الرئيسية » مقالات » نقد يساري تحرري للخطابات السائدة

نقد يساري تحرري للخطابات السائدة

مقدمة : مجموعة من الأفكار الأساسية

القضية هنا أولا في تلخيص الاستنتاجات الضرورية من الواقع القائم , و من أهمها :

1 – النظام السوري هو المسؤول الأول , و الوحيد إذا ما استثنينا الجفاف الذي ضرب بلادنا في العام الماضي , عن الحالة التي وصلتها الجماهير السورية اليوم , لا مجال للنقاش في هذه الحقيقة التي تلخص واقع ملايين السوريين اليوم ,
2 – أن للديمقراطية مضمون أساسي بل و وحيد و هو حرية الناس جميعهم على قدم المساواة , و في نفس الوقت أشكال عديدة ( خلافا لما ورد في إعلان دمشق ) يحددها التطور الاجتماعي و السياسي و الثقافي و تطور البنى السياسية و القانونية القائمة , لأنها عملية بحث لا يتوقف , و ربما لا نهاية له , عن الحرية , عن المزيد من سيطرة الإنسان كفرد و كمجموع على ظروف حياته في سبيل أقصى ما يمكن من حرية لكل فرد و للجميع , هذا النقد للنسخة السائدة من الأنظمة الديمقراطية البرجوازية يمارس أيضا في بعض الأحيان من أزلام النظام أو المحسوبين عليه , لكنه في حالة اليسار التحرري يريد تجاوز , لا النظام الديكتاتوري فقط , بل و بديله النخبوي الفوقي ,
3 – أنه إذا كان الحديث يدور عن الحرية , فإن “إمبراطورية الشر” ستتألف حينها من كل الطغاة دون تمييز , هذه ليست بلاغة كلامية و لا رغبة ذاتية تفرض على الواقع بسبب كراهية إيديولوجية ما للرأسمالية بل في الحقيقة مسلمة واقعية تماما , و الصراع بين الطغاة لا يدور حول الحرية , حرية أي كان , إنه يدور حول استعباد جميع من لا يشارك في هذا الصراع , للأسف أن قضية كهذا لا تصبح قاطعة بالنسبة للنخبة المثقفة أو الناشطة سياسيا إلا بعد تجربة مرة مأساوية النتائج تدفع الجماهير ثمنها تماما مثل تبني النسخة الشمولية من الاشتراكية و القومية في الماضي ,
4 – وجود ما يقارب مليون سوري مهدد بالجوع اليوم , يكشف لا إنسانية و غباء فكرة الدولة سواء البيروقراطية المنشغلة برفاهية طبقتها العليا أو الليبرالية المنشغلة بإنقاذ الرأسمالية و سيطرتها , كلا النموذجين يقوم على ترك الناس “لمصيرهم بحرية” , للجوع في الحالة السورية و للشوارع بعد إجلاء منازلهم في الحالة الأمريكية , من يستحق الإنقاذ هو إما البيروقراطية المتربعة على رأس النظام الديكتاتوري أو النخبة التي تملك كل شيء و خاصة قوة عمل الناس العاديين , من المؤكد أنه هناك حاجة لإعادة تعريف الدولة الفاشلة , تلك التي يعرف بها منظرو العولمة الليبرالية الدول العاجزة عن تنفيذ أوامر المراكز الرأسمالية و خاصة ملاحقة كل ما تعتبره تلك المراكز “إرهابا” , لا مشكلة فيما إذا جاع مليون سوري إذن , أو طرد ملايين الأمريكيين أو على وشك من بيوتهم , إن القضية هي في رخاء الطبقة الحاكمة و المسيطرة , تارة باسم الوطن و تارة باسم الليبرالية , النظام السوري هنا ليس فقط دولة فاشلة بامتياز , إنه كارثي , فهو لا يكتفي بالامتناع عن التدخل بشكل جدي في مواجهة مصيبة كهذه تواجه الناس العاديين , بل إنه يخلق هذه المشاكل بنهبه المنفلت لكل شيء ,

تعليق على مقال الأستاذ بير روسته م “إعلان دمشق بين سندان الاستبداد السلطوي و مطرقة التغيير الوطني”

أولا لا بد من تسجيل موقف مبدئي لليسار التحرري من قضية الوطنية و القضية الكردية تحديدا , أننا نرفض فكرة الوطنية بحيث تكون مرجعية فوق بشرية , فوق الناس العاديين خاصة , الذين يشكلون “الوطن” في الحقيقة , لا نرفض الوطنية , و الحدود الوطنية القائمة معها , فقط كمرجعية شوفينية فوق إنسانية معادية للمجموعات الأثنية و القومية الأخرى , بل و نرفض دون هوادة أن تتمثل هذه المرجعية في سلطة قمعية قهرية تزعم أنها تختصر كل الوجود الإنساني في هذه البقعة الجغرافية , إنني هنا لا أدعي الحق في تصويب أو تخطئة ما ذهب إليه بير من أن التدخل الخارجي كان عموما إيجابيا بالنسبة للقضية الكردية و آخرها الغزو الأنغلو أمريكي للعراق , بل ما أريد هنا التأكيد عليه هو أن الضمانة الحقيقية لتمتع الأكراد السوريين و العراقيين و الإيرانيين ( و حتى العرب السوريين و العراقيين أنفسهم ) بحق تقرير مصيرهم هي أن ينال كل السوريين و العراقيين و غيرهم , و تحديدا الناس العاديين , حريتهم من خلال نضالهم المشترك كبشر يطمحون و يناضلون من أجل حريتهم , إنني أخشى أن هذا التدخل الخارجي سيكرر مأساة جمهورية المهاباد مرة ثانية و ثالثة و , من الجدير بالملاحظة اليوم السقوط الكارثي للأنظمة القومية العربية التي قمعت مجتمعها و همشت حرية الناس و نهبتهم باسم الاستقلال الوطني أو القومي , إن الدولة القومية العربية ما بعد الاستقلال هي اليوم في انهيار فعلي و قد أصبحت عبارة عن مزرعة خاصة برأس الديكتاتورية الحاكمة , هل يريد الأخوة الأكراد إنتاج أنظمة على هذا النمط و لو بدا هذا على أنه انتصار لحركة التحرر الكردية ؟ هذا ما يفرق بين مجرد تغيير النظام و بين تغييره لصالح الناس و هذا ما يفرض مركزية هذه القضية في مسألة التغيير أي أن القضية ليست تغيير النظام أولا بل تغييره الديمقراطي نحو حرية الناس الفعلية و ليس باتجاه أية سلطة بديلة كانت و لا بأية طريقة ممكنة , أو استبداله بسلطة أخرى تمارس نفيا مخففا أكثر للمجتمع و خاصة للناس العاديين عبر وصاية تختلف في إنتاج شكلها الخارجي دون جوهر علاقتها بالناس العاديين القائمة على التهميش و الوصاية و الإلغاء , أو بالمقابل استبداله بمؤسسات تقوم على حرية الناس , من الطبيعي أن يكون هذا الخلاف بل التناقض موجودا بين من يريد التغيير كيفما اتفق و من يبشر بتغيير ديمقراطي تكون فيه الجماهير أداته ( الثورية بالضرورة ) و غايته , لأن تلك النخب تعتقد اليوم أنها تملك أساس كاف من السيطرة و النفوذ الاجتماعي و الديني و المالي و ربما تفضيل أو دعم الخارج , قوة التغيير الأساسية المفترضة , مما يجعل منها البديل المنطقي للنظام في حال سقط بأية طريقة في الوقت التي وصل فيها قمع الجماهير من كل القوميات و الطوائف و الأثنيات من قبل النظام و تجريدها من أية قدرة حتى للدفاع الذاتي إلى مرحلة مغرية للنخب التي في الصف الثاني من الهيمنة الاجتماعية و التقليدية و المالية وراء النظام لتصبح هي مركز الفعل الوحيد المواجه للنظام و بالتالي أساس أي بديل قادم…إن دولة كردية تقوم على نخبة مهيمنة سياسيا و اجتماعيا عبر سيطرتها على بيروقراطية السلطة الجديدة أو متحالفة مع القوى المهيمنة اجتماعيا و دينيا ستعني فقط أن القضية الكردية , كما هي قضية جماهيرنا السورية اليوم , ستتحول مع الوقت إلى صراع حتمي مع هذه البيروقراطية داخليا مقابل اعتماد هذه البيروقراطية بالضرورة على قوى إقليمية أو كونية كمصدر لشرعية و قوة و بقاء هذه الدولة و استمرارها..الحل الذي نقترحه هنا لشكل قيام دولة كردية في غرب كردستان أو في شمال شرق سوريا تقوم على ممارسة الأكراد لحقهم في تقرير المصير هي أن يحكم الأكراد الفقراء , العاديون , أنفسهم بأنفسهم , كما نصر على أن يكون هذا هو أيضا الشكل الوحيد الذي يجب استبدال الديكتاتورية به في المناطق العربية و الآشورية و غيرها , لا أن تتولى أية نخبة السيطرة عليهم باسم القومية مثلا أو الدين أو حتى التغيير الديمقراطي , لتنتهي إلى حالة مماثلة و حتى مطابقة أو ربما أسوأ لما انتهت إليه الديكتاتورية اليوم , هذه ليست قضية للنقاش مع النخب المسيطرة و لا الخارج , إنها يجب أن تكون القضية المركزية في نضال الجماهير نفسها فقط لا غير ,

تعليق على مقال الأستاذ طلال سلمان “بشار الأسد يخاطب باراك أوباما : استعادة لخطاب العروبة .. و مطامحها” السفير العدد 11146 بتاريخ 10 – 11 – 2008

لا شك أن أكبر مصيبة لحقت بقضية الحرية في مجتمعاتنا هي استخدامها من قبل إدارة بوش كواجهة للسيطرة على المنطقة , و المصيبة اليوم أكبر بكثير و بوش و ما تبقى من فريقه المحافظ يغادر البيت الأبيض , ها هو سيف الإسلام القذافي يستقبل في واشنطن استقبال الأصدقاء , و الصراع على السيطرة على المنطقة يتخذ شكل صراع طائفي تفوح منه روائح الدم المراق في مجازر غيتوهات القرون الوسطى , و وفقا لهذا الاصطفاف أمكن لأنظمة الاعتدال أن تستأثر بعطف الليبراليين الجدد و أنظمة الممانعة بعطف القوميين مثلا , لم يتحدث بشار الأسد بلسان المواطن العربي , و السوري تحديدا , كما قال الأستاذ طلال..من المؤكد أن أي غزو أجنبي , مهما عمده رجال الدين بزيتهم المقدس و مهما تغزلت به النخبة و تفننت في مديحه , سيبقى مرفوضا من الجماهير أو ما سماه الأستاذ طلال بالمواطن العربي , و لهذا بالذات تستمر القوى الأصولية التي تسمى نفسها بالجهادية بممارسة نفوذ هام على الجماهير , لأن اليسار , البديل المفترض , محشور بغالبيته في الحرب الأمريكية على الأصولية الإسلامية باسم سيطرتها على المنطقة , يجب هنا التأكيد أنه أمكن للجيش الأمريكي الناشئ ذات يوم مدعوما بقطاع الطرق و المغامرين الباحثين عن الذهب في الغرب الأمريكي أن يستأصل الهنود الحمر , لكن هؤلاء حتى لحظة اختفائهم بقوا يتحينون الفرص لرد الصاع صاعين للقتلة و بقوا يكرهون بل و يلعنون , وفق طقوسهم و معتقداتهم و أسلحتهم البدائية الخاصة , هؤلاء القتلة رغم أن آلهتهم التقليدية قد خانتهم أمام السلاح المتفوق للرجل الأبيض , لا يمكنك أن تقنع الضحايا فعليا بأن يستسلموا للموت و للقهر و للعبودية و للاضطهاد و التبعية و الدوس على كرامتهم من قبل سادتهم و مضطهديهم مهما بلغ هؤلاء من قوة حتى لو كان هذا هو خيارهم “الواقعي” الوحيد , و إذا حدث هذا بالفعل فعليك أن تتأكد من أن هؤلاء العبيد هم من البشر أم جنس جديد لا يعرف إلا السمع و الطاعة جنس طالما حلم به السادة و السلاطين منذ فجر التاريخ , أن تقسم السادة إلى سيئين و أقل سوءا أو ربما حتى جيدين “نسبيا” هذا حقك و قد يبدو حتى تحليلا موضوعيا للواقع لكن أن تريد التذاكي بمحاولة إقناع العبيد بفضائل العبودية فهذه قضية أخرى , من المؤسف و المشين أن قضية الدفاع عن عالم الناس حكر حتى اليوم على الأصوليين عمليا بطرقهم الهمجية و إعلاميا على أمثال بشار الأسد , نعم إن اليسار في تناقض جذري مع الأصولية لكنه ليس جزءا من الحرب الأمريكية على الأصولية أو من الحرب الأمريكية للسيطرة على المنطقة , بل يفترض أن يكون جزءا من نضال شعوبنا في سبيل حريتها ضد كل من يستبيح هذه الحرية , حرية الناس العاديين ليس فقط في التفكير و العقيدة و التعبير و العبادة , بل في تصرفهم المطلق منفردين دون غيرهم بمصائرهم , لكن من جهة أخرى لا عذر لا للأستاذ طلال و لا لغيره , ممن يعرف حق المعرفة أن بشار الأسد يختلف تماما عن أي مواطن عربي عادي , ليس فقط أنه من طينة “السادة” و الشبعانين الممتلئين , بل إنه كذلك لسبب بسيط هو تهميش و عبودية و جوع الملايين من السوريين تحديدا , قد يتحدث بشار الأسد عن “العروبة” عندما لا يكلفه ذلك أي شيء بل أكثر من ذلك عندما يستخدم هذه “العروبة” لتصبح مبررا و مصدر شرعية كل هذا النهب و كل هذا القمع الأسود الواقع على ملايين السوريين , يريد بشار أن يبقى هو السيد في هذا “الوطن” الذي يسمى سوريا على حساب الملايين من “السوريين” الأقل سورية و وطنية و “عروبة” بالتأكيد لكي يحظوا بهذا القدر الضئيل جدا مقارنة به و بحاشيته من خيرات هذا الوطن , لا أن يكون السيد هو جورج بوش أو أية نسخة خاصة بسوريا من بريمر أو الجنرال زيني , لا يدور الحديث في عروبته هذه عن ملايين السوريين كسادة لمصيرهم , هذا هو الفرق الأساسي بين العروبة التي يتحدث عنها الأسد و الحرية , حرية كل سوري عربي أو كردي أو آشوري أو أرمني أو شركسي……………