الرئيسية » مقالات » غياب الحضور الدولي في الاتفاقية العراقية الأمريكية

غياب الحضور الدولي في الاتفاقية العراقية الأمريكية

رغم أسلوب الاحتجاج الصبياني لبعض أعضاء مجلس النواب أمام عدسات النقل التلفزيوني في جلستي القراءة الأولى والثانية للاتفاقية العراقية الأمريكية المسماة ” اتفاق بين جمهورية العراق و الولايات المتحدة الأميركية بشأن انسحاب قوات الولايات المتحدة من العراق وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت فيه”، إلا أن الاتجاه الغالب لدى الكتل الرئيسية الثلاث هو التصديق على هذه الاتفاقية، منطلقة من أن هذه الاتفاقية تلبي أجندتها الخاصة قبل أي اعتبار رغم التصريحات المتعددة لأطراف هذه الكتل من أن هذا التصديق يصب في مصلحة البلد العليا وان الخيارات الأخرى أكثر ضررا منها. و قد لا يبدو الجدل حول مستوى الأداء الحكومي أثناء المفاوضات الصعبة والأوراق التي استغلها مجديا، بعد أن أقرت الحكومة العراقية الاتفاقية في 16من شهر تشرين الثاني ولم تقم بنشر صيغتها المقرة بل بادرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية إلى نشرها!!، لكن المؤكد أن واحدا من أهم العوامل التي لم يستغلها المفاوض العراقي هو العامل الدولي وضرورة إشراكه بفعالية بسير المفاوضات وخصوصا الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، والتأكيد على تحمل مجلس الأمن المسؤولية بعدما ثبت في قراره المرقم 1483 الصادر في 22 أيار 2003 أن مجلس الأمن” يسلِّم بالصلاحيات والمسؤوليات والالتزامات المحددة بموجب القانون الدولي المنطبق على هاتين الدولتين – الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة لبريطانيا وايرلندا الشمالية- ، بوصفهما دولتين قائمتين بالاحتلال تحت قيادة موحدة ( السلطة).” وبذلك كان المجلس هو الذي أسبغ صفة الاحتلال على وجود قوات الدولتين، وعليه تحمل المسؤولية في إنهاء هذه الاحتلال وتأكيد التزامه بميثاق الأمم المتحدة و بقراره اللاحق الصادر في 18 كانون الأول 2007 برقم 1790 الذي نص على أن مجلس الأمن “يؤكد من جديد استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامته الإقليمية” كما أن المجلس ” يسلم بأن تقديم الدعم الدولي من أجل إرساء الأمن والاستقرار أمر ضروري لخير شعب العراق، وكذلك لتمكين جميع الأطراف المعنية، بما فيها الأمم المتحدة، من الاضطلاع بعملها لصالح شعب العراق”. وإذ يكون الرفض الأمريكي لإشراك أعضاء مجلس الأمن الآخرين، عدا الحليفة الأقرب، بريطانيا، متوقعا، فإن ليس كل ما ترفضه الإدارة الأمريكية يصبح أمرا واقعا لا مفر من الانصياع له.

لقد كانت فترة المفاوضات التي قاربت على ثمانية أشهر وتزامنها مع الصراع على زعامة البيت الأبيض القادمة، فرصة هامة للتشبث بضرورة مشاركة مجلس الأمن فيها، فالإدارة الأمريكية كانت في حالة إحباط ويأس من فوز مرشحها الجمهوري، كما عاشت هذه الإدارة حالة من الضعف السياسي بعد تأكدها من هزيمتها القياسية تجاه الرئيس الديمقراطي القادم، في الوقت الذي شابت فيه العلاقات الأمريكية الروسية درجة من التأزم بسبب الأزمة القوقازية، لذلك فهي تريد إتمام الاتفاقية ليسجل لها إنجاز مهم قبل مغادرتها سلطة الدولة الأعظم في العالم.

إن عدم الحضور الدولي المهم أثناء سير المفاوضات وإبرام مشروع مسودة الاتفاقية لم يقتصر على فرصة الحد من تأثير الانفراد الأمريكي في التطورات السياسية العالمية بل تسبب في فقدان الاتفاقية للطرف الثالث الضامن والحَكم عند نشوء خلاف أو نزاع على هذه الفقرة أو تلك من الاتفاقية عند سير التنفيذ، وغياب هذا الطرف الثالث أضاع فرصة إسناد للمفاوض العراقي تتمثل بسلطة مجلس الأمن الدولية رغم صراعات أطرافه ولجوئها في أحيان كثيرة قبل الاتفاق على قرار دولي ما إلى صفقة تسويات جانبية. كما أن من شأن مشاركة أطراف مجلس الأمن في المفاوضات والتوقيع على النص المتفق عليه، التقليل من أساليب الضغط المفضوح الذي مارسته الإدارة الأمريكية لابتزاز وإرهاب المفاوض العراقي بتلويحها ” إن العراق سيخسر ستة مليارات وثلاثمائة مليون دولار من المساعدات الأميركية، فضلا عن مبيعات عسكرية بنحو عشرة مليارات في حال لم تُبرم الاتفاقية الأمنية و أن انهيار العراق سيكون أمرا محتما”. علما بأن القراءات السياسية المؤكدة تشير إلى أن إدارة الولايات المتحدة الجمهورية الحالية وكذلك الإدارة الديمقراطية القادمة، لن تسمح لاعتبارات داخلية أولا ودولية ثانيا، بانهيار العراق، لا شفقة ولا حبا به بل اقترانا بمصالحها الاقتصادية في البلد والمنطقة وما يشكل ذلك الانهيار من إساءة لها واهتزاز ثقة حلفائها في المنطقة والعالم بوعودها والتداعيات غير المحسوبة في صراعها المفتوح على مختلف الاحتمالات مع إيران.