الرئيسية » مقالات » مناقشة فكرية مع الأخوة الكرام في جميعة السراجين الحلقة الثانية

مناقشة فكرية مع الأخوة الكرام في جميعة السراجين الحلقة الثانية

” من اجل بناء قاعدة متينة للصناعة الوطنية”
عقد المكتب المهني للحزب الشيوعي العراقي ندوة نقاشية حول موضوع مهم مهمل في العراق تحت عنوان ” من اجل بناء قاعدة متينة للصناعة الوطنية” ودعا لها الكثير من المهتمين بالشأن الصناعي والاقتصادي بشكل عام , كما دعا إليها نقابة السراجين التي بادرت إلى نشر ومناقشة تلك الورقة. تضمنت الورقة المهمة توصيفاً مكثفاً لواقع الصناعة العراقية الراهن ومحدداً العوامل التي تتسبب في هذا الواقع , ثم مشيراً إلى الإجراءات المطلوبة باتجاهات ثلاثة: الجانب الصناعي , والجانب المهني أو النقابي والجانب السياسي.
تتميز الورقة بالكثافة والجودة في تشخيص المشكلة وتوصيف واقع الصناعة العراقية , إضافة إلى تحديد جملة من المعالجات المطلوبة والسليمة. ولكن توصيف الاقتصاد العراقي لم يكن كافياً , كما خلت الورقة من الآليات الضرورية التي يفترض أن تمارس لتحقيق الغاية المنشودة. وعلى العموم فإنها مبادرة جيدة يفترض تقييمها إيجابياً والدعوة إلى معالجة بقية القضايا الاقتصادية بهذه الطريقة النقاشية العامة والملموسة.
يبدو لي أن معدي ورقة العمل حرصوا على أن تكون ورقتهم مكثفة جداً مما تسبب في بروز نواقص في تشخيص بعض الجوانب المهمة التي كان المفروض أن تتضمنها الورقة المهمة التي طرحت للمناقشة والتي لا شك في أن معدي الورقة على علم بها.
سأحاول هنا الإشارة إلى بعض جوانب التحليل الذي يحتاج إلى استكمال , سواء في توصيف الحالة أم الإشارة إلى الأسباب الكامنة وراء ذلك أو المقترحات المطروحة في دعم عملية التصنيع في العراق.
1 . الاقتصاد العراقي اقتصاد متخلف وتابع , اقتصاد ريعي واستهلاكي , وبالتالي فهو مكشوف على الخارج بشكل تام.
2. أصبح العراق في ظل الحكومات الثلاث المتعاقبة سوقاً خلفياً وامتداداً للاقتصاد والسوق الإيراني والاقتصاد والسوق التركي , ولهذا الواقع جوانب سلبية وعواقب غير صحية.
3 . لا يمكن القول بما جاء في هذه الفقرة من ورقة العمل : ” في ظل اقتصاد متخلف وتابع , وقطاعات إنتاجية ضعيفة تتعرض الصناعة الوطنية بوجه عام والقطاع الصناعي الخاص إلى إهمال واضح من قبل الحكومة والمؤسسات ذات العلاقة بالصناعة الوطنية , وذلك بتأثير جملة عوامل من بينها ضغوطات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي …” فهذه الفقرة تتضمن نصف الحقيقة , على أهميتها , إذ أن النصف الثاني والأهم هو أن الحكومة وبقية المسئولين عن ملف الاقتصاد العراقي يؤمنون بالفكر اللبرالي الجديد الذي يرفض التصنيع بشكل عام ويركز على التجارة , أي أن المسالة لا ترتبط بضغط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي , وهو صحيح طبعاً , فحسب , بل بموقف حكومي ملتزم لهذه الوجهة في التنمية الاقتصادية العراقية. كما أن المشكلة تبرز في غياب استراتيجية تنموية للاقتصاد العراق , وبغياب هذه المهمة الأساسية تغيب أيضاً عملية التنمية الصناعية أو الاهتمام بالقطاع الصناعي , ومنه القطاع الخاص والمختلط والعام في آن واحد. فالموقف الفكري هو المحدد , وان الإهمال نابع من مسألتين , من الجانب الفكري أولاً , ومن جانب الفوضى السائدة في السلطة التنفيذية ويغياب الرؤية الواضحة وتعارض أسبقيات القوى السياسية المشاركة في الحكومة ثانياً. ولا بد من الإشارة إلى أن الفكر اللبرالي الجديد يسعى إلى تدمير ما تبقى من صناعة عراقية وإلى منع قيام صناعة حديثة قدر الإمكان من خلال ممارسة سياسة الباب المفتوح في التجارة الخارجية. إنها ليست عملية عفوية أو إهمال , إنه هدف يراد الوصول إليه!
4 . يعتبر القطاع الصناعي جزءاً حيوياً وأساسياً من العملية الاقتصادية ومن بنية الاقتصاد الوطني , وبالتالي فلا بد من الإشارة إلى أن تنمية الاقتصاد الصناعي ترتبط عضوياً بتنمية بقية القطاعات الاقتصادية , إذ لا يمكن تصور امتلاك سياسة صناعية وطنية سليمة دون أن تكون هناك استراتيجية اقتصادية وسياسة اقتصادية سليمة في البلاد. وكان لا بد من الإشارة ولو بجملة واضحة عن العلاقة العضوية بين التنمية الصناعية والتنمية الزراعية , إذ أن أحدهما يستكمل الثاني ويساهم في تنشيطه من وجوه عدة.
5 . افتقدت الورقة إلى إبراز موضوع العلاقة العضوية بالنسبة للعراق بين القطاع الصناعي التحويلي الذي يراد تطويره وبين القطاع الصناعي الاستخراجي , والمقصود هنا النفط الخام والغاز الطبيعي بشكل خاص , وأهمية العمل لاستخدام النفط والغاز الطبيعي أو المصاحب في عمليات التنمية الصناعية لتغيير بنية الاقتصاد وطبيعيته الريعية الراهنة والاستهلاكية. إن من غير المعقول والمقبول أن نتحدث عن دعم القطاع الصناعي دون البحث والإشارة إلى قطاع النفط الخام والغاز لا من حيث كونهما مادة أولية لسلسلة طويلة من الصناعات والمنتجات السلعية أولاً , ومن حيث كونه مورداً مالياً أساسياً للدخل القومي ولخزينة الدولة وللتنمية الاقتصادية في هذه المرحلة ولفترة غير قصيرة قادمة. النفط ليس مالاً نحتاجه فقط , بل مادة أساسية للإنتاج وتوسيع عملية إعادة الإنتاج في الاقتصاد العراقي وتحقيق التراكم الرأسمالي. ولكن علينا استخدامه بالصورة التي تساعد وتساهم في تغيير بنية الاقتصاد العراقي وتكوين الدخل القومي وتقليص الاعتماد على قطاع النفط الخام.
6 . وكان حرياً بالورقة أن تشير إلى دور وأهمية الصناعة الوطنية في تحقيق عدة مسائل جوهرية في الاقتصاد العراقي وإهمالها يقود إلى العكس من ذلك , وأعني بها:
• تخلق القاعدة المادية للتنمية الاقتصادية ووتأمين تطوير عملية إعادة الإنتاج الموسعة.
• تساهم الصناعة بشكل خاص في توفير المزيد من فرص العمل الجديدة وتستوعب المزيد من القوى العاطلة عن العمل حالياً والتي تبلغ نسبتها أكثر من 40% من القوى القادرة على العمل , وعند احتساب المرأة ضمن قوى القادرة على العمل , فأن هذه النسبة ترتفع إلى أكثر من ذلك بكثير.
• تخلق مشاريع اقتصادية واجتماعية جديدة مكملة ومرتبطة بها عضوياً , وهي بالتالي تخلق بدورها فرص عمل جديدة.
• تحقيق التراكم الرأسمالي وإغناء الثروة الاجتماعية بدلاً من استهلاكها في الاستيراد السلعي الاستهلاكي.
• تساهم في تحقيق تغييرات بنيوية في المجتمع , وبشكل خاص طبقة برجوازية وطنية متوسطة وطبقة عاملة , ووعي اجتماعي جديد.
• زيادة السيولة النقدية من خلال الرواتب والأجور وتحسين مستوى معيشة العمال.
7 . أغفل معدو الورقة الإشارة إلى الوجهة في التصنيع العراقي , إذ أن العراق يعد اليوم في بداية التصنيع بعد أن ارجعته الإدارة الأمريكية في حربين متلاحقتين (1991 و2003) , بدعم من سياسات صدام حسين العدوانية والمستبدة , إلى فترة ما قبل التصنيع. أذن كان لا بد من الإشارة إلى مراكز الثقل التي يفترض أن يهتم بها القطاع الصناعي.
8 . لم يبد معدو الورقة أي اهتمام بالبيئة وأهمية حمايتها من التلوث. فالتطور العلمي والتقني توصل إلى إمكانية إقامة صناعات قليلة التلويث للبيئة , وهي مسألة مركزية علينا عدم إهمالها ما دام العراق في بداية التصنيع. لا يكفي الحديث عن تكنولوجيا حديثة , بل ربطها بمدى تأثيرها على البيئة وحماية الطبيعة والإنسان من المزيد من التلوث الذي يعاني منع المجتمع العراق حالياً.
9 . كان لا بد للورقة أن تشير إلى الموقف من الاستثمار الأجنبي في الصناعة العراقية , إذ أن أهمية الاستثمار الأجنبي في القطاع الصناعي العراقي في المرحلة الراهنة لا تنبثق من توفير رؤوس الأموال والخبرة الفنية والعلمية والإدارية وتكوين الكادر الفني والمهني وتدريبه وإعادة تأهيله … الخ حسب , بل وترتبط بنشوء علاقة متطورة بالاقتصاد الدولي في مرحلة العولمة وسبل الاستفادة من جوانبها الإيجابية ومحاولة تجنب جوانبها السلبية غير القليلة على الاقتصاد العراقي النامي , ولكنها توفر فرصاً مهمة أيضاً لو أحسن الاستفادة منها.
10 . لا بد من إيلاء عناية خاصة بمراكز البحث العلمي والتقني (الصرف والتطبيقي) الصناعي والزراعي وتأمين الكوادر العلمية والفنية الجيدة والجديدة والعمل من أجل تنمية وتطويع التقنيات التي نستوردها بالارتباط مع حاجات ومستويات القدرة عل استخدامها وما يتناعم مع ظروف العراق الملموس. إن تطوير البحث العلمي والعلوم ينقل العراق من موقع المستورد والمستهلك لها إلى المنتج لها أيضاً والتي تعني الكثير في التأثير الإيجابي على وعي الإنسان وأسس تفكيره وتحويله نحو تفكير علمي وعقلاني وإنساني في آن.
20/11/2008 كاظم حبيب

انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة