفاق في خلق إجماع وطني لتأييد موقف المفاوض العراقي الغير معروف من عقد الإتفاقية.

· التعامل الإزدواجي والموقف المهادن والمتراخي والغامض للحكومة من حالة تدخل دول الجوار الفظ في الشأن العراقي، سواء على الصعيد الإعلامي أو الصعيد الأمني، مما أعطى لتأثير هذا التدخل ثقلاً محسوساً على الصعيد الداخلي والأقليمي والدولي ويجري إستغلاله كأهم الأوراق الضاغطة على موقف الحكومة العراقية من قبل جهات مختلفة وفي مقدمتها الجانب الأمريكي. ويشكل موقف الحكومة هذا أحد أهم نقاط ضعفها في التعامل السياسي اليومي.

وعلى ضوء الموقف المتأزم بشقيه الأمريكي والعراقي، حول مصير الإتفاقية الأمنية، وهي الآن في لحظة السويعات الأخيرة من عملية مخاض ولادتها، يمكن تثبيت بعض النقاط كمؤشرات عامة، وبعيداً عن المواقف العاطفية، قد تلقي الضوء للمساعدة في إيجاد موقف واضح في دلالاته وخاصة بالنسبة للمواطن العراقي، الذي تضغطه الآن عوامل الشد والجذب ذات اليمين وذات الشمال لتضعه في حيرة من أمره، وليجد نفسه في متاهة من الإدعاءات والإدعاءات المضادة حول الإتفاقية الأمنية (إتفاقية الإنسحاب)، وما سيترتب على القبول بها أو رفضها، خاصة وإن هذا المواطن كان مغيباً عن تفاصيل هذا الأمر منذ يوم التوقيع على “ميثاق إعلان النوايا” بين السيد المالكي والسيد بوش قبل عام من اليوم، وبين إقرار الإتفاقية من قبل مجلس الوزراء في 16/11/2008، وقد عكست جلستا مجلس النواب ليومي الاربعاء والخميس، وكذلك السبت 22/11/2008 حالة التوتر الشديد والإرتباك الذي ساد أجواء تلك الجلسات ..!

– التأكيد على حق جميع الدول ذات السيادة، في عقد المعاهدات والإتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف مع الدول الأخرى، وقد نظمت الشرائع الدولية المباديء العامة لعقد مثل تلك الإتفاقيات والمعاهدات بمختلف جوانبها وفي مقدمتها إتفاقية فينا لقانون المعاهدات لعام/ 1969.

– وبقدر ما يراه الجانبان الآمريكي والعراقي في التوصل الى إتفاقية تنظم وجود القوات الأمريكية على الأراضي العراقية وتمنحها غطاء قانونياً لذلك الوجود، فإن من أولويات مثل هذه الإتفاقية هو ضرورة الإلتزام بأهم المقومات الأساسية للإتفاقيات والمعاهدات بين الدول، والمقصود به مبدأ التكافؤ بين تلك الدول في السيادة والإستقلال، والمتعارف عليه قانوناً بالآهلية.

– ومن هنا يمكن القول بأن الموضوع لا يتعلق فقط، بعقد المعاهدة أو الإتفاقية، بقدر ما يتعلق بشرعية الإتفاقية ومضامينها وأهدافها الحالية والمستقبلية، وأسس وقواعد بنائها القانونية والشرعية، ومدى ما تحققه من منافع للجانبين، في حدود المصالح الوطنية، مع ضرورة وضوح أسباب الجانبين من وراء عقد مثل هذه الإتفاقية. وقد عكست جلسات مجلس النواب المشار اليها في أعلاه، حقيقة التوجسات والمخاوف التي يراها النواب حول ما يتعلق بمضامين وأبعاد الإتفاقية وما قد يترتب عليها مستقبلا.

– إن تواجد قوات متعددة الجنسية بقيادة إدارة القوات الأمريكية، قائم بتفويض أممي وبطلب الحكومة العراقية بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1546/لعام 2004 والذي ينتهي العمل بمقتضاه في 31/12/2008 بطلب من الحكومة العراقية، وبذلك سيرفع الغطاء القانوني لوجود تلك القوات. ومن هنا فأن التمديد الأخير لتواجد متعددة الجنسيات التي أقدمت عليه الحكومة العراقية برسالة السيد رئيس الوزراء لمجلس الأمن والمرفقة مع قرار مجلس الأمن رقم 1790 في 18/12/2007 يشكل مأزقاً أمام الحكومتين العراقية والأمريكية، في ضرورة الخروج بحل يقبله الطرفان؛ فجاء ذلك الحل ليتمثل بالتوقيع على الإتفاقية الأمنية بين البلدين، ولكن مثل هذا الحل أصبح مرهوناً في ظروفه الحالية، وبعد مصادقة الحكومة على الإتفاقية وإحالتها الى مجلس النواب، الى طبيعة القرار الذي سينتهي اليه المجلس عند التصويت على الإتفاقية يوم الأربعاء القادم 24/11/2008.

– ينبغي هنا، التفريق بين حالة إنتقاص السيادة وبين حالة الخضوع لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حيث أن حالة إنتقاص السيادة التي تعرض لها العراق كانت بسبب الغزو والإحتلال التي تعرض لها بعد التاسع من نيسان 2003 على يد القوات الأمريكية وحلفائها وما ترتب عليها من دمار البيئة الإقتصادية والإجتماعية وتفتيت مقومات الدولة، وهذه الحالة تعتبر من الناحية الفعلية قائمة لإستمرار تواجد هذه القوات على الأرض العراقية، رغم شرعنة هذا البقاء حالياً وبعد شهر حزيران 2004 بطلب الحكومة العراقية وتفويض الأمم المتحدة.

– كما ولا يغير من الأمر شيئاً، فيما إذا تم شرعنة ذلك الوجود بتوقيع إتفاقية بين البلدين لإرتباطه أصلاً بحالة الإحتلال بعد التاسع من نيسان 2003 والمثبتة في قرارات مجلس الأمن وتطوراتها اللاحقة.

– كما ولا يغير من الحقيقة شيئاً ما يطلق على الإتفاقية من مسميات متعددة من قبل طرفي الإتفاقية على حد نص إتفاقية فينا الدولية لقانون المعاهدات/1969 في المادة/2 -1 الفقرة/أ الذي يشير الى: [[ (أ) يقصد بـ “المعاهدة” الاتفاق الدولي المعقود بين الدول في صيغة مكتوبة والذي ينظمه القانون الدولي، سواء تضمنته وثيقة واحدة أو وثيقتان متصلتان أو أكثر ومهما كانت تسميته الخاصة؛]]

– أما كون الحالة التي تبحث فيها الإتفاقية الأمريكية – العراقية تتعلق بإنهاء الإحتلال وإنسحاب القوات الأجنبية على حد إعلان الحكومة العراقية وطبقاً للتعديل الأخير الذي منحته الحكومة العراقية على تسمية الإتفاقية، بإعتبارها إتفاقية للإنسحاب، فإن الأمر في تقديري يتطلب بحث تفاصيله مع مجلس الأمن والطلب منه إنهاء حالة تواجد تلك القوات وتنظيم إجراءات إنسحابها بإعتبار أن مجلس الأمن هو المرجعية ذات العلاقة بشأن ذلك، وبإعتباره الجهة الشرعية التي منحت التفويض لتلك القوات.

– أما حالة الخضوع لأحكام الفصل السابع من الميثاق، فلا يربطها شيء أو علاقة سببية مع حالة إنتقاص السيادة، وهي حالة من العقوبات الأممية التي إستوجبتها، حالة الغزو العراقي الى دولة الكويت عام 1990، وتم فرضها على العراق كدولة كاملة السيادة بموجب قرار مجلس الأمن المرقم 661 في علم 1990 ، وبالتالي فإن حشرها وإقحامها في مسودة الإتفاقية الأمنية، ومطالبة الجانب العراقي التوقيع على الإتفاقية لقاء ثمن إخراجه من الفصل السابع، كما موضح في المسودة الأخيرة، فهو لا يمثل في تقديري إلا شرطاً تعسفياً إبتزازياً للضغط بإتجاه التوقيع على الإتفاقية، وبعكسه وعلى حد إفتراض وترويج الجانب الأمريكي، سيبقى العراق رهينة أحكام الفصل المذكور، بسبب تحكم الجانب الأمريكي بحق الفيتو في مجلس الأمن، وبإمكانه عرقلة أي طلب عراقي للخروج من أحكام هذا الفصل، وهذا مايمكن أن يفسر بسوء النية من إقحام هذا البند في المسودة. }} وتنص المسودة على إنهاء العمل يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2008 بالولاية والتفويض الممنوحين للقوات متعددة الجنسية بمقتضى الفصل السابع المتضمن في قرار مجلس الأمن الدولي (حيث) ينبغي أن يسترد العراق مكانته القانونية والدولية التي كان يتمتع بها قبل تبني قرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 (1990)، ويؤكدان كذلك على أن الولايات المتحدة سوف تبذل أفضل جهودها لمساعدة العراق على اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك بحلول يوم 31 ديسمبر/كانون الأول عام 2008.{{ . وبهذه الطريقة يحاول الجانب الأمريكي إرجاع فقدان العراق لمكانته القانونية والدولية الى قرار مجلس الأمن رقم 661 (1990) فقط، وليس الى الإحتلال، وبذلك يبدو وكأنه متفضلاً على العراق، كما أوردته مسودة الإتفاقية الأخيرة، في وقت لم يكن هناك ما يضمن ذلك من قبل الجانب الأمريكي طبقاً لبنود الإتفاقية أو أي ضمان لأمور أخرى.(1)

– والتساؤل الذي يفرض نفسه هو: إذا كان الأمر كذلك، أليس من البدهي والحال، وإنطلاقاً من دوافع حسن النية المفترضة، أن تقدم الإدارة الأمريكية الى دفع الحكومة العراقية بتقديم طلب الى مجلس الأمن تطالب فيه بخروجها من أحكام الفصل السابع، خاصة لإنتفاء أسباب شمول العراق بتلك الأحكام، ونتيجة لإسقاط النظام السابق بفعل الإحتلال، وأن تقوم تلك الإدارة بدعم الطلب في مجلس الأمن بعد تقديمه. وذلك كخطوة أولى تسبق الدخول في تفاصيل الإتفاقية الأمنية، لا أن تستخدم الأخيرة كأساس للخروج من أحكام الفصل السابع.

– بعد ذلك يمكن للجانب العراقي، وأجده ضرورياً، الدخول مع الأمم المتحدة في مفوضات لتنظيم عملية إنسحاب قوات متعددة الجنسيات من العراق، ووضع جدول زمني ينظم ذلك الإنسحاب، خاصة وإن العراق هو من طلب تمديد وجود تلك القوات في العراق للمرة الأخيرة حيث تنتهي مدة البقاء في 31/12/2008. وعلى أن تتم عملية الإنسحاب تحت إشراف الأمم المتحدة، والأمران مرتبطان، بل إنهما يعبران عن قضية واحدة، إذا ما كان حقاً، قصد الحكومة وهدفها إنهاء حالة الإحتلال والخروج من أحكام الفصل السابع .

– بإمكان العراق وبعد إنجاز عملية الإنسحاب نهائياً، الدخول في مفاوظات ثنائية إذا ما كان راغباً، وبدعم من الأمم المتحدة، مع الولايات المتحدة أو غيرها من الدول للتباحث بشأن إمكانية التوصل الى أي إتفاقية أو معاهدة لتنظيم علاقات التعاون والصداقة في الأطر التي تناولتها إتفاقية الإطار، التي جرى ربطها مع الإتفاقية الأمنية “إتفاقية الإنسحاب” والتي جاءت بمثابة الحارس المرافق لإتفاقية الإطار.

– حيث أن الجانب الأمريكي ومثله العراقي يسعيان الى : [[ أن يسترد العراق مكانته القانونية والدولية التي كان يتمتع بها قبل تبني قرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 (1990)، ويؤكدان كذلك على أن الولايات المتحدة سوف تبذل أفضل جهودها لمساعدة العراق على اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك بحلول يوم 31 ديسمبر/كانون الأول عام 2008 ]] كما ورد أعلاه، فإنهما يقران بنقص آهلية الجانب العراقي كدولة مستقلة ذات سيادة، وبالتالي فإنهما بهذا الإقرار، عليهما أولاً أن يعملا على إستعادة العراق لتمام سيادته، خاصة وإن الولايات المتحدة الأمريكية هي عضو دائم في مجلس الأمن، فإنها تتحمل مسؤولية أكبر في عملية إنجاز هذه المهمة، ولتحقيق ذلك لا بد أولاً ان يسترجع العراق كامل سيادته كدولة مستقلة، تمتلك الآهلية الكاملة التي توفر لها شرط التكافؤ ، الذي يضفي على توقيعها لأي إتفاقية مع دولة أخرى، الشرعية المطلوبة في عقد المعهادات طبقاً لإتفاقية فينا الدولية لقانون المعاهدات//المادة السادسة/1969: (2) (3)

ومن هذا المنطوق وبإقرار الجانبين العراقي والأمريكي، وعلى حد قول السيد رئيس الوزراء العراقي في كلمته بمناسبة إقرار الإتفاقية الأمنية من قبل مجلس الوزراء بتاريخ 16/11/2008 التي أشار فيها الى : [[ لقد كنا امام خيارات صعبة ، فاما التمديد لوجود القوات الاجنبية والبقاء تحت طائلة الفصل السابع وبما يعني استمرار السيادة المنقوصة للعراق بكل تداعياتها السلبية على جميع المستويات ، او ان يرفع الغطاء القانوني عن وجود القوات الاجنبية مع نهاية العام الحالي وبما يضع البلاد امام المجهول.
وكان خيارنا الصعب ان ندخل في مفاوضات مع الولايات المتحدة الامريكية ، الهدف الاساس منها الذي وضعناه امامنا منذ اليوم الاول ، هو استعادة السيادة الكاملة للعراق ، سيادته على اراضيه ومياهه واجوائه وامواله واقتصاده وقراراته ، فالسيادة المنقوصة ووجود القوات الاجنبية هي اخطر واعقد واثقل تركة واجهناها من الحقبة الدكتاتورية ، والتي لابد للعراق ان يتخلص منها ويحمي تجربته الديمقراطية الاتحادية الفتية.]] (4) ؛

يصبح من البدهي القول بأن العراق كدولة منقوصة السيادة وفقاً لما تقدم، فإنها تعتبر حكماً غير متمتعة بالآهلية الكاملة كدولة يحق لها إبرام الإتفاقيات طبقاً لمنطوق المادة السادسة من إتفاقية فينا الدولية للقاون المعاهدات/1969، وذلك قبل أن تحصل على تلك الآهلية وبإقرار من المنظمة الدولية. ولهذا في تقديرنا، تعتبر السيادة المنقوصة في ضوء القانون الدولي، من العوائق التي تحول دون العراق كدولة وتوقيع الإتفاقية الأمنية، بسبب شائبة (عدم الآهلية) ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يستدعي الحال؛ الفصل بين لزومية الإقتران بين الخروج من أحكام الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة وبين إنهاء حالة الإحتلال لفقدان حالة الإرتباط بين الإثنين..!

كما وما الناحية الأخرى، فإنه ليس هناك ما يربط عملية التمديد التي أشار السيد رئيس الوزراء ومسألة البقاء تحت أحكام الفصل السابع، وكما أشرت سابقاً اعلاه وفي مقالات سابقة، بأن مسألة الفصل السابع لها أحكامها الخاصة، أما التمديد فإنه أمره يعود الى مدى قناعة الحكومة العراقية بحاجتها لتمديد فترة التفويض الأممي من عدمه، وهي قضية إختيارية بحتة، وترتبط أصلاً بحالة الإستقرار وضمان الأمن والسلام للعراق، وهي تعبر عن علاقة مباشرة بين العراق والأمم المتحدة، إذا ما إرتأى العراق ذلك؛ وليس هناك ثمة ما يربطه الى الدخول في إتفاقية أمنية من أجل تحقيق ذلك..!

إن حل هذه الإشكالية التي إستدعى إستمرارها طيلة هذا الوقت منذ عام 2004 وبعد شمول العراق بقرار مجلس الأمن المرقم، 1546/2004، الذي منح قوات الإحتلال التفويض الأممي والذي ينتهي مداه في شهر ديسمبر/2008 ، لا يستدعي من حيث المبدأ ، لإستعادة العراق كدولة منقوصة السيادة، لسيادته الكاملة، ضرورة إرتباط العراق بتوقيع إتفاقية أمنية بين العراق وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وليس هناك من إلزام أممي للعراق للتوقيع على مثل هذه الإتفاقية..!

إن جل ما في الأمر يتعلق بفترة سريان تفويض مجلس الأمن للقوات متعددة الجنسية الذي ينتهي أمده كما أشرت في غاية31/12/2008 وبطلب من العراق، ولهذا فهي من حيث الأساس علاقة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، يتعلق أمرها بوجود قوات هذه الدولة بتفويض أممي في العراق، ولا تلزم العراق حتى بأدنى درجة، الطلب من مجلس الأمن تمديد وجود هذه القوات لفترة لاحقة إذا ما رغبت، أو حتى طلب إنسحابها فالأمر محسوم برسالة رئيس الوزراء منذ عام 2007 المشار اليها في مقالتنا المشار اليها أعلاه والتي طلبت من مجلس الأمن التمديد الأخير لهذه القوات، إلا في حالة طلب الحكومة العراقية مجدداً التمديد؛ كما وإن العراق من الناحية الأخرى، حر في التعامل مع هذه القضية بشكل أكثر مرونة وإستقلالية، فبإمكانه التفاوض مع الأمم المتحدة لتنظيم حالة الحماية للعراق وفق نصوص ميثاق الأمم المتحدة، وبإشرافها، وهوالطريق الأكثر ضماناً مستقبلاً للعراق في حماية حقوقه وثرواته الوطنية وأصوله المالية، بعيداً عن كل تهديد أو تسويف من قبل أي كان، أو تكبيل ساعدية بقدرات وإمكانات دولة أخرى، على حساب ضمانة وشرعية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي..!

إن ما يقال كثيراً عن “البديل” في حالة إنتهاء التفويض الأممي في نهاية هذا العام، إنما يعكس حالة عراقية تعبر في جوهرها، إذا ما إستبعدنا كل الأسباب والدوافع الأخرى، عن القلق والتخوف من مصير مجهول يحيط بالعملية السياسية والقوى المؤازرة لها، ولا يرتبط بأي شكل من إشكال الإلتزام القانوني من قبل العراق يدفعه لوجوب التوقيع على الإتفاقية. أما على الصعيد السياسي فإن الأسباب لكثرتها، فهي لا تعد ولا تحصى، ولست في معرض الحديث عنها..!!؟

ولمن يدفع متسائلاً؛ هل من بديل آخر..؟ إنما يعبر في حقيقته، عن تشككه بما جاءت به نصوص الإتفاقية، فهو غير واثق بما تبطنه تلك النصوص، وما تضمره لمستقبل غير واضح المعالم؛ فالأسئلة الكثيرة التي إنهالت في جلسة مجلس النواب ليوم 22/11/2008 من قبل النواب وما قبلها، سواء الرافضين منهم أوالقابلين، قد حملت في مغزاها وبواطنها كل إشارات الخوف والتشكك من مستقبل ما بعد الإتفاقية ، ولم تعكس مواقفاً، خاصة بالنسبة للموافقين ، تنم عن الثقة بالطرح، واليقين بما جاءت به نصوص الإتفاقية ومدى صدقية “الضمانات المفترضة” من قبل الطرف الثاني في الإتفاقية، بل في غالبيتها كانت تختار بين السيء والأسوء، وهي في خلاصة ما تشير اليه، كانت وبمرارة، تعلن عن ألمها وأسفها، لأنها تجد نفسها مجبرة أن تختار القبول بالإتفاقية بإعتبارها “شر لا بد منه” أو “أفضل السيئات” أو “أن كافة البدائل أسوء من الإتفاقية” ..الخ من عوامل الإحباط..!

ولعل اللافت في الأمر أن هذه القوى من الداعين للتصديق على الإتفاقية بوضعها الحالي، رغم إقرارها بكل ما يشوب مضامين هذه الإتفاقية من مساويء لا تخدم المصلحة الوطنية، تراها تنأى جانباً عن مغبة تكليف نفسها البحث في أي خيارات أخرى كبدائل عن الإتفاقية، حتى لو كان فيها ما قد يجنب العراق تبعات ما يمكن أن يترتب من إلتزامات وتعهدات تضعه في فلك توجهات سياسات الدولة الكبرى وخططها المرسومة سلفاً ، أو يجره ليصبح حلقة في ميزان الصراع الدائر في المنطقة، فهل حقاً عدم العراق، الوسائل والطرق المشروعة والشرعية في إطار المجتمع الدولي والشرعية الدولية للخروج من المأزق..؟!
________________________________________________
(*) http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/23usa.htm
(**) http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/9port.htm
(1) http://arabic.cnn.com/2008/middle_east/10/20/iraq.us/index.html
( 2) http://www.ashrfmshrf.com/wp/?p=208
(3) http://www.ashrfmshrf.com/wp/?cat=70
(4) http://www.nahrain.com/news.php?readmore=36330