الرئيسية » مقالات » المالكي … وحيدا في فاجعة كربلائية جديدة …؛؛

المالكي … وحيدا في فاجعة كربلائية جديدة …؛؛

بدون مقدمات ، يعقد أصدقاء الأمس حلفا مقدسا ضد المالكي في حرب مشبوهة وغير متكافئة ، يعيد الأمويون الجدد فيها مأساة كربلاء بنحر حسينا جديدا ، ليس في كربلاء هذه المرة ، ولكن في بغداد ،و ليس من أجل يزيد واحد ، بل من أجل ألف يزيد.

إن الصدريين الذين لم يرتووا بعد من الدماء التي سفكتها مليشيات مهديهم ، يسوقون أنفسهم حماة سيادة العراق ، بينما يحرص قائدهم المحنط بعناية ورعاية ونعمة إيران ، لتسليم هذه السيادة على أطباق من ذهب لسادة الجهل والخرافات وسراق المال العام العراقي في قم وطهران ومشهد.

إنهم لا يخجلون عندما يتحدثون عن سيادة العراق ، وهم الذين لم يتورعوا عن طمس هويته الوطنية التعددية قوميا ودينيا واثنيا ومذهبيا. إنهم يتحدثون عن السيادة ، وهم من قاد حملة تفتيت وحدته الإسلامية وزرع بذور الفتنة الطائفية ، وهم من نشر وشجع جرائم الاختطاف ، ومطاردة النساء وقتلهن واغتصابهن في مدن العراق المختلفة ، متفوقون بذلك على ما ارتكبته عصابات القاعدة وأمثالها. إنهم يقودون حملة معارضة التوقيع على الاتفاقية الأمنية ، وقد عارضوها قبل أن يطلعوا عليها أو يفهموها ، لا كرها بالأمريكان والاحتلال ، ولكن نكاية بالعراق وشعبه ، والمتاجرة بسلامه وحرية ورفاه أبناءه ، ولحرمانه من العيش بسلام ، والمباشرة بعملية البناء وزيادة فرص العمل. لم ينتقدوا بنودها كما فعل كثيرون، لم يقترحوا تعديلات كما فعل كثيرون ، لم يقترحوا بدائل ، لا لأنهم قاصرين عن ذلك ، وإنما لأن إمامهم الذي يسبحون بحمده لم يتلقى الإذن من أسياده في طهران. لقد ظلوا ينبحون حتى تورمت حناجرهم ، مطالبين بجدولة الانسحاب ، وعندما حدد موعده عادوا للنباح من جديد ، لا لشيء إلا لأنهم لا يريدون للقافلة العراقية أن تسير.

إن أحزابا دينية أخرى على شاكلة الصدريين رثة ومشبوهة ، ومرتزقة، تنتحل مسميات دينية وطائفية في البصرة ومدنا أخرى ، تستجدي بإذلال الدعم المالي من دول الجوار مقابل نشاطات دموية وطائفية لصالح تلك الدول. تلك وغيرها من تشكيلات سرطانية تنضم دون حياء إلى الحملة الرافضة للاتفاقية باعتبارها انتهاكا للسيادة العراقية ، وهم أول من أنتهكها وخان الوطن ، وشرد مواطنيه بين مهجر داخل الوطن وخارجه.

جبهة التوافق التي تتأرجح بين المصالح القومية العربية والإيرانية ، إنما تخدم مباشرة أو غير مباشرة أعداء العراق في المحيط الإقليمي. إنهم يناورون لمصالح انتخابية مثل كثير من الأعضاء في مجلس النواب ، واللعب على العواطف الساذجة التي تقودها وتحركها أطراف أجنبية. فمبرراتهم التعجيزية بالتحفظ على الاتفاقية ( بما لم ) مثير للقرف والغضب ، فهم يمارسون عملية ابتزاز رخيصة جدا ، ويعرفون أنها أشبعت دراسة ، وجرت عليها تعديلات بعد تعديلات ، وأن ما تحقق هو الممكن وليس المستحيل ، وهكذا هي السياسة والعمل السياسي. إن مثل هذا الابتزاز لا يمنحهم أي مصداقية ، ولا يخدم أهدافهم الضبابية التي لا لون لها ولا أفق ، لا الآن ولا في المستقبل. ووقوفهم مع الصدريين أعداء الأمس سفاكي الدماء في الانتظار ، لا يشوه فقط سمعتهم ، وإنما يسقطهم في خندق أعداء الشعب والراقصين على بحيرات دمه.

لقد تطرق السيد البرزاني رئيس إقليم كوردستان في حديثه المتلفز إلى قناة الحرة الأسبوع الماضي، حول موضوع الاتفاقية ، والعراقيل المفتعلة التي يضعها البعض من المتاجرين بالشعارات والعواطف البدائية في طريق التوقيع عليها قائلا :

“لولا الولايات المتحدة والجيش الأميركي لما كان الإخوة الموجودون في بغداد فيها الآن ، ولا كنا نحن هنا في (أربيل). الاتفاق مع دولة أسقطت نظاماً ديكتاتورياً طبيعي جداً ، وأي بديل سيكون هو الأسوأ. ليس الموضوع أن المؤيد للاتفاق هو مع أميركا ، ومن يعارضها هو وطني. الجميع في قرارة أنفسهم يؤيدون الاتفاق ولكن هناك إرهاب فكري. يخشون أن يبدوا آراءهم حتى لا يٌُتَّهموا بالولاء لأميركا. وليس في هذا شعور بالمسؤولية. يجب أن تكون هناك جرأة. عندما تعارض يجب أن توضح لشعب لماذا تعارض وعندما تؤيد لماذا تؤيد. حسب ما سمعنا من وزير الدفاع ووزير الداخلية أن قوات الدفاع والجيش غير قادرة على تولّي الأمن في العراق نهاية 2011. وزير المالية أعطى صورة مخيفة جداً بأن العراق عليه دعاوى بتريليون دولار. طبعاً إذا لم يكن هناك اتفاق لن يكون هناك غطاء سياسي ولا عسكري ولا حماية للأموال العراقية. أنا في تصوري من مصلحة العراق أن يوقع الاتفاق”.وعن الموقف الإيراني من الاتفاق قال: “الإيرانيون ضدّ الاتفاقية. إنهم يتصورون أن الوجود الأميركي هو ضدّهم ويشكل تهديداً لهم. من حق الدول المجاورة وتحديداً إيران أن تطالب العراق بأن لا يكون الاتفاق على حساب إيران أو تهديداً لها. هذا حق لها. لكن أكثر من ذلك لا يحق لإيران ، أو لأي دولة أخرى أن تتدخل. القرار يجب أن يكون قراراً عراقياً “.

إن وقت المناورات التي تقوم بها أطراف عديدة في مجلس النواب ، مثل جبهة التوافق والفضيلة وبعض العلاويين وآخريين قد مضى وانقضى ، وعليهم أن يقفوا مع الرجل الذي وثقوا برغبته الثابتة وإجراءاته ضد الإرهاب من شتى المصادر ، عندما قرروا العودة إلى المشاركة في حكومته، بعد أن قاطعوها شهورا. إنهم يذكرون له دوره في إعادة اللحمة الشيعية / السنية ، والثقة والأمل إلى الشعب ، ولولا جرأته لما استتب الأمن والوئام بين أبناء الطوائف التي كانت على شفى كارثة جاهلية مروعة. الطائفة السنية التي لمست من المالكي عملا وليس قولا ، لن تسامح أبدا جبهة التوافق ، إذا ما خذلت المالكي في معركته الحالية مع المدعين بالوطنية والحرص على السيادة ، والداعين إلى سلخ الوسط والجنوب عن العراق. ويعرفون جيدا أهمية دعوته لتعديل الدستور لما يخدم وحدة الوطن والدولة ، ويحفظ حقوق الأكراد ، ويقيم روابط أخوة دائمة مع الشعب الكردي دون إضعاف لهيبة الدولة العراقية. إن ترك رئيس الوزراء مفتوح الصدر تنهشه سهام الغدر من تجار الدين والسياسة والضمير ، أمر لا يغفره التاريخ لجبهة التوافق وغيرها ، ويتطلب من الحريصين على وحدة العراق واستقراره ، الوقوف معه والسير قدما في تنفيذ برنامج الإصلاح السياسي والقانوني في البلاد.

أما المخاوف التي أبداها الأخوة الأكراد في الأيام الأخيرة تجاه تلميحات المالكي بتعديل الدستور ، فمبالغ فيها كثيرا ولا مبرر لها ، فهي مجرد ملاحظات في سياق العملية الديمقراطية ، ومن حقه ذلك كرئيس للوزراء. ومتى ما نفذ أمرا ما بذلك الاتجاه وهو أمر مستبعد جدا ، عندها يحق للكرد ولغيرهم الاعتراض ، والمطالبة بالسير وفق الأصول الديمقراطية ودستور البلاد. إن الرجل لم يفعل أكثر من إبداء ملاحظات يراها ضرورية لتعزيز سلطة الدولة ونظامها الديمقراطي ، فلم التطير والخشية والغضب ، وكل قضية كما بين السيد البرزاني ، يمكن التحاور حولها بهدوء وروية وتوافق الجميع.

التآخي العربي الكردي جبل شامخ يظل عصيا على الأعداء ، وما طفا على السطح هذه الأيام من سوء تفاهم وتوترات نتيجة تلك الملاحظات ، إنما هي مجرد سحابة صيف ، وستعود العلاقة الأخوية إلى أقوى مما كانت عليه من قبل. ولن ينجح أعداء التآخي العربي الكردي من النيل من مكتسبات الشعبين التي عمدها النضال المشترك بدماء الشهداء العرب والكرد والتركمان من المسلمين والمسيحيين والأيزيديين والصابئة والشبك والكاكائيين.

الطريق الصائب للقوى السياسية هو مصارحة الشعب ، والتفاعل مع قضاياه الأساسية ، عملا لا شعارات ، والتعاون مع أي جهد مخلص لبناء دولتنا المستقرة. إنها فرصتهم ليثبتوا حسن نياتهم ووطنيتهم ومصداقيتهم ، وخاصة في هذه الظروف التي تهدد بانفجار الأوضاع الأمنية ، التي قد تدفع إلى حمام دم جديد ، وعند ذاك لن ينفع الأسف والندم وقراءة الفاتحة على الضحايا الأبرياء.

علي ألأسدي

البصرة