الرئيسية » مقالات » مناقشة فكرية مع الأخوة الكرام في جميعة السراجين الحلقة الثالثة

مناقشة فكرية مع الأخوة الكرام في جميعة السراجين الحلقة الثالثة

كانت أول ملاحظة وردت لجمعية السراجيين حول ورقة عمل المكتب المهني تشير إلى ما يلي: “تصدمنا مقدمة ورقة العمل بادخالنا في رؤى سياسية غريبة تصل إلى حد التناغم مع نظرية المؤامرة الشائعة والتي هي شماعة كل فشل وتبرير لمجموعة أو أفراد في التعامل مع مستجدات أو وقائع تحتاج لتصدي فعال , كما توفر حبل إنقاذ وتبرير لسياسات حكومية فاسدة وخاطئة , فورقة العمل توجه لوما مزدوجا , لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في (ضغطهما ) على الحكومة حتى تمتنع عن توفير الحماية للمشروع الصناعي العراقي ….. إلى آخر الفقرة , وللأسف يقع كاتب أو معدي الورقة في إشكالات سياسية متنوعة تبعدنا عن الهدف الاقتصادي المرجو دراسته في هكذا لقاءات موسعة ..” .

كنت أفضل أن يراجع الأخوة الكرام هذه المسألة التي درست كثيراً من عشرات الكتاب في الدول النامية وفي العراق وكتب عنها الكثير , كما شاركت في الكتابة بهذا الصدد أيضاً. ومن يعرف بدقة سياسة المؤسسات المالية الدولية , صندوق النقد الدولي والبنك الدولي , لا يمكنه أن يشير إلى مثل هذه الملاحظة. فالمكتب المهني أشار بصواب إلى حقيقة واقعة تجلت في سياسة پاول بريمر ومع أول حكومة تشكلت في العراق في أعقاب سقوط النظام بعدة شهور. فالمكتب المهني لم يسقط في مطب مؤامرة دولية , بل أشار بصواب إلى وجود سياسة دولية تعمل بها هذه المؤسسات الدولية وتعبر عن رؤية “اللبرالية الجديدة” التي اقترنت بفترة نهوض المحافظين الجدد في عهد تاتشر ورونالد ريغن بشكل خاص , ولكنها ابتدأت منذ منتصف السبعينيات بعد التخلي عن نموذج كينز , الذي أُخذ به في أعقاب الحرب العالمية الثانية. والتطرق إلى هذه المسألة لا ينفي دور الحكومة وإهمالها أو حتى تناغم قوى فيها مع نموذج البنك الدولي وصندول النقد الدولي حول سياسات التنمية في الدول النامية , وأعني بذلك “النموذج” الذي يطلق عليه بـ “التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي” , ولا يرفع عنها تقصيرها الفادح .. الخ.
ذكر الصديق السيد الدكتور مهدي الحافظ بدقة وصواب , وكان وزيراً للتخطيط في أول وزارة عراقية حول الضغط الذي مورس من جانب هاتين المؤسستين الدوليتين على الحكومة العراقية لإلزامها الأخذ بـ “نموذج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي” ما يلي:
“ويقول د. مهدي الحافظ وزير التخطيط الاسبق ان العراق لم يكن لديه خيار فهو تحت الاحتلال ولسلطة الائتلاف الكلمة الحاسمة وعليه ان يقوم بالاصلاحات الاقتصادية وفقاً للوصفة الجاهزة التي يقدمها صندوق النقد في اطار ما يسمى سياسة التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي التي طبقت في بلدان اخرى وسببت المتاعب، وان هذه الوصفة لم تنظر الى ظروف العراق الخاصة حيث لا يمكن ان تكون الاصلاحات وحدها هي الهدف بل لابد ان تكون جزءاً من ستراتيجية شاملة للتنمية، وان الكلفة الاجتماعية المترتبة على الغاء الدعم يجب ان يحسب لها حساب صحيح وعند رفع اسعار الوقود واجور الكهرباء وتقليص البطاقة التموينية لابد من توفير برامج بديلة هي برامج الحماية الاجتماعية. ضغوطات وقبول ممتنع. ولم يكن العراق في تعامل الصندوق بعيداً عن هذه التوجهات والطلبات منذ خمس سنوات قبل بعضها ويتأخر في الاخذ بالبعض الاخر لاسباب محلية تتعلق بضغوطات الراي العام الذي لا يتمكن من القبول بها بسهولة وبسرعة خاصة وان الدستور الذي تم اقراره بعد الاستغناء قد اقر في مادته (25) بتكفل الدولة لاصلاح الاقتصاد العراقي، ولم يكن مقبولاً شعبياً بالطبع ان تتم عملية الاصلاح بوسائل وجهات غير محبذة” .
بتاريخ 16/7/2003 نشرت مقالاً في جريدة المدى تحت عنوان “ما هي طبيعة الصراع حول شؤون ومستقبل الاقتصاد العراقي بين سلطة الاحتلال وبين مجلس الحكم المؤقت والشعب؟ تضمن مناقشة ضافية لأفكار وقرارات پاول بريمر. وبشأن موضوع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ونموذجهما للبلدان النامية والعراق بشكل ملموس كتبت ما يلي:
“فإلى ماذا يدعوان البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بشكل عام, دون أن يأخذا بنظر الاعتبار واقع العراق الاجتماعي وسياسات العسكرة والحروب والتجويع التي مرّ بها بسبب سياسات النظام والحصار الاقتصادي؟ إنهم يدعون إلى ما يلي:
1. تخلي الدولة الكامل عن التدخل في الشؤون الاقتصادية وترك المجال واسعا ومفتوحا للدور القيادي والرئيسي للقطاع الخاص وللمنافسة الحرة.

إنها اتجاهات اللبرالية الجديدة التي لم تعد تقبل بأية مشاركة للدولة في العملية الاقتصادية وتدعو إلى تصفية تامة لقطاع الدولة تحت شعار “الخصخصة” الكاملة. أي أنها تسعى “إلى تحديد دور الدولة الاقتصادي في تنظيم التوازنات الاقتصادية والمالية الكلية داخلياً ومع الخارج”.

إنها وبهذا المعنى ستترك انسياب الفائض الاقتصادي صوب القطاع الخاص فقط وتمنعه عن الدولة , وبالتالي , تساهم مع عوامل أخرى في تأمين انسياب القسم الأكبر من الدخل القومي لصالح أصحاب رؤوس الأموال.

وبصدد العراق فأن شعار الخصخصة يمس قطاع النفط الخام أيضاً الذي يسيل له لعاب شركات النفط الاحتكارية وترفضه الأغلبية العظمى من الشعب العراقي ومن العاملين في الشئون الاقتصادية العراقية. (ملاحظة: ثبت الدستور الجديد أن تكون ثروة النفط ملكاً للشعب كله , وبالتالي يفترض إبقائه في ملكية الدولة لهذه الثروة النفطية والغاز الطبيعي).
2. التخلي عن سياسات البرمجة الاقتصادية الحكومية والذي يعني بدوره تخلي الدولة عن المشاركة في التأثير النسبي على سياسات التوظيف والتشغيل والأجور والأسعار ودعم الأسعار وترك ذلك كلية لقوانين أو آليات السوق دون تدخل الدولة.
3. ممارسة سياسة الانفتاح الاقتصادي أو الاندماج الكامل والعاجل بالسوق الدولية والتي تعني بدورها الكف عن وضع أية قيود على حركة رؤوس الأموال والتجارة الخارجية وتصدير الأرباح, وكذلك التخلي عن التزاماتها بتنفيذ بنود قوانين العمل المحلية, وإلغاء القيود الجمركية النسبية لحماية الصناعة الوطنية الحديثة التكوين من حدة المنافسة الأجنبية غير المتكافئة, أي الدعوة للتخلي عن وضع وتنفيذ تعريفات جمركية وقيود وضرائب تحد من دخول أو خروج رؤوس الأموال والسلع, بغض النظر عن المصاعب الجدية التي تواجهها السلع المصنعة والمنتجات الزراعية للبلدان النامية في الولوج إلى أسواق الدول المتقدمة.
4. إجراء تغييرات واسعة في السياسات المالية والنقدية والضريبية, باتجاهات تقليص الإنفاق الحكومي العام وإلغاء الدعم الحكومي الذي يقدم للسلع والخدمات ذات الاستهلاك الشعبي الواسع. هذا من جانب, أما الجانب الثاني منها فيتمثل بمطالبة المؤسسات المالية الدولية حكومات هذه البلدان بزيادة الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات التي من شأنها إرهاق ميزانية الفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود والدخل الواطئ وبقية الكادحين, في حين تدعو إلى إلغاء الضرائب المباشرة أو تقليصها إلى الحد الأدنى على الدخل السنوي للأفراد وعلى أرباح الشركات الرأسمالية, أي إنها تعمل من أجل التخفيف عن أصحاب المشاريع ورؤوس الأموال المحلية والأجنبية بحجة تحقيق نسبة أعلى من الأرباح التي تساعد بدورها على تأمين المزيد من التراكمات المالية لاستثماراتها في المشاريع الإنتاجية والتنمية البشرية التي تسهم بدورها, كما ترى, بزيادة فرص العمل الجديدة, في حين تزيد من أعباء العمال والكسبة والحرفيين وصغار الفلاحين والمستخدمين وصغار الموظفين والفقراء في المجتمع بشكل عام.
5. إصلاح النظام المالي والمصرفي والنقدي وتعويم صرف العملة المحلية وتأمين استقرارها في ضوء العلاقة مع الدولار الأمريكي على نحو خاص.
إن الأهداف المعلنة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي من وراء هذه السياسات تتلخص في الوصول إلى إعادة التوازن إلى ميزان المدفوعات والميزان التجاري وتقليص الديون الخارجية وتحقيق معدلات استثمار ونمو اقتصادي أكثر ارتفاعا وتقليص البطالة والحد من ظاهرة ارتفاع الأسعار وتدهور أسعار صرف العملات الوطنية وتأمين دور قيادي للقطاع الخاص في عملية البناء الاقتصادي وإلغاء قطاع الدولة ودوره في الاقتصادات الوطنية وتسريع اندماج اقتصاديات هذه البلدان بالاقتصاد الرأسمالي الدولي أو في التقسيم الدولي الرأسمالي للعمل.
إن هذه الاتجاهات في برنامج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي لا تتميز بوحدانية الجانب والصرامة الشديدة, التي تستوجب مستلزمات غير متوفرة في البلدان النامية, ومنها العراق, فحسب, بل أنها لا تأخذ بنظر الاعتبار نقاط جوهرية يمكن الإشارة إليها فيما يلي:
 إنها تسقط العلاقة العضوية القائمة بين السياسة والاقتصاد والمجتمع التي يفترض أن تكون لصالح المجتمع, ولكنها في واقع الأمر تمارس سياسة طبقية صارمة, سياسة تحقق مصالح الدول الرأسمالية المتقدمة ومصالح الفئات الرأسمالية المالكة لوسائل الإنتاج والغنية على التوالي. فهي لا تتجنب الحديث عن الديمقراطية السياسية فحسب, بل تكثر من الحديث عن اللبرالية الاقتصادية وحرية المنافسة, وهي تضعف قدرة الدول النامية على المنافسة والبقاء في السوق الدولية لصالحها, إنها تنسى بكل معنى الكلمة أو تتناسى الديمقراطية وحقوق الإنسان لا في الحياة السياسية فحسب, بل وفي نشاط المؤسسات الاقتصادية والحياة النقابية, إذ ما يهمها يتركز في دمج اقتصاديات وأسواق هذه البلدان بالسوق الدولية وفتح الأبواب أمام نشاط احتكاراتها الدولية. إنها تطالب حكومات هذه البلدان بامتلاك الإرادة السياسية لتنفيذ البرنامج, والذي لا يعني سوى ممارسة سياسة الاستبداد الاقتصادي في تنفيذ سياسات اقتصادية لا تتبناها الغالبية العظمى من السكان ولا تخدم سوى مصلحة أقلية ضئيلة في المجتمع.
 إنها تنسى الواقع الذي تواجهه هذه البلدان وأهمية وضرورة وجود قطاع حكومي ديناميكي وفعال ومؤهل إداريا وتقنيا ومستقلا في أداء جملة من مهمات العملية الاقتصادية, خاصة وأن بعضها يمتلك موارد مالية يمكن توجيهها للأغراض التنموية حيث يعجز أو يمتنع القطاع الخاص عن الولوج فيها, إذ أن الدولة بحاجة إلى جزء من الفائض الاقتصادي لتوجهه إلى تلك المشاريع التي لا تتوجه صوبها رؤوس الأموال الخاصة لأي سبب كان, أو من أجل تأمين الدعم الحكومي النسبي للتخفيف من أعباء شدة استغلال رأس المال.
 إنها, وهي تدعو إلى تقليص الإنفاق الحكومي, تركز على تشديد الاختلالات القائمة حاليا التي تعمق من انقسام المجتمع إلى معسكرين, الأغنياء والفقراء, وتجهز على مواقع الفئات الاجتماعية الوسطى وتنهي عمليا وجودها على الخارطة الاجتماعية للسكان, ولكنها تسكت كلية عن, أو حتى تشجع على, شراء الأسلحة التي تحمّل ميزانية هذه البلدان موارد مالية كبيرة وتزيد من مديونيتها الخارجية وتشجعها على حل مشكلاتها الداخلية والإقليمية بالقوة وممارسة العنف والحروب, كما لا ترفض تزويد البلدان التي تقوم بعمليات التسلح المستمرة بالقروض, وتغفل تماما الأضرار الناجمة عن ذلك على العملية الاقتصادية وارتفاع المديونية الخارجية وتدهور الحياة المعيشية والاجتماعية للغالبية العظمى من السكان.
 إنها تقود إلى توسيع الاختلال الراهن في توزيع الدخل القومي وإلى تعميق الفجوة الدخلية والمعيشية بين الطبقات والفئات الاجتماعية وتؤدي إلى مزيد من البطالة وتخلق بؤر جديدة للتوتر الاجتماعي والصراع الطبقي والسياسي.
 إنها تهمل كلية البيئة وأهمية ومستلزمات حمايتها وتخليصها من التلوث المتفاقم في إطار عملية التنمية الوطنية.
 وهي تهمل التطرق إلى سبل حماية الكفاءات الوطنية المتسربة باستمرار نحو الخارج بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلدان النامية والخسائر الفادحة التي تتحملها من جراء ذلك.
 وهي تتجنب الإشارة ولو من بعيد إلى أهمية التعاون الإقليمي للدول المتجاورة لصالح التعاون والتنسيق الاقتصادي, إضافة إلى إهمالها موضوع تطوير البحث العلمي والتقني.
ومع ذلك, فليس كل ما هو مطروح في برنامج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي خاطئ أو غير مناسب لبلداننا, ولكن فيه الكثير الذي يلحق أضرارا فادحة باقتصاديات ومجتمعات هذه البلدان, وخاصة تلك السرعة والشمولية والجذرية التي يراد بها تطبيق سياسات هذا البرنامج. ولهذا لا بد من التفكير بالطريقة التي نراها مناسبة للسير على طريق الإصلاح والتنمية دون أن نأخذ بما يريده هذا النموذج ودون أن نهمل دراستها مع ضرورة القناعة بإنها تعبر ايديولوجية اللبرالية الجديدة التي يراد فرضها على العراق وعلى جميع دول العالم الثالث.
الهوامش

من نص التقرير المحفوظ في أرشيفي ومنشور في موقع جمعية السراجيين.
راجع جريدة المدى. عبد الرحمن عناد آراء وأفكار: “هل يمكن أن يكون (بنك الجنوب) بديلاً لدول العالم الثالث؟..اختلال المعادلة في علاقة العراق بصندوق النقد والبنك الدوليين” بتاريخ 29/1/2008.
ملاحظة: تستوجب الإشارة هنا إلى أن الدول الرأسمالية المتقدمة وخاصة في أوروبا قد التزمت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بنموذج كنز للتنمية والذي أعتمد على دور أكبر للدولة ونشاطها الاقتصادي وتأمين مستلزمات تطور القطاع الخاص من جانب الدولة أيضا. إلا أن البرجوازية الكبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوربا قد تراجعت عن هذه السياسة أبتداءً من منتصف السبعينيات من القرن الماضي من خلال تصفيتها التدريجية لقطاع الدولة وتأكيدها ضرورة تقليص تدخل الدولة في الشئون الاقتصادية. وهذا الاتجاه في السياسة الاقتصادية هو الذي يطلق عليه بسياسة اللبرالية الجديدة والذي يتضمن عناصر عديدة أخرى بما فيها الكف عن دعم أسعار السلع والخدمات التي كانت وما تزال تمس مصالح الفئات الكادحة والفقيرة في المجتمع وتؤثر عليها سلبيا, وكذلك تقليص نفقات الدولة على مشروعات الخدمات الاجتماعية …الخ.
السعدي, صبري زاير د. الاقتصاد السياسي للتنمية والاندماج في السوق الرأسمالية العالمية. بحث منشور في مجلة المستقبل العربي. يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية. العدد (249) 11/1999. بيروت. ص 31.
زكي, رمزي د. اللبرالية المستبدة. سينا للنشر. ط 1. القاهرة. 1993. ص 82-94.
زكي, رمزي د. اللبرالية المستبدة. نفس المصدر السابق.
7 قارن: السعدي, صبري زاير د. الاقتصاد السياسي…. مصدر سابق. ص 35.

20/11/2008 كاظم حبيب
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابعة والأخيرة.