الرئيسية » مقالات » ممنوع الاقتراب من الحمير

ممنوع الاقتراب من الحمير

شلة أصدقاء أمريكيين من ذوي الكفاءات العلمية, دفعتهم البطالة إلى سلوكيات يعتبرها الكثيرون أنها غير مستحبة , ولكنهم انشغلوا بها حتى يهربوا من الفراغ القاتم الذي يجثم على صدورهم ويسلبهم متعة الحياة , انصرف الأصدقاء إلى الاهتمام بالأدب والثقافة والسياسة وكذلك إلى تعاطي التدخين وقرقرة النرجيلة ولعب الورق .
فاتفقوا على الخروج في نزهة إلى أطراف المدينة , لتأدية طقوس وداع الخريف واستقبال الشتاء , فقد كانوا مغرمين بالطبيعة وتقلباتها البديعة , ولهذا كان البعض يعتبرونهم عصبة من الحمقى والمهابيل ممن ينشغلون عن كسب رزقهم بمتابعة العصافير أو معالجة تقرحات النهر الذي أصابه الجرب بعدما تحول إلى مكب للقمامة و مخلفات المدينة وسط إهمال البلدية المريع لصحة جريانه .
أثناء خروجهم إلى النزهة صادفوا دورية للأمن, استوقفتهم.. تفحصت وجوههم .. دققت في هوياتهم , ولأنهم يتعاطون جنحة الكتابة فقد اشتبه بهم رئيس الدورية , فأخذ من جديد يفتش سيارتهم , وفأر الشكوك يرقص في عبه , وهو يسأل نفسه في سره, ترى أين سيذهب هؤلاء الملاعين , لابد انهم يخططون لعمل ما يحرج السلطة , لابد لي من متابعتهم لأعرف ما هي نواياهم الخبيثة , تجول الضابط حول السيارة, وهو يرمق ركابها بنظرات ملئها الشك والريبة , ولا ينسى أن يصنع ابتسامة خبيثة على وجهه كلما وقع نظره على نظر احد الركاب , استرق باران زعيم الشلة نظرة إلى رئيس الدورية , فهمس في أذن صديقته بريندا اختلسي نظرة إليه , لقد تعرف علينا , اجزم لك انه يسأل نفسه عن الاجتماع أو المؤتمر أو المهرجان الذي سوف نحضره , أو النشاط الذي سنقوم به , لا بد انه سيفسد علينا الرحلة , همست بريندا ولكننا خرجنا لمجرد الترويح عن النفس , أجابها باران أن كنت شاطرة لا تقنعيني أنا بل أقنعيه هو , لم يجد الضابط حجة حتى يوقف الشلة فسمح لها بالمغادرة , ولكنه تابعها من بعيد لتبقى تحت مراقبته طوال الرحلة , والشلة لا تدري .
نزل الأصدقاء في بقعة ندية نبتت فيها الحشائش توا , بفعل غيمة خريف جاءت لتفرغ حمولتها مبكرا , فباشروا هواياتهم السيئة في تناول المشروبات والأطعمة والثرثرة حول الأدب الملتزم في كوريا الشمالية أو مناقشة أسباب ركود الاقتصاد العالمي , ثم تفرق الأصدقاء أزواجا يتمشون في البرية , مستأنسين بأعشاب الأرض ودوابها ودبيبها , ترافق بريندا و باران , وقد أخذهما الشغف بالطبيعة إلى متابعة الحشرات والزواحف كيف تحث الخطى لتلتحق بإقرانها الذين سبقوها إلى الجحور لتدخل سباتها الطويل , بقيت بريندا تسير مسافة مزعجة خلف نملة شاردة ضيعت الطريق , سألها باران أن تكف عن إزعاج الحشرة المسكينة حتى تعرف الخروج من محنتها , أجابت بريندا لا اقصد إزعاجها بل احسدها على رحلتها إلى دنيا السبات , سوف تنام فصل كامل دون حاجة إلى طعام اوشراب أو ملبس أو وقود تدفئة , يعني أنها سوف تتجنب الأزمة التي تعصف بنا والشتاء على الأبواب , من يدري ريثما تنهض النملة في الربيع فتكون الأزمة قد رحلت أو الأمطار قد هطلت بالخير والبركة, فلا تعاني ما سوف نعانيه في الأيام القليلة القادمة , تمنى باران أن يكون ورفيقته زوجين من النمل ليس طمعا في النجاة من الأزمة بل حتى يقضي في حضنها شتاء كامل حتى ولو كان نائما .
تابع الرفيقان التناغم مع الأرض , وهما يلهوان ويعبثان , وقد لعب الخمر برأسيهما ما سمح لهما بتبادل القبل , حتى وجدا نفسيهما على مشارف قرية , حيث الأهالي يؤدون أعمالهم استعدادا للشتاء , لم تكن الأجواء طيبة فالخريف زاد الوجوه كآبة و عبوسا , مناظر الريف ايقظت مشاعر باران , ليطلب من بريندا الذهاب إلى الأهالي ومشاركتهم الإعمال , سخرت منه قائلة وما ادراك باعمال اهل الريف , فقال محسوبك قروي عشرة على عشرة وليس احب على قلبي من بعدك غير الريف والحمير , انتهى الصديقان من معاونة الاهالي , ليرجعا الى الشلة ,و على البيادر مرا بانثى حمار وصغيرها ليجدا البؤس يتقطر منهما نحافة وجوعا , فتقدما من الاتان وكرها , واخرجا من جعبتهما ما تبقى لديهم من طعام .. شطائر البيتزا .. رقائق البطاطاس .. اصابع الشوكولا .. اقراص البسكوت .. قدماها الى الحيوانين التعيسين , نهقت الاتان نشيجا فهم منها باران أنها تريد التبرع بحصتها الى صغيرها , سألته بريندا أرى بان الأنثى ترفض طعامنا , اجابها بل هي تقول انا اتحمل الجوع ولكن رضيعي منذ يومين لم يتناول حبة شعير او كمشة تبن اخاف عليه من الكساح والمرض اطعموه بما عندكم ولا ينشغل ذهنكم بي , تأئرت بريندا بتضحية الأم فأخذت تبكي , وهي تمرر يد العطف والحنان على رقبة الكر الصغير وتعانق جبهته المتسخة , مما جعلت باران يتمنى لو يكون كرا , ثم طلبت منه ان يعودا غدا الى الاتان لتكافئها على مشاعر الامومة الدافقة بمزيد من العلف , رد الصديق ساخرا بالله عليك اسكتي هل نسيت اننا بعنا اخر قطعة ذهب لديك لتوفير مصاريف النزهة .
بعد تعليف الكر باشر الصديقان بالتقاط صور تذكارية للحمارة وصغيرها , وهما غافلان عن عيون رئيس الدورية اللتان تتابعهما منذ البداية , حتى سمعا صرخة عسكرية مروعة ,وقرقعة الكلاشنكوف . قف مكانك .. لا تتحرك .. ارفع يديك .. اغلق عينيك ..و بحركة لا شعورية لا ارادية رضخ الاربعة بريندا وباران والأتان والكر للأوامر الصادرة , هجم عليهما رجال الدورية يفتشون ملابسهما , ثم صادروا ما في جعبتهم من الات التصوير واوراق , وتم تكبيلهما والقيا بهما في الصندوق الخلفي للسيارة كجذع شجرة وسط حراسة صارمة , ثم جاء امر التحرك والعناصر تصنع علامة النصر باصابعها وتنشد الأناشيد القومية وتكبر لله , ارتعبت بريندا فبالت على نفسها وهي تسأل صديقها ماذا فعلنا حتى يقبضوا علينا , اجاب الصديق على ما اذاكر اخر جريمة اقترفناها كانت اطعام جحش مكروب ,وصلت الدورية الى مركز الاستخبارات و هناك بدأ التحقيق .
المحقق : نعرف كل نشاطاتكم الحاقدة المشبوهة فلا تماطلوا واعترفوا لماذا اطعمتم الحمير والتقطتم لهم صورا , انتم جماعات الانترنت تراسلون المواقع والصحافة الاجنبية والمعادية بهدف تلطيخ سمعة البلد اليس كذلك يا اولاد الكلب
بريندا: عفوا لماذا لا سمح الله يكون التقاط صورة جحش صغير بريء اساءة لسمعة البلد ارجوا ان تنورنا حتى نعرف الخطأ الفاحش الذي ارتكبناه بحق وطننا
المحقق : بنت الحرام وتتغابى ايضا , طيب سوف اشرح لك ,الم تكن الأتان والكر في وضع مزري ,الم تلتقطوا لهما صورا , المسألة واضحة تريدون ارسال هذه الصور الى جمعيات الرفق بالحيوان العالمية , حتى يقولوا ان الحكومة تنتهك حقوق الحيوان ,فيتخذونها ذريعة للتدخل في شؤوننا الداخلية
باران : ولكن نحن مجرد هواة , نحب الطبيعة والحيوانات ووسائل الاتصال الحديثة وليس لنا من وراء ذلك ثمة نوايا خبيثة او حميدة , لسنا صحافة ولا علاقة لنا بما ذكرت من جماعات حقوق الإنسان حتى تكون لنا صلة بجمعيات الرفق بالحيوان , الامر وما فيه اننا اشفقنا على الكر وامه وقدمنا لهما ما زاد من طعامنا ,فصار بيننا تعارف وخبزا و ملحا , وزيادة في المودة قمنا بالتقاط بعض الصور
المحقق : تعارف هاهـ هـههههاااا قلت تعارف هذا كلام لا ينطلي علينا , لماذا تحملون اذا اجهزة التصوير وهواتف نقالة , هذا دليل قطعي على انكم تعملون لجهات خارحية
بريندا: يوجد في البلد 2 مليون جهاز تصوير و 5 مليون هاتف نقال فهل اصحابها كلهم عملاء للخارج , الناس اهواء ومذاهب بعضهم يصور الورود والاخر يصور الجبال ووو.. ونحن هوايتنا تصوير الطبيعة الحية والصامتة , انتم من سمح بدخول هذه الاجهزة الى البلد واننا لا نشك ابدا بكفاءتكم وقدرتكم في كشف الامور التي تهدد امن الوطن ولو ان الهواتف وكاميرات التصوير تشكل تهديدا حتما كنتم ستمنعون دخولها إلى البلد .
ارتبك المحقق وانتفخت اساريره بمزيج من الغبطة والحنق , فقد اطربه كلام بريندا, بل اقتنع انه يبالغ في شكوكه فقال متلعثما :
سوف اعطيكم فرصة وحيدة لتثبتوا حسن نواياكم ليتم الافراج عنكم وإلا…. قاطعته بريندا قل ما تريد فنحن موافقان .
المحقق: هل توافقان على كتابة تصريح خطي تتعهدان فيه بأنكما لن تقتربا من الحمير وكل الحيوانات الاهلية والبرية الهزيلة مسافة 100 متر ,و تكفان عن تصوير أي شيء يعبر عن الكآبة والبؤس .
وافق الصديقان وبصما على التعهد بالاصابع العشرة بدل التوقيع , وخرجا يسابقان الريح مثل عصفورين نجيا من مخالب قطة , في الطريق قالت بريندا, بات علينا مستقبلا إذا رغبنا بتصوير حيوان أن نحصل على تصريح من الاستخبارات ثم نقوم بتسمين وتنظيف وتزيين الحيوان ونرسم ابتسامة عريضة على شفتيه ونرشه بالعطور والبخور ثم نلتقط له صورة , هذا افضل من ان ابول على نفسي مرة ثانية , طلب منها باران الإسراع في المسير قبل ان يكتشف اهلها انها خرجت معه , فالتورط مع والدها افظع من التورط مع الاستخبارات , حيث مسائل الشرف في امريكا لايمكن التهاون فيها حتى لو كانت شبهة , فالعار لا يغسل إلا بدم الحبيبين .