الرئيسية » المرأة والأسرة » كيف يتزوج الناس في الصين!!

كيف يتزوج الناس في الصين!!

” أغصان الخوخ الطالعة المزهرة ،
تشق أكمام الورد .
وتؤلف بين قلوب الثمرات
فقولوا للعروس القاصدة إلى بيت عمرها ..
إحفظي فتاك في قلبك ..
أغصان الخوخ الزاهية المزهرة اللامعة ..
بأوراق مثل عقد لؤلؤي نظيم ،
تهمس لك .. أيتها الطالعة إلى بيت فرحك ،
إحفظي بيتك في عينيك
وإحفظي في عينك حياتك ..”
شعر صيني قديم
الهدوء يسيطر على الموكب البهيج الذي يمر أمامي ..
لا ضجيج يذكر ، لا أصوات موسيقى ، لا طبول ، لا منبهات …
سرب من سيارات الفرح الأنيق هو كل ما يمثل حفل زفاف في الصين !
قادتنا أقدامنا ذات يوم إلى فندق ضخم طالما تمنينا التجول في حدائقه الكبيرة المطلة على البحيرة الشرقية .. تجولنا في أرجاء تلك الحدائق الأنيقة التي حوت عددا كبيرا من التماثيل البيضاء .. صمم الفندق الذي علمت أنه أول فندق ( خمس نجوم ) بني في ووهان ، على طراز تراثي صيني قديم وارتفعت حيطانه الحمراء المزينة بالرسوم البارزة التي مثلت أساطير قديمة فيما توزعت تماثيل التنين الذهبية العملاقة في أرجاء حدائق الفندق الكبيرة الذي إمتاز أيضا بإحتوائه لقارب (عوامة ) التنين التي تتوسط جزء من البحيرة الشرقية والتي يقدم فيها الشاي الصيني للضيوف ..
وصلنا في جولتنا لقاعة إستقبال الضيوف المذهلة .. تدلى من السقف تمثال ضخم لتنين وضع مصباح ساطع في فمه وبدت أرضية القاعة كمرآة صافية بألوان متناسقة جميلة فيما توزعت تحف فنية رائعة ومزهريات عملاقة وزهور وكراسي محفورة من الخشب الفاخر و زينت الحيطان لوحات كبيرة نقشت على الخشب الصقيل وغمر القاعة ضوء بهيج ..
فجأة توقفت سيارة سوداء مزينة بباقة كبيرة من الزهور وتوقفت خلفها عدد من السيارات السوداء المزينة بأشرطة وردية اللون .. كنت قد شاهدت تلك السيارات المزينة بباقات الزهور في الشوارع كثيرا والتي يتبعها سرب من السيارات السوداء الهادئة ..
فتح باب السيارة ونزل العريس ثم انتظر برهة ليفاجئ الجميع بحمل العروس مهرولا بها وسط ضحكات أهله وأصدقائه .. وتكرر المشهد نفسه لعريس آخر جاء بعد أقل من ربع ساعة !
ذكرني ذلك المشهد بذات يوم حين كنت وعائلتي في رحلة لجبل ( موشان ).. شاهدنا يومها عروسين يقفان أمام المصورين بملابس الزفاف و بعد أن إلتقطنا معهما صورة للذكرى توجهت بالتهنئة للعريسين متمنيا لهما السعادة في حياتهما الجديدة لكني فوجئت بهما وهما يخبراني بأن يوم زفافهما مر منذ شهر وأنهما أتيا إلى هنا لمجرد إلتقاط الصور .. فسر لي ذلك رؤيتي المتكررة للمتزوجين بملابس الزفاف في المناطق السياحية برفقة المصورين فقط دون مرافقين أو مرافقات …
في الجامعة جرى بيني وبين صديقي الصيني حوار عن الزواج في الصين ، أخبرته بأني مولع بمعرفة تقاليد الشعوب والشعب الصيني ، بالذات ، بهذا الخصوص ، فأجابني بأن الزواج لديهم يحدث غالبا بإتفاق يجري بين عائلتين وضرب مثلا بنفسه قائلا لي بأن عائلته وعائلة الفتاة التي ستصبح زوجته في المستقبل إتفقتا على كل شيء .. وقال لي أنه خلال العهود القديمة إذا أحب فتى فتاة ، طلب من ( الخاطبة ) ، بعد إهدائها هدية ، الذهاب إلى بيت الفتاة لخطبتها طالبا منها أخذ بعض الهدايا حيث تتبادل ( الخاطبة ) مع أفراد أسرة الفتاة بطاقة مكتوبا عليها إسم وعمر كل من الفتى والفتاة فإذا إتفق الجانبان ، تختار والدة الفتى يوما مباركا لزيارة بيت الفتاة لمعرفة المزيد عن أحوالها ، مثل الحالة المالية لأسرة الفتاة وأخلاقها وملامحها وغيرها ، كما يمكن لوالدي الفتاة أن يزورا بيت الفتى لمعرفة أحوال الصهر المرشح ثم قال مبتسما أنه في بعض الأرياف ببكين ، إذا بقيت الفتاة ووالداها في بيت الخاطب لتناول وجبة طعام ، فإن ذلك يدل على أن الجانبين قد إتفقا على الخطوبة !
وخلال مراسم الخطوبة ، غالبا ما تقدم أسرة الخاطب هدايا الى الفتاة وأسرتها وفي مدينة ( ون تشو ) بجنوب الصين، يعتبر الناس أن خاتمي الخطوبة حلقة ترمز إلى الخلود
ثم أكمل لي شرح تقاليدهم الخاصة قائلا بأنه و بعد سلسلة من المراسم الرسمية ، يبدأ الجانبان الإستعداد لمراسم إستقبال العروس ففي اليوم المعين لإقامة مراسم استقبال العروس ، تلبس العروس ملابس وحلية حمراء زاهية بقصد تجسيد السعادة والبركة رغم إنتشار عادة إرتداء فساتين الزفاف الطويلة البيضاء ، حاليا ، و تغادر العروس بيتها باكية تعبيرا عن حنينها إلى أسرتها ويبدأ حفل الزفاف حين تصل العروس إلى بيت العريس ..
أخبرت صديقي بأن تلك التقاليد مشابهة تقريبا لتقاليدنا في العراق كما أن العروس غالبا ما تبكي عند خروجها من بيت الأهل ضاربة بقدمها وعاء مليئا بالماء وأعواد خضراء من الآس قبل المغادرة .. فقال إنه يتعين على العروس ، بعد أن تصل بيت العريس ، في بعض المناطق في الصين ، أن تجتاز مجمرة في فناء بيت الزوج بقصد القضاء على الأرواح الشريرة بالنار وتحقيق الحياة المزدهرة بين الزوجين في المستقبل و يجب على العروسين عند دخولهما الغرفة القيام أولا بالركوع ثلاث مرات الأولى ( للسماء والأرض) والثانية ( لوالديهما ) والثالثة هي ( ركوع الزوجين وجها لوجه ) ، ثم يتبادلان قص خصلة من الشعر ويحفظ كل منهما خصلة شعر الآخر كرمز للعلاقة الزوجية فقلت له إن ذلك يذكرني إلى حد ما ببعض التقاليد التي لدينا في بعض المناطق حيث ينصح الزوج بصب الماء على قدمي زوجته عند دخولها الغرفة ثم يقف الزوجان لصلاة ركعتين شكرا لله وطلبا للسعادة …
وعن مأدبة الزواج قال لي صديقي بأن عامة الناس في الصين تولي إهتماما بالغا بأبهة المأدبة لأنها تبرز فخامة الزفاف .. وخلال المأدبة ، يتعين على العروس أن تلتقط الأطعمة بالعودين بنفسها للضيوف شاكرة حضورهم .. ويتعين على الضيوف أهداء مبلغ من المال للعريس يوضع في ظرف أحمر اللون .. وأخبرته بأن ذلك مشابه لما يحدث في وطني ، كما أن لدينا أياما عديدة قبل يوم الزفاف ومنها يوم عقد القران و إحتفال خاص يقام ليلة الزفاف حيث يوضع ( الحناء ) على يد العروس فقال لي إن ذلك يذكرني بعادات وتقاليد الزواج لدى المسلمين في الصين إذ لا يتم الزواج إلا بعد إجراء سلسلة من العمليات والمراسم تشتمل على طلب اليد وعقد الزواج وكتابة شهادة الزواج وقراءة الخطبة وتوزيع المأكولات على المهنئين وإحضار العروس وإقامة وليمة العرس ..
أثارني موضوع الزواج لدى القوميات المسلمة في الصين وعدت إلى البيت فيما بعد لأقرأ عنه وهكذا توفرت لي معلومات مثيرة منها أن حفلة الزفاف لدى قومية (هوي) تقام عادة في بيت العريس أو في المسجد يوم الجمعة ، ويمنع فيها العزف على آلات الكرب والغناء وفي بعض المدن مثل تشيوانتشو (مدينة الزيتون) و( يانغتشو ) يعتبر القرآن الكريم أغلى جهاز عروس وفي أوائل القرن الماضي كان هناك من يقدم مخطوطة القرآن الكريم كجهاز للعروس …
ومن عادات الزفاف لدى قومية هوي نشر ( حبات الفول الذهبية ) للجماهير الحاشدة وفي الزمن القديم كانوا ينشرون حبات الذهب الحقيقية الشبيهة بشكل حبات الفول ، ثم تحولت هذه العادة إلى نشر الثمار الأربع : الجوز والعناب والفستق والحنكة ، وذلك تعبير عن الشكر لله على إتاحة هذه الزواج السعيد ورجاء للإنجاب وعادة ينشر الإمام الثمار الأربع بعد تلاوته آية النكاح ليتلقاها العروسان الراكعان .. ولمقاطعة ( قانسو) شمال غربي الصين ، بتأثير من قومية هان ، عادة إستقبال العريس إلى بيت العروس ليعيش مع أسرتها !
وللويغوريين المسلمين مزاياهم في الزواج فعادة ما يتخذ الشباب والشابات منهم الأغاني وسيلة للتعبير عن الحب المتبادل بينهم أما العرائس من هذه القومية فيغنين بصوت شجي تعبيرا عن رفضهن مغادرة آبائهن وأمهاتهن ومواطنهن ، بينما تغني قريباتهن وصديقاتهن أغاني ( الدعوة إلى الزواج ) الغنية بالمعاني الفلسفية لإقناعهن . و يرفع الشباب من أهل العريس، إثر ذلك ، أصواتهم بأغاني (الحث على الزواج) ، ملحين عليها بمغادرة بيتها بأسرع ما يمكن ، ثم يجلسون العروس المستور وجهها بحجاب أحمر على سجادة ، ثم يمسكون بأطراف السجادة ويسيرون وراء العريس المزدان بثياب الحرير، باتجاه جواد معد لهما مسبقا وبعد ركوب العروسين على الجواد يبدأ موكب الزفاف بشق طريقه إلى بيت العريس وسط المهنئين الذين يرقصون على الألحان الموسيقية وعلى إمتداد طريق الموكب حواجز متتالية من الأحزمة والأشرطة الحريرية والحبال تعترض الموكب وهذه الحواجز تعكس رغبة أهل العروس في إستبقاء إبنتهم ، كما أنها إختبار لمدى حب العريس للعروس والذي يحي أهل العروس باستمرار، واضعا يده اليمنى ، مع كل تحية ، على صدره تعبيرا عن إحترامه للحاضرين وبعد أن تصبح العروس أمام بيت العريس يجب أن تقفز بجرأة من جانب مشعلة ملتهبة بجوارها ، وهذا يرمز إلى أنها تستطيع إجتياز البحار النارية من أجل زوجها عند الضرورة وعندما يرفع أحد الحاضرين الحجاب عن وجه العروس، يشرع المحتشدون بالغناء والرقص بحماسة ، متمنين للعروسين السعادة في حياتهما الزوجية … استمر حوارنا وقتا طويلا فيما كنا نتجول في أرجاء الجامعة الكبيرة .. وصلنا إلى مقهى صغير إعتاد الطلبة الجلوس فيه لشرب العصير أو الحليب الساخن المطعم بنكهة الفواكه كالفراولة أو الموز والتفاح .. جلسنا هناك قليلا بإنتظار برودة أكوابنا الساخنة جدا .. سألني صديقي عن الأماكن التي زرتها خارج مدينة ووهان وأجبته بأنني قمت في العطلة الصيفية مع عائلتي بزيارة ( بكين ) و تسلقنا هناك سور الصين العظيم في رحلة مثيرة و قمنا بزيارة أماكن كثيرة منها المعبد السماوي والقصر الإمبراطوري الصيفي وحديقة العالم والبحيرة الشمالية وحديقة النبات وحديقة الحيوان وكثير من الحدائق القديمة المتنوعة والأسواق والشوارع الشهيرة وبدأت أقص له تفاصيل رحلاتنا تلك التي قمنا بها على أكتاف سور الصين العظيم والتي سأدونها في كتاب خاص سيكون الجزء الثاني من هذه اليوميات التي بدأت بكتابتها في ووهان بتاريخ 1 /9/ 2007 وإنتهيت منها بتاريخ 1/ 11/ 2008 عسى أن ترافقوني في تفاصيل رحلتي القادمة إن شاء الله …
– الصين – ووهان – خاص بالتآخي/31