الرئيسية » مقالات » المسرح العراقي يستعيدُ عافيتهُ

المسرح العراقي يستعيدُ عافيتهُ

عادت البسمة ُ من جديد ترتسم فوقَ وجوه العراقيين ، وبدأ الأمل ُ يشرقُ في النفوس ويزيح ظلام اليأس وتكسرت حواجز الخوف وأُعلِنَ ولادة الحياة من جديد عند عتبة المسرح الوطني ، وأقبل المشاهد العراقي ” المتعطش ” للمسرح يشرب نخب فرحهِ وهو يقف طابوراً طويلاً ليقتطع تذكرة الدخول إلى المسرح ليعلن بذلك تحديَّهُ للإرهاب الذي حاول اغتيال الفرح في النفوس ووأد السعادة في القلوب ، لم يكن هذا التحدي قد آتى من فراغ بل هو نتيجة لأيمان عميق بدور المسرح في الحياة ، ولأن المواطن العراقي يعشق الحياة ويبحث عن البهجة والفرح ويرفض الاستسلام للغة الحروب والدمار وثقافة الموت .
لم يكن الانفجار الذي وقع قرب المسرح الوطني والذي جاء متزامناً مع الدعوة لحضور العرض المسرحي ليثني المشاهد العراقي عن عزمه والنيل من إرادته بل كان دافعاً أقوى ليتحدى بهِ أدوات الموت ، ومع افتتاح ستارة العرض أرتفعت هلاهل الفرح وأهازيج الحب ونُثِرت أكاليل الورد بالمحبة لعرس المسرح العراقي .
لقد آمن العراقيون اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن للمسرح دوراً كبيراً في عملية السلام وإشاعة الحب وهو جزء مهم من الحياة بل ركن من أركان الفرح وعمود من أعمدة السعادة ، وان تعطيل هذا الجزء الحيوي _ المسرح _ سيؤدي حتماً إلى تعطيل الحياة برمتها ، فلا يمكن لأمة أن ترتقي ما لم يكن لها مسرحاً تستندُ عليه ، فالأمم العظيمة هي التي تستطيع أن تخلق ابداعاً مسرحياً خلاقاً وجمهوراً مثقفاً يتحسس الإبداع ويصفق للكلمة النبيلة ، وان الشعوب الهمجية هي الشعوب التي تفتقر إلى مسرح .
أدرك المثقفون قبل غيرهم ان انحسار المسرح في العراق سيؤدي بالنتيجة إلى إشاعة الفوضى وعدم الأمان لوجود كبت نفسي ينعكس سلباً على واقع حياتهم . وأثبتت الوقائع إن هناك علاقة ٌ طردية بين المسرح من جهة والأمان والسلام من جهة ٍ أخرى .
كان للمسرح الوطني بماله من قيمة ٍوطنية شرف احتضان أول عرض مسرحي في بغداد بعد غيابٍ طويل وكانت المسرحية الكوميدية ” جيب الملك جيبة ” هي باكورة أعمال الفرقة القومية وهي من تأليف ” علي حسين ” وإخراج ” حيدر منعثر ” ، وفي هذه المسرحية نجد ان النص قد تجاوز الخطوط الحمراء ومقص الرقابة وهي حالة صحية طالما تمنيناها لمسرحنا الوطني بأن يكون المسرح مرآة حقيقية للواقع ويمارس سلطته الخامسة . وتتحدث المسرحية عن اختطاف الملك ليرى بأم عينيه الصورة الحقيقية الغير مزيفة لواقع الشعب وما يعانيه من بؤسٍ وشقاء وفقر وعوز .
وقد تزامن عرض هذه المسرحية مع عرض مسرحي في مدينة الحلة الفيحاء بعنوان ( احتباس حراري ) قبل أن تنتقل إلى كربلاء حيث عرضت على خشبة مسرح البيت الثقافي وهي من تأليف ” علي زين العابدين ” وإخراج ” فتحي زين العابدين ” كان الجمهور متفاعلاً مع هذا العرض المسرحي ليعبر عن رغبته في أن تنعم البلاد بمسرح ٍ خلاق يعيد البهجة والسعادة في النفوس .
وتركز المسرحية على جملة من هموم المواطن العراقي وتشخيص سلبيات الواقع. وتدور أحداث المسرحية في احد البيوتات البغدادية وتناولت جوانب عديدة من هموم ومشاكل المواطن العراقي ففي المشهد الأول ركزت المسرحية على دور الفنان في الحياة لما له من أهمية كبيرة في الحياة وضرورة عودة المبدعين الذين غادروا بلدهم بحثاً عن الأمان. وتنتقل المسرحية بمشاهدها إلى هموم المواطن اثر الأعمال الإرهابية وهنا لا بد أن نشيد بدور الفنان ” مهدي جبار” الذي لعب دور ” عبود ” وهو بائع كتب تعرض لارتجاج الدماغ في تفجير شارع المتنبي فقد أتقن لعب دوره . وتركز المسرحية على تفعيل دور النزاهة في المجتمع بأن تكون سلوكاً طبيعياً في الحياة .
وحاول المؤلف في المشهد الأخير أن يستعيد الفرح العراقي من خلال وضع الحلول لكل المشاكل التي تعرض لها النص بإطار عرس مسرحي ضم كل أبطال العرض المسرحي ليعلن للجمهور ان هناك بارقة أمل في الغد الآتي وإن العراق يستعيد عافيته ُ.