الرئيسية » مقالات » الحب والكراهية أيهما تدعم

الحب والكراهية أيهما تدعم

أحاول قدر الإمكان إنعاش المتلقي ببعض الكلمات التي تضيف جمالية في المقال السياسي لعلني أوفق بين التعبير الأدبي والحديث السياسي الساخن، أو محاولة انحياز للغة العقل والقلب قبل التأثير على المتلقي، أو الخروج عن الممل المتعارف من الكتابة السياسية المباشرة.

قيل في الحب كثيراً، ويصدق المضمون للعنوان حين مصادفة هذه الكلمة السحرية فيشرد الذهن للهوى والعشق والذكريات الجميلة وعذاب الفراق وآلامه. وقد قيل وكتب في الحب كثيراً وأكثر المغنين للأشعار القديمة الغنية والرخيصة أنشدوا أعذب الألحان في الحب ومعانيه ومراتبه وحتى أن القرآن ذكرهُ في مواقف منها: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه…) (البقرة/165
﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾[المائدة:54].
هناك آيات كثيرة يذكر فيها كلمة الحب وأحاديث نبوية شريفة…وبحوث إسلامية في المعنى والقصد. ولست بصدد تفسير الآيات ولا البحث في موضوع ديني…بل للتعرف على كلمة الحب وربطها بقضايا العراق الساخنة وبالخصوص الأسلوب السياسي العراقي الجديد من بعض القيادات السياسية الجديدة.

ذكر الثعالبي صاحب فقه اللغة عن مراتب الحب في اللغة العربية ما يأتي:

قال:أول مراتب الحب الهوى، ثم العلاقة، ثم الكلف، ثم الشعف (بالعين)حرقة الهوى
ثم الشغف(بالغين)وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب.وفي القران الكريم*(قد شغفها حبا)*
ثم الجوى:وهو الهوى الباطن، ثم التيم: وهوان يستعبده الحب فهو متيم، ثم التبل:وهوان يسقمه الحب فهو متبول، ثم التدليه:وهو ذهاب العقل من الهوى، ثم الهيوم: وهو أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه فهو هائم.

(لسان العرب)
الحُبُّ: نَقِيضُ البُغْضِ.

في الكتاب المقدس:
17) سفر الأمثال 7: 18
هَلُمَّ نَرْتَوِ وُدًّا إِلَى الصَّبَاحِ. نَتَلَذَّذُ بِالْحُبِّ.
18) سفر الأمثال 27: 5
اَلتَّوْبِيخُ الظَّاهِرُ خَيْرٌ مِنَ الْحُبِّ الْمُسْتَتِرِ
) إنجيل يوحنا 17: 26
وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ».
) رسالة يوحنا الرسول الثالثة 1: 11
أَيُّهَا الْحَبِيبُ، لاَ تَتَمَثَّلْ بِالشَّرِّ بَلْ بِالْخَيْرِ، لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ الْخَيْرَ هُوَ مِنَ اللهِ، وَمَنْ يَصْنَعُ الشَّرَّ، فَلَمْ يُبْصِرِ اللهَ.

لا أعرف ديناً أو فكراً علمانياً أو يسارياً أو أدباً أو مقولة تتحدث عكس الحب، فالجميع يراه جميلاً محبذاً يتداولون الكلمة في التعبير عن ذاتهم المشع بالرضا عن المقابل. ولكن في علم السياسة نرى أن كلمة الحب لا وجود لها كتعبير سياسي علمي لأن السياسة فن المصالح والحب فن المشاعر، لكن يمكننا إيجاد الحب للسياسة وله اتجاهان أحدهما حب تعلم علم السياسة وحب من أجل الكسب السياسي. فلما نقول حب الخير وحب الشر فكلمة الحب موجودة في الحالتين الإيجابية والسلبية الحب للنور والحب للظلام…الحب للمعرفة والحب للجهل…والفرق أنه دائماً نرى ظاهر القول في الإيجابي والتطبيق في السلبي وإن لم يعلن عن السلبي، وقد يفسر البعض أن ما هو عليه من حب للظلام والشر والقتل والقهر وحب الحقد وجميع السلبيات والمنبوذات لكنها لا تدخل في إطار المقبول من المنطق والعقل ولا حتى من القلب النابض للخير.

الحب في علم السياسة موجود لكن بالمضمون وليس بالشكل الظاهري والذي يوحي لحب الهوى وما يقابله من معاني، ويمكن القول أن الحب في السياسة مبين من خلال التعلم والمعرفة في كيفية تسيير أمور المجتمع ليرتقي وينال الناس حقوقهم ويشعروا بحبهم للوطن ولمجتمعهم وللسلطة. وهذا الحب مبني بالأساس على بيان النظم والقوانين المتفق عليها من خلال العقد المجتمعي بين الأطراف المشاركة في عملية بناء الدولة وتطويرها. ومن الطبيعي أن نجد لدى جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية العراقية آراء بخصوص كيفية العمل السياسي. والجميع في ظاهر القول يرون مصلحة العراق وشعبه، والجميع يحاولون جاهداً إظهار حبهم للعراق وشعب العراق، لكننا نبحث عن الفعل السياسي التطبيقي لكي يصب في منفعة الإنسان العراقي أي نتائج التفاعلات السياسية التي تؤدي لقوانين تعطي حقوق المواطنين بطريقة منصفة إن لم نقل عادلة لأن العدالة بات من المستحيلات. فالعدالة تعبير مجازي لا يمكن تطبيقه ولعلنا نصر عليه ويتفوه به الجميع وينشده.
التطبيق الفعلي للسياسة ينطلق من أمرين الأول التأثير على الجماهير من خلال الخطاب، والثاني من خلال تنفيذ ما أقر من خلال البرلمان…وإن كان الملاحظ أن هناك تطبيقات كثيرة مخالفة للنظام المفترض العلم به. وهي بمثابة اجتهادات أو برز عضلات وإن كانت تعد خروقات للدستور العراقي الدائم.

أما الكراهية: فلا يمكننا أن نجد من يقول بعبارة صريحة أنني مع الكراهية فهو عكس الحب وعكس التعامل مع الحب وإن وجد فهو عكس المألوف. فأن أكثر السياسيين إن لم أقل جميعهم يصرحون بالحب للوطن وللشعب وللقانون وللدولة الحديثة، لكن فعلهم يضر بالجميع وتعاملهم لا يتفق مع الحب أبدا.
وفي موضوع الكراهية لا يعبرون عنه بصراحة القول لكن أكثر تطبيقاتهم تتصف بالكراهية ويطبقونها على أرض الواقع. والخطاب السياسي العراقي منذ الفترة الأولى بعد عملية التغيير القسري المفاجئ وبعد دحر الدكتاتورية والقضاء عليه أنتشر الخطاب السياسي الذي خلق وزرع الكراهية بين المجتمعات العراقية. فأن آلاف الأبرياء الذين قتلوا بسبب تلك الخطابات الطائفية وملايين المهجرين داخل العراق وخارجه تشردوا نتيجة تلك الكراهية التي وزعت حقدها بين صفوف أبناء الشعب العراقي, واليوم يبحث بعض القادة السياسيون عن فجوات لتمرير الخطاب المفعم بالكراهية والحقد لخلق عداء قومي. أن أي تشكيل وأي حركة مفادها تمزيق الصف الوطني العراقي وعلى أي أساسٍ كان عرقي مذهبي قومي لا يمكن عده إلا في صف العداء للعراق وشعبه.

الدول الحديثة لا يمكن بناء أساسها بطريقة زرع الأحقاد وتأجيج الضغائن وإرجاع عجلة تاريخها القديم. العراق مر بأطوار نزاعات كثيرة وكانت محاولة الدكتاتورية جعل جميع المجتمعات العراقية على شاكلة واحدة فحاولت الدكتاتورية إرغام القوميات لتقبل قومية معينة وأصرت لخلق دين ومذهب معين وخاص بقائد الضرورة. لا يمكننا فرض عراق قومي معين لأن العراق متكون من قوميات متعددة، ولا يمكننا فرض دين معين لأن العراق فيه أديان مختلفة ومتنوعة، ولا يمكننا فرض مذهب خاص لأننا أصحاب مذاهب مختلفة. فأين العراق من مقولة الأمة العربية وهل نعيد التاريخ الجائر والنظام المجحف تارةً أخرى…وهل يتصور البعض أن هذا ممكن.

الدستور العراقي الدائم كتب وحرر وفق مصطلح التوافق وهذا هو الخطأ الكبير فقد حشي بمواد رغبةً لأطراف وغذى بفقرات إرضاء لجهات ولم يكتب على أسس علمية ووفق معايير حديثة من أجل بناء دولة حديثة. وجميع المنصفين من أصحاب الخبرة والمراقبين قالوا ومازالوا ينوهون أن الدستور العراقي الدائم بحاجة لتجديد وتطوير، لكن هذا التجديد لا يمكن أن يكون من خلال تأجيج المشاعر وخلق الفتن وزرع الحقد والكراهية. نحن نعيش في عصر حديث وحولنا دول ومجتمعات ذات طفرات نوعية في مجالات عديدة قد هيئة للإنسان حياة أفضل وهم في بحث مستمر لحياة أفضل…ومازلنا نعيش في الفترة المظلمة يقذف بعضنا الآخر الاتهامات تلو الاتهامات فقط لكي نثبت أن الآخر على خطأ ونحن نمتلك الحقيقة الأبدية…
ليس هكذا تورد الإبل، ومازلنا متمسكين بهذا المثل وكأننا نعيش عصر الصحراء وحروب القبائل والتوسل وطلب الحماية من هذه القبيلة وتلك ولا نحتكم للقانون والعقل والعلم والمعرفة والمنطق من أجل تفادي المشاكل والسير قدماً في طريق التطور والبناء. بناء الإنسان الواعي والمثقف الذي يقبل الآخر بغض النظر عن قوميته وعرقه ودينه. من أجل عراق متآخ يسوده مناخ الحرية في التعبير وفهم الآخر وليس محاولة بيان الآخر على أساس العدو مع أنه جزء من هذا الوطن الغني بكل شيء ثروات طبيعية وثروات بشرية وعلوم وتاريخ وحضارة قديمة لكنه متخلف عن كثير من المجتمعات التي كانت لا تملك ذرة من ذلك التاريخ العريق الحافل بالمنجزات والتي ساهمت في انتعاش حياة البشرية قديماً وحديثا…لكنه لم يستفيد من ماضية ولا من حاضر المجتمعات المتطورة.

المخلص
عباس النوري
‏20‏/‏11‏/‏08