الرئيسية » مقالات » اتفاقية سوفا : قضّية وطن !

اتفاقية سوفا : قضّية وطن !


 


(1) سوفا وانقسام العراقيين مرة اخرى


اولا : لماذا تأخرّت سوفا ؟


اتفاقية ” سوفا ” ، هكذا اسموا ( الاتفاقية العراقية الامريكية ) الجديدة التي بقينا ننتظر ” نصوصها ” لأكثر من تسعة أشهر ، عسى تقوم الحكومة العراقية الحالية باستمزاج رأي العراقيين ، كل العراقيين ، اذ ان من حقهم الطبيعي ان يطلّعوا على ما يمّس ليس أمنهم الذي تحتكره القوات الامريكية .. بل انه يخّص الجميع ، ولكن هذا لم يحدث ابدا ! لقد فوجئنا قبل يومين بنشر جريدة الصباح العراقية نصوص اتفاقية سوفا ، بعد ان وافقت الحكومة العراقية عليها ، طالبة من البرلمان العراقي المصادقة عليها ، واتمنى على كل برلماني عراقي ان يقرأ نصوص اتفاقية سوفا ، وان لم يفهم اي ” نص ” من نصوصها ، فينبغي عليه ان يسأل عما ورد فيها ، فهي تقع ضمن القانون الدولي .. ولا ادري لماذا كان هناك كل هذا ” التسويف ” و ” المماطلة ” في تأخير هذه ” الموافقة ” التي جاءت على استحياء ، فكل الذين يشاركون في حكم العراق اليوم يشتهون ويستحون .. يريدون ويمانعون .. يترددون ويخافون .. اذا كنتم تريدون مثل هكذا اتفاقية تراعي المصالح العراقية ـ كما تقولون ـ  ، فهل راعيتم استحقاقات العراق ومستقبله بعد هذه التجربة التاريخية المدمرة ؟ وهل تريدون القول بأنكم مع معاناة وطن سواء بقي الامريكان في العراق ام خرجوا منه ؟ قد تكون هذه ” الاتفاقية ” قد اكدت مرارا وتكرارا على السيادة العراقية ، فهل نكتفي بها ، والعراق بلا قوة ، ولا اي تطور لا في خدماته ولا في اعادة اعماره على نحو اكثر من خمس سنوات .. واذا كنتم بمخططي مستقبل العراق ، فهل انتم مع مصالح وطن ؟ اذا كنتم تريدون مستقبل العراق ، فهل ناضلتم من اجل مصالح وطن ، ومستقبل وطن ، واعمار وطن .. ام وافقتم على ” سوفا ” امنية لعملية سياسية خطيرة مليئة بالاخطاء والاخطار ، وجنايات تسكتون في الاعلان عن مرتكبيها .. وكم طالبناكم بتعرية الحقائق التي تعرفونها ، ولكنكم دوما تلوذون بالصمت المميت ، وكأنكم تقولون اننا نشارك في العرس المجنون .. وفي قتل العراقيين .. وفي سحق العراق . نعم ، كانت هناك في العام 2008 تطورات مهمة ، ولكن ثمة مخفيات لا يعلم بها الناس .


 


ثانيا :  ردود الفعل ازاء سوفا


لم اكتب شيئا حتى هذه اللحظة مع او ضد هذه ” الاتفاقية ” التي يدلي الجميع بدلوهم فيها ما بين مؤيد لها او معارض ضدها ، بين مبتهج بها او شّتام لها .. ولكنني لم اكن قد اطلّعت عليها حتى قبل يومين ، وقلت في مناسبات عدة انها ان لم تعمل على تأمين مصالح العراق الوطنية ، وبناء قوته ، واعادة اعماره ، فانها تّصب اساسا في المصالح الامريكية ، او على اقل تقدير ، انسحاب القوات الامريكية من العراق وتركه يعاني من تداعيات ما افرزته سياسات الولايات المتحدة الامريكية واخطائها التي كانت قد اعترفت بها مرارا وتكرارا ، جهارا ونهارا ، والعراق بلا قوة ، ولا اي نفوذ محلي او اقليمي . انني كنت انتظر نشر نصوصها التي قرأتها قبل يومين فقط منشورة في صحيفة الصباح البغدادية .. وكنت أتأمّل من المسؤولين العراقيين ان لا يحتكروا ” النص ” بينهم وبين الامريكيين ، بل يعرضونه للدراسة ويخضعونه للاستشارة ، فما خاب من سأل او استشار .. لقد امتنعتم عن الادلاء بنصوص اتفاقية سوفا حتى عن بقية القوى السياسية التي تشارك في العملية السياسية كما جاء في بيانات بعضهم مؤخرا ! كنتم وما زلتم تعلمون بأن أي عراقي منحه الله عقلا راجحا ، وفكرا منفتحا ، ووطنية حقيقية لا يريد الا الخير والصلاح للعراق الذي عانى منذ خمسين سنة ولم يزل يعاني من كبائر التاريخ وجنايات الجميع بحقه .. وانكم لتدركون ان من يقرأ نصوص سوفا ، سوف يضطرب لأمر واحد فقط ، انها لم تنص ولو لمرة واحدة على ما سيكسبه العراق منها سواء قبل رحيل القوات الامريكية ام ما بعد الرحيل .. ربما تقولون بأنها مكسب للسيادة العراقية ، وانها خلّصت العراق من المجهول ـ كما جاء على لسان السيد رئيس الوزراء في كلمته ـ ، وانها ستحمي العملية السياسية ونظام الحكم القائم ، ولكنها لن تحمي العراق ابدا ، ولن تفتح طريقا سياسيا جديدا للعراقيين ابدا ، ولا تتبّنى اي مشروع لاعمار العراق ابدا .. ان الاصداء التي وصلتني حتى الان منذ يومين تقول بأنكم تجاهلتم بعض القوى السياسية المشتركة في عمليتكم السياسية ، اذا قلنا بأنكم لم تعيروا اي اهمية للرأي العام العراقي وفئاته الاساسية ونخبه المثقفة .. وانتم بصدد الموافقة على اتفاقية يتحدد فيها مصير العراق والعراقيين .


 


ثالثا : ليس للعراقيين الا ثوابتهم الخمسة


لم أجد اي نص واضح في سوفا التي سيبدأ العمل بها يوم 1 يناير / كانون الثاني 2009 ، يحدد سيادة العراق ، او استقلال العراق ، او قوة العراق ، او اعمار العراق ، او مستقبل العراق .. هذه الثوابت الخمسة التي نادينا بها تحت واجهة ( اعادة بناء العراق ) منذ العام 2003 ، عندما سقط النظام السابق وسقط معه كل العراق تحت الاحتلال .. لم أجد في كل نصوص سوفا الا ما يترجم عن مصالح امريكية استراتيجية في قلب الشرق الاوسط .. انا لا ادين الطرف الاخر فقط ، فهو الاذكى والاقوى في فرض هيمنته وتمشية مصالحه ، ولكنني اقف لأسألكم في مثل هذا “: الموقف ” الذي يعّبر عن اتفاقية تحمي المصالح الامريكية وتخرجها من ورطتها بلا اية اثمان وتجعل العراق يعاني من الام مخاض التاريخ الصعب الذي اعترفوا انهم قد ارتكبوا اخطاء لا تغتفر فيه . ان من يقرأ هذه ” الاتفاقية ” على مهل وبتأمل وتجرد سيجد انه امام ” نص ” يخدم العملية السياسية ولا يخدم القضية الوطنية .. يخدم الدولة الجديدة والنظام الجديد ولا يخدم المجتمع العراقي ولا حقوقه المستقبلية والحضارية .. اذا كان مصطلح ” السيادة ” قد تكرر ذكره عدة مرات ، فانني لم اقف ابدا على مبدأ ” استحقاقات ” و” اعادة بناء ” ! وعليه ، فان العراق لا يمكن ان يختزل بنظام سياسي ، او عملية سياسية ، او دستور غير ناجز .. ان ذلك رهين استخفاف بكل تاريخ العراقي الوطني .. ولا يمكن ان يمرر بسهولة ويسر ، وتاريخنا الوطني في العراق يشهد كم سقط على مذبحه الالاف المؤلفة من العراقيين مهما كانت اتجاهاتهم السياسية في سبيل وطن ، وقضايا وطن ، وسيادة وطن ، وتحرير وطن ..


 


رابعا : خازوق البند السابع : تشكيل ارادة عاجلة 


لقد جادلني البارحة احد الاصدقاء من ساسة العراق الجدد ، وكان قبل يوم واحد فقط بين قبولها او رفضها ، ولكن ما اعلنت رأيي في سوفا حتى انقلب 180 درجة وبدا لا يتحكم بعواطفه وهو  يدافع دفاعا مستميتا عن هذه ” الاتفاقية ” التي قلت له فيها ان مصالح امريكا فيها اقوى من مصالحنا العراقية ، فانتفض وهاج وماج وقال : اعطني البديل .. ماذا يمكن ان نفعله ازاء البند السابع .. ؟؟ من دون ان يدري ان المصالح الوطنية لا  يمكن ان يختزلها شخص واحد ، او نظام سياسي واحد ، او سلطة معينة بذاتها ؟ وان العراق الذي يواجه خازوق البند السابع ، لا يمكنه ان يجد نفسه وجها لوجه ازاء اتفاقية سوفا فجأة ، ويريدون من الشعب ، تشكيل ارادته الوطنية ازاءها خلال ايام ، او اسطوانة ” ما البديل ؟ ” . انني واثق تمام الثقة بأن هناك اناس يدافعون او يعارضون من دون ان يقرأوا حرفا واحدا .. وان قرأوا فهم لا يفهمون شيئا . وما صديقي الذي ليس له الا الدفاع بالحق والباطل عن المأساة من دون قراءة الاتفاقية ابدا ، وان قرأها ، فهو لا يدرك ابعادها ابدا . ان ما يحركه ويحّرك الالاف المؤلفة من امثاله الخوف من ان اي تحّول او تغيّر يطرأ على اوضاع العراق السياسية الحالية .


      


خامسا : ارادة تتشكّل في خضم المأساة


 انني ادرك لماذا يسكت العشرات ، بل المئات من المثقفين والساسة العراقيين على تمرير سوفا ، كما سكتوا على مدى خمس سنوات مضت على كل حدث في العراق ، وهم يأملون ان منجزا يتلو آخر بعيدا عن نتائج وتداعيات ما يحدث بحق العراق والعراقيين .. العراقيون اليوم ينقسمون انقساما حادا ، فهناك من يؤمن بأن ” الاتفاقية ” ستحفظ وجود العراق ومستقبله ، وهناك من يؤمن ايمانا راسخا بأن مجرد وجود جندي واحد على ترابنا الوطني هو انتهاك للسيادة الوطنية .. وان الاثنين يسيران في طريقين مختلفين بعيدا عن اي ارادة شعبية موحدة لم يعد يهمها ما يحدث .. ان الشارع السياسي لا قيمة له ان تحرك فيه الالاف المؤلفة مدفوعين من قوى سياسية معينة .. وما دام هناك عدم اكتراث فلا يمكن ان تجد اية ارادة تتشكّل في خضم المأساة .  وعليه ، هناك بعض العراقيين يريدون بقاء امريكا في العراق.. سكتوا لأنهم يريدون ابقاء الامر الواقع على ما هو عليه .. سكتوا اليوم ويسكتون ، لأنهم رضوا في الاصل بدستور هم  يدركون جيدا انه لا يصلح للعراق والعراقيين ابدا .. سكتوا لأنهم لا يعرفون شيئا عن القانون الدستوري وعن القانون الدولي وعن معرفة مشكلات العراق السياسية والاجتماعية القديمة واللاحقة .. سكتوا لأن بعضهم يحلم بتقسيم العراق الى كيانات هزيلة .. هل تنحصر مصالح العراق الاساسية بسيادة مفبركة ؟ هل تنحصر بأن يؤخذ رأي المسؤولين العراقيين على تحركات القوات الامريكية هنا او هناك من ارض العراق ؟


صاح احد العراقيين وهو يتحدث باسم وطن ، قائلا : اين الاستفتاء الشعبي ؟ اين الاجماع الوطني ؟ من يمنع عن العراق خطر الاجنده الامريكية القادمة ؟ من يضمن للعراقيين تجاوزات الولاية القضائية للامريكان داخل العراق ودخولهم وخروجهم بحرية ؟ هل طالب الفريق العراقي الامريكان بنتظيف العراق ارضا ومياها من التلوث المسرطن بسبب استخدام اليورانيوم المستنفذ في الحربيين الامريكيتين سنة 1991 و 2003 والتي تهدد مصير ملايين العراقيين الابرياء لا سيما في جنوبنا العراقي ” . هذا صوت من ملايين الاصوات التي تدين من يريد السيادة الحكومية على حساب دم العراقيين ومآسيهم وحياتهم التي غدت جحيما في داخل العراق ام من وراء الحدود .


 


(2) مناقشة بعض بنود الاتفاقية سافا


انني اتساءل : اذا كانت القوات الامريكية ستغادر التراب العراقي بعد عام او عامين او ثلاثة اعوام ، فلماذا كل هذا التشبث القانوني بالارض والمحطات والاجواء العراقية باسم (المنشآت ) ؟ لماذا كل هذا الاصرار على مواد قانونية تعطي الحق للامريكيين عسكريين ومدنيين في ان يدخلوا ويخرجوا .. يستوردوا ويصدروا .. يقرروا وينفذّوا بمعزل عن العراق والعراقيين ؟ ما هذا الثقل الكبير لنصوص تبيح للقوات الامريكية استخدام العراق بلا رقيب او حسيب ؟


اولا : لماذا الاستثناء ؟


1/ المادة الثالثة : القوانين


اكثر من خمس سنوات مرت على كل ما حدث ونأتي اليوم لنقول : “ يلتزم أفراد قوات الولايات المتحدة وأفراد العنصر المدني بواجب احترام القوانين والأعراف والتقاليد والعادات العراقية، عند القيام بعمليات عسكرية بموجب هذا الاتفاق ” ! وهل تفسروا لي ما القصد من النص : ”
باستثناء أفراد قوات الولايات المتحدة و أفراد العنصر المدني لا يجوز لقوات الولايات الأميركية نقل أي شخص دخولاً الى العراق أو خروجاً منه
…. إلا طبقا للقوانين والتعليمات العراقية النافذة بما فيها أي ترتيبات تنفيذية قد توافق عليها الحكومة العراقية ” ؟؟


لماذا الاستثناء اولا ؟ ولماذا لا يجوز ثانيا ؟  لماذا قد توافق عليها الحكومة العراقية ؟


 


ثانيا : بقاء القوة الامريكية


2/ المادة الرابعة : المهمات


يقول النص : ” تطلب حكومة العراق المساعدة المؤقتة من قوات الولايات المتحدة لمساندتها في جهودها من أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار في العراق، بما في ذلك التعاون في القيام بعمليات ضد تنظيم القاعدة والمجموعات الإرهابية الأخرى والجماعات الخارجة عن القانون وبقايا النظام السابق.ويتابع النص حول التنسيق بين الطرفين . وهذا ما جرى ويجري حتى اليوم وسيبقى .. بمعنى ان الحكومة العراقية لا تستطيع البقاء من دون مساعدة امريكية ضد من اسمتهم : ” القاعدة والارهابيون والخارجون عن القانون وانصار النظام السابق .. ” اي بمعنى : استمرار بقاء العراق ساحة حرب مع الوجود الامريكي ! وكان على الجانب العراقي ان يوّضح للعالم في نص الاتفاقية من هم الارهابيون في العراق ؟ ومن هم الخارجون عن القانون ؟ واذا كان هناك انصار للنظام السابق ، وليس له جرم مشهود فهل يعد من القتلة والارهابيين ؟ انكم بهذا التعميم تخسرون ! ثم الم يكن هناك من خرج على القانون من اشترك معكم في العملية السياسية وكانت له مليشياته وفرق موته وجماعاته وحتى اولاده من القتلة والمجرمين ؟ ثم هل يعد كل من يخالفكم سياسيا هو في عداد الارهابيين والخارجين على القانون ؟ لقد فتحت الولايات المتحدة قنوات اتصال مع عدة اطراف مناوئة لكم قبل الاتفاقية ، فهل ستبقى مكتوفة الايدي ازاء اطراف اخرى مناوئة لكم في ان تعقد صفقات معها ، اذ لا يوجد نص يمنع امريكا من ذلك في اتفاقية سوفا .


 


ثالثا : لجنة عسكرية عليا ولجنة وزارية مشتركة


ويتابع النص : ” وتشرف على تنسيق كل تلك العمليات العسكرية اللجنة المشتركة لتنسيق العمليات العسكرية(JMOCC) التي يتم تشكيلها بموجب هذا الاتفاق. وتُحال إلى اللجنة الوزارية المشتركة القضايا المتعلقة بالعمليات العسكرية المقترحة التي يتعذر على اللجنة المشتركة لتنسيق العمليات العسكرية البت بها. بمعنى انبثاق لجنة تنسيق للعمليات العسكرية (JMOCC) تشرف على كل تلك العمليات العسكرية ، وثمة لجنة وزارية مشتركة اعلى من اللجنة العسكرية  تبت بالعمليات العسكرية .


وتعطي سوفا دورا كبيرا لكل من اللجنتين المذكورتين لتسيير شؤون التحالف بين العراق والولايات المتحدة الامريكية .. ولكن الى اي أمد زمني ؟ لم يذكر ذلك ! ان هذه اللجنة هي التي ستحكم العراق باسم المشتركة !


 


رابعا : قوانين العراق واعرافه


ويتابع النص : ” تنفذ جميع تلك العمليات مع وجوب الاحترام الكامل للدستور العراقي والقوانين العراقية، ويكون تنفيذ هذه العمليات دون تجاوز لسيادة العراق ومصالحه الوطنية، حسبما تحددها الحكومة العراقية. إنّ من واجب قوات الولايات المتحدة احترام قوانين العراق وأعرافه وتقاليده والقانون الدولي النافذ. طيب ، لماذا لم يحصل ذلك في ما سبق ؟ الا يمكن ان تسأل الولايات المتحدة عن تجاوزاتها بحق التقاليد والاعراف والقوانين العراقية في كل ما فعلته بالعراق على مدى خمس سنوات ونصف ؟ وسواء التزمت ام لم تلتزم ، فما حكم العراق على الولايات المتحدة وقواتها منتشرة في ارضه .. وسواء منحها العراق حق استخدام الاجواء ام لم يمنحها ، فالقوة الجوية الامريكية قد احتكرت سماء العراق لها وحدها .


 


خامسا : الجيش العراقي وتسليحه


نتابع النص : يواصل الطرفان جهودهما للتعاون من أجل تعزيز قدرات العراق الأمنية، وفقاً لما قد يتفقان عليه، بما في ذلك التدريب والتجهيز والإسناد والإمداد وبناء وتحديث المنظومات اللوجستية بما في ذلك النقل والإيواء والتموين للقوات الأمنية العراقية.


هناك نقطتان اساسيتان اولاهما  بخصوص تنفيذ عمليات عسكرية تستوجب احترام الدستور والقوانين العراقية وان تنفيذها لا يمكن ان يتجاوز سيادة العراق ومصالحه الوطنية التي تحددها الحكومة العراقية ! أسأل : هل المصالح الوطنية تحددها الحكومة العراقية فقط ، ام الاعتراف نصا بكل فئات الشعب العراقي وقواه الوطنية السياسية والثقافية ؟؟ ثانيهما :  هل تقتصر قدرات العراق الامنية على ما ذكر فقط  من تدريب وتجهيز واسناد وامداد  وتحديث المنظومات اللوجستية ونقل وايواء وتموين .. ولكن غابت مسألة تسليح الجيش العراقي والشرطة العراقية بأحدث الاسلحة وآخر ما وصلته اليه التكنولوجيا المعاصرة . ان التسليح من اهم بنود اي اتفاق بين طرفين متحالفين كالذي نشهده في بنود اتفاقات وتحالفات استراتيجية دولية . اين هو التسليح الثقيل للجيش العراقي وقواته البرية والبحرية والجوية في نص الاتفاقية ؟ مقارنة باتفاقية ميثاق بغداد عام 1955 ، فان الولايات المتحدة نفذّت بندا يخص تسليح الجيش العراقي باحدث الاسلحة مجانا باصرار من نوري السعيد وقت ذاك .


 


سادسا : هل من قواعد عسكرية ؟


اذا لم يقر نص الاتفاقية مسألة اتخاذ قواعد عسكرية في العراق ، فما الذي يقصده النص التالي : ” عند انسحابها، تعيد قوات الولايات المتحدة إلى الحكومة العراقية كامل المنشآت والمساحات المخصصة لاستخدام قوات الولايات المتحدة المقاتلة وفق قائمتين. يتم تسليم القائمة الأولى من المنشآت المتفق عليها فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ. وتسلم القائمة الثانية في فترة أقصاها 30 حزيران 2009 موعد انسحاب القوات المقاتلة من المدن والقصبات والقرى. وللحكومة العراقية الموافقة على السماح لقوات الولايات المتحدة استخدام بعض المنشآت الضرورية لأغراض هذا الاتفاق عند الانسحاب.  ماذا يقصد بالمنشآت الضرورية لاغراض هذا الاتفاق عند الانسحاب ؟  قد تكون قواعد او قد تكون محطات انذار او كل ما يتصل بمنشآت ضرورية !


 


سابعا : لماذا ملكية الولايات المتحدة لما تمّ الحصول عليه داخل الاراضي العراقية ؟


جاء في نص المادة الخامسة ايضا  : ” تحتفظ قوات الولايات المتحدة والمتعاقدون مع الولايات المتحدة بملكية كل المعدات والمواد والإمدادات والإنشاءات المنقولة والممتلكات الأخرى المنقولة المستوردة إلى العراق أو التي تم الحصول عليها داخل أراضي العراق بصورة مشروعة وذات صلة بهذا الاتفاق ” . اننا نفهم ونتفهم احتفاظ القوات الامريكية ومن تعاقد معها بملكية موادها المنقولة والمستوردة الى العراق ( ولا ندري حتى تلك التي استوردها العراق بامواله ) ، ولكنني اتساءل : عن تلك التي تم الحصول عليها داخل اراضي العراق ؟ ولماذا اصبحت بصورة مشروعة وذات صلة بهذا الاتفاق ؟  انني اتساءل : اين اصبحت اليوم تلك الاموال التي عثر عليها في قصور النظام السابق ؟ والمجوهرات واكداس الذهب التي راجت في وسائل الاعلام  العالمية والتي عرضها الامريكيون انفسهم ؟ واين مصير ملايين الوثائق العراقية المهمة ؟ اذا كانت القوات الامريكية قد عثرت عليها داخل العراق ، فبأي حق مشروع تمتلكها ؟ انها محترزات عراقية ينبغي ان تبقى بايدي العراقيين .



ثامنا : ماذا يمكن للعراق تصديره للولايات المتحدة من بضائع ؟


جاء في  الفقرة 15 ، النص التالي : ” ولا يخضع تصدير البضائع العراقية من قبل قوات الولايات المتحدة والمتعاقدين معها لأي تفتيش أو أية قيود عدا متطلبات الإجازة. وتعمل اللجنة المشتركة مع وزارة التجارة العراقية وفقاً للقانون العراقي لتسهيل توفير متطلبات الحصول على الإجازة لغرض قيام قوات الولايات المتحدة بتصدير البضائع التي اشترتها في العراق لأغراض هذا الاتفاق. وللعراق الحق بطلب مراجعة أي من المسائل الناجمة عن تطبيق هذه الفقرة. و يتشاور الطرفان فوراً في هذه الحالات من خلال اللجنة المشتركة أو، إذا دعت الحاجة، من خلال اللجنة الوزارية المشتركة.


ما علاقة قوات الولايات المتحدة بتصدير البضائع العراقية ؟ واي نوع من البضائع العراقية يمكن تصديرها  ؟ هل هو الدبس العراقي ام الراشي ام النفط العراقي ؟ من هم المتعاقدون مع تلك القوات ؟ ولماذا لا تخضع للتفتيش ؟ ولا الى اية قيود ؟ مجرد اسئلة مثيرة لنص اجده غريبا كامل الغرابة في اتفاقية امنية !


 


تاسعا : الطرفان المتعاقدان : من دّمر الاخر ؟


جاء في الفقرة  21 ( المطالبات ) النص التالي : ” باستثناء المطالبات الناشئة عن العقود، يتنازل الطرفان عن حق مطالبة الطرف الآخر بالتعويض عن أي ضرر أو خسارة أو تدمير يلحق بممتلكات القوات المسلحة أو العنصر المدني لأي من الطرفين أو المطالبة بتعويض عن إصابات أو وفيات قد تحدث لأفراد القوات المسلحة والعنصر المدني والناجمة عن تأديتهم واجباتهم الرسمية في العراق. على سلطات قوات الولايات المتحدة أن تدفع تعويضاً عادلاً ومعقولاً لتسوية مطالبات استحقاقية لأي طرف ثالث، التي تنشأ عن أفعال قام بها أفراد قوات الولايات المتحدة وأفراد العنصر المدني أو نتيجة تقصيرهم أو إهمالهم، أثناء تأديتهم لواجباتهم الرسمية، أو تكون متصلة بالأنشطة غير القتالية لقوات الولايات المتحدة. ويجوز لسلطات قوات الولايات المتحدة تسوية المطالبات الاستحقاقية غير الناشئة عن تأدية الواجبات الرسمية على وجه السرعة وفقاً لقوانين ولوائح الولايات المتحدة. وعند تسوية المطالبات تضع سلطات قوات الولايات المتحدة بعين الاعتبار أي تقرير عن تحقيق أو رأي تصدره السلطات العراقية بشأن المسؤولية أو حجم الأضرار.


اننا نسأل : من تضرر اكثر من جراء الحرب في مؤسساته وممتلكاته وعدد ضحاياه .. واسلحته وعتاده وانسحاق بنيته التحتية وتشرذم بنيته الفوقية  .. الخ من الطرفين ؟ هل العراق ام الولايات المتحدة الامريكية ؟ من سحق العراق عند تحرير الكويت عام 1991 ؟ من ضرب بغداد بالصواريخ عام 1998 ؟ من احتل العراق اثر سقوط النظام السابق عام 2003 ؟ من فتح ابواب العراق على مصراعيها امام كل الدخلاء ؟ من وعد بتأدية استحقاقات العراق بعد ان تضع الحرب اوزارها ؟ من قال بمشروع اعادة بناء العراق ؟ اسوة بكل البلاد التي تسحقها الجيوش المنتصرة ؟ وعليه ، لماذا يتنازل الطرفان عن حق مطالبة الطرف الاخر بالتعويض عن الاضرار الجسيمة ؟ وهل الحق العراقيون اية اضرار جسيمة  بالولايات المتحدة الامريكية  ام حدث العكس ؟  هنا  اسأل كل العراقيين : اليس من حقنا المشروع ان ننادي بحقوقنا المشروعة ؟ هل من العقل ان نتنازل عما لحق بالعراق من خسائر واضرار لم تحدث لأي شعب من الشعوب على وجه الارض ؟


عاشرا : طبيعة العلاقات الاقتصادية والثقافية


لم تنصّ الاتفاقية سوفا على اي مشروع تنموي وبنيوي يأخذ بيد العراق الى حالة افضل .. ولم تقدّم الولايات المتحدة اي اعتراف بتدمير البنية التحتية والبنية الفوقية العراقية ، ولم تقدم اي شيئ للعراق . لقد وردت عبارات شكلية مجردة من التأكيد على اداء الفعل في هذه الاتفاقية  ، ومنها :  دعم وتعزيز جهود العراق من أجل بناء .. ” ! ” دعم جهود العراق من أجل تدريب .. ” ، او ” إقامة حوار حول القضايا الخاصة بالسياسات الصحية ..  او ” تشجيع الاستثمار العراقي .. ” ..الخ  ان عبارات كهذه لا يمكن اعتمادها في القانون الدولي ، كونها تفّسر من قبل كل حكومة بمعنى معّين .. وكان لابد من مشروعات قاطعة ترّد للعراق حقوقه المسحوقة ، وتعيد للعراقيين استحقاقاتهم التي ذهبت كما يبدو ادراج الرياح !


 


وأخيرا : ما عمر اتفاقية سوفا ؟


تقول نهايات النص : ” تدخل هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني 2009، بعد تبادل المذكرات الدبلوماسية المؤيدة لاكتمال الإجراءات اللازمة من الطرفين لتنفيذ هذه الاتفاقية بموجب الإجراءات الدستورية ذات الصلة النافذة في كلا البلدين. تظل هذه الاتفاقية سارية المفعول ما لم يقدّم أي من الطرفين إخطارا خطيا للطرف الآخر بنيته على إنهاء العمل بهذه الاتفاقية. ويسري مفعول الإنهاء بعد عام واحد من تاريخ مثل هذا الإخطار.
يجوز تعديل هذه الاتفاقية بموافقة الطرفين خطيا ووفق الإجراءات الدستورية النافذة في البلدين .


لا احد يعرف او يحدد عمر هذه الاتفاقية العراقية ـ الامريكية التي ستبدأ مع اليوم الاول من العام 2009 ، وانها لم تربط نفسها بخروج القوات الامريكية او بقائها .. وانها غير واضحة المعالم في ما يخص الوجود الامريكي ، وخصوصا من الناحية الاستراتيجية . ان بعض نصوص الاتفاقية تمنحنا الانطباع ان الولايات المتحدة تريد حفظ ماء الوجه ، ولكن نصوصا اخرى تمنحنا التفكير ، وبشكل واضح ، ان الاتفاقية هي جزء من استراتيجية امريكية بعيدة المدى . ان العراقيين بانقسامهم ازاء سوفا قد اضروا بمصلحتهم الوطنية العليا .. كان عليهم ان يكونوا صوتا واحدا ينبعث في الدفاع عن قضية وطنية من دون التشرذم والتردد باعتبارها قضية سياسية .. دعونا ننتظر ما سينجلي من احداث وتداعيات في قابل الايام .


 


نشرت في ايلاف ، 21 نوفمبر 2008


واعيد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل


www.sayyaraljamil.com