الرئيسية » التراث » مم وزين نسق أسطوري ام حقيقة واقعة القسم الثاني

مم وزين نسق أسطوري ام حقيقة واقعة القسم الثاني

مم وزين والبعد الفلكلوري الشعبي
ان فلكلور اي شعب من الشعوب هو مخزون تطوره وصراعه الطويل عبر التاريخ ، يراكم فيه معارفه و تجاربه ، في صراعه مع الطبيعة ، وصوره عن الحياة ، فلا غرو ان يتجه العلم الحديث في الاستناد اليه كركن اساسي من اركان التحليل والتفسير لاية ملحمة او اسطورة او نمط ، بالعودة الى المنبع وهو الفلكلور بابعاده وازمانه وامكنته ..
وعظمة اي شعب _ بقناعتي _ تتأتى من قدرة فلكلوره على اختزان و اختزال مسيرة تطوره في صيرورته التاريخية المتدرجة لتوصل اكبر قدر ممكن من تلك المكنونات الى الاجيال اللاحقة . وهنا وان كنت لست بصدد دراسة مستقلة عن الفلكلور الشعبي الكردي _ يجب القول ان عظمة وقوة هذا الفلكلور _ اقصد الكردي _ يتأتى بتحديه _ ولمراحل طويلة _ وبقوة لتحديات كبيرة استهدفت وجوده ولكنه ثابر وحافظ على خصوصيته ، ولسنين طويلة _ ومازلنا الى الان _ بقوة فلكلورنا نتصدى لثقافات قوية تستهدف محونا واذابتنا … من هذا المنطق ولمرجعية الفلكلور وكونه القاعدة / المنبع الاساسية _ ارى بأنه _ لابد من تفكيك الملحمة وربطها بجزئياتها الفلكلورية ومن ثم _ امكانية _ معرفة الرواسب المتبقية حولها الى الان في الموروث الذهني حتى نتمكن على الاقل – من التقرب – ولااقول معرفة – الفواصل الاساسية لهذه الملحمة … وهذه الحالة ستعود بنا القهقري – وبجهود مضنية – الى الوراء .. الى الاف السنين ، لعلها مراحل ماقبل التاريخ – التدوين – ومن ثم بدايات التدوين الكتابي ، واحدد هنا _ حيزي الجغرافي _ منطقة // ميزوبوتاميا // بلاد مابين النهرين تحديدا …
1_ الوعي الاسطوري _ الملحمي في ميزوبوتاميا _ البنية الاساسية :
يكاد علماء الميثولوجيا _ في غالبيتهم _ يتفقون على موضوعة ان بلاد ما بين النهرين // ميزوبوتاميا // هي منشأ الاسطورة … مثلما شهدت انطلاقة فجر التاريخ وذلك بتدشين مرحلة الكتابة .
وقد وسمت هذه الثقافة باسم شعب مازال البحث والجدال قائمين حول اصله وطريقة وصوله الى جنوب النهرين ، وان كانت اكثر الاراء والمدعومة بمكتشفات أثرية معاصرة // تل ليلان – قرب القامشلي الان // توحي بأرجحية كونهم توجهوا الى هناك من الجبال الشمالية الشرقية _ للعراق كمصطلح تاريخي قديم _ والتي اثيتت بعض الدلائل الاركولوجية المعاصرة ايضا _ طريق انسياحهم وخط توجههم الى هناك // اثار موقع تل الخنيديج على نهر الخابور قرب الحسكة مثلا // (7) وقد سمي هذا الشعب ب ((السومريين)) ودون الدخول في مزيد من التفاصيل اقول : لقد ابدع هذا الشعب فن الكتابة (8) فسطر من خلالها ابدع واروع النصوص والملاحم .. اصاغت فيما اصاغت نظريات وان كانت بدائية في اصل الكون ونشوء الحياة و خلق الانسان .. الخ ، وفق رؤى لاتخلو من هالات على الانسان ان يصغي اليها برهبة وقدسية … وقد وصلت الثقافة السومرية من القوة حتى طغت على ثقافات المجتمعات المجاورة التي تلتها واضحت الركيزة الاساسية لبناء المفاهيم المتتالية حول التكوين … الحياة … الخلق … الخ …
فترتكز عليها ثقافات الشعوب التالية تضفي عليها خصوصياتها وتشبعها برؤى وتجارب حياتية جديدة … ومؤكد هنا ان يختلف فيه بعض الاسماء / الابطال/ الالهة / المنطقة حسب رؤية وموقع ذلك الشعب / التجمع … وفي هذه العجالة لايمكننا البتة تجاوز المتغيرات الاقتصادية / الاجتماعية التي رافقت تلك الخطوات ، من صيرورة المجتمع _ السومري تحديدا _ نحو الاستقرار وبناء التجمعات السكنية … فالمدن وما رافقتها من متغيرات معيشية ومستلزمات حياتية فتظهر المهن / الحرف وتتوسع الزراعة _ كما ونوعا _ وتدجن الحيوانات وتتشكل قطعان المراعي …
ومن ثم ما اضفت عليه هذه المتغيرات من اثر في ترسيخ مفهوم مركزة الماء وضرورتها كأحد العناصر _ الاساس _ بل الاصل في وجود الحياة ومن ثم استمرارها وارتهانها به .. ففي البدء ظهرت الحركة من العماء ومن العماء الى بحر الظلمات ومن البحر انطلقت الحياة … وفي البدء كان السكن قرب الينابيع و الانهار .. الخ …
فالماء حاجة ماسة وضرورية لاستمرارية الحياة بالنسبة للانسان والنبات والحيوان ومن هنا تركزت طقوس العبادة في مجتمع _ زراعي ورعوي كهذا _ في شكل دورة الحياة مع تحول الطقس / المناخ _ لاابل _ تجسدت فيها وادمغتها معها لتدخل في شكل تركيبي / مندمج مع تصورات الخلق ومن ثم .. دورة الحياة من جديد ..
ويكفينا تأملا في اسطورة اينانا ودوموزي السومرية ومن ثم تموز وعشتار البابلية لاحقا وكيفية تجسد هذا الطقس _ دورة الحياة (9) في نمط المجتمع الزراعي / الرعوي المعتمد على الماء كوسيلة اساسية لاستمرارية الحياة ومن ثم لتوضح المفهوم / الاساس السابق زمنيا للملحمتين حول بدء العالم / الحياة منذ الزمن الهلامي الهيلوي … وصراع // ابسو و // تعامة // او // تامات // قبل الخلق ومن ثم توجههم نحو خلق النسق / الجيل الاول من الالهة _ الابناء كما هو وارد في اسطورة التكوين البابلية _ اينوماليش _… و طبعا لم تخل تلك الاساطير والملاحم من ذكر الصراعات الجانبية داخل المجتمع _ بين المزارعين والرعاة مثلا _ وان بدت على شكل لاتناحري مما يوضح مفهوم التكامل بينهم وهذا ما يبدو اضحا في النص السومري لملحمة صراع الراعي والفلاح على // اينانا // التي اختارت الراعي دون الفلاح زوجا لها …
ومن ثم ظهور مفهوم المقايضات والتبادل السلعي لتتكامل دورة المعيشة والحياة … ومن هذا المنطق فقد شغلت مسألة الموت حيزا مهما من التفكير السائد وبدا الفهم يتوجه نحو ايجاد صيغة من صيغ الاستمرارية كالعودة الثانية الى الحياة او الخلود …
فيطرأ مفهوم العودة الى الحياة لتشغل صيغا ومفاهيما متعددة ترتكز _ ايضا _ على اساس فهم الخلود _ وايضا _ انطلاقا من مفهوم دورة الحياة كانعكاس لبيئة زراعية _ رعوية حيث العشبة اليابسة الميتة _ وجذورها القابعة في بطن الارض _ والحبة اليابسة تدفن في الارض لا تلبث ان تنمو من جديد … وهكذا ان ولعل هذا الامر لم يرو عطش المفكرين الاوائل فترتقي بهم الرؤية بعد بحث وجهد مضنيين عن الخلود ، فتصل الى عصارة الفهم _ الحالي _ بأن الانسان يخلد بأعماله ومايتركه لمجتمعه وللاجيال القادمة … ولعل المفكر السومري في صياغته _ لملحمة جلجامش وهو يبحث عن سر الخلود بعد موت صديقه انكيدو _قد سبق انسانا المعاصر ، فبعد جهد جلجامش الشاق بحثا عن الخلود ، وبعد ان منحه // آوت نابيشتم // بطل الطوفان المخلد من قبل الالهة _ بذرتها استطاعت حية كبيرة خطف تلك البذرة ليعود جلجامش الى مدينته _ اوروك _ ويحدد قناعته بأن الانسان فان وان ما يخلده هو الاعمال العظيمة فقط …
لقد تقصدت ذكر هذه الملاحم والاساطير الموغلة قدما في التاريخ والتي اناطت المكتشفات الاثرية الحديثة اللثام من مكنوناتها ومن ثم فكت رموزها لانه سيتوضح معنا لاحقا _ من وجهة نظري _ الارضية الاساسية التي اصاغت عليها ثقافة مابين النهرين // ميزوبوتاميا // ملاحمها واساطيرها ومن ضمنها الذهنية التراثية الكردية ب _ صيغ _ أشكال // مم وزين // – القاعدة الاساسية _ الجذر.
Taakhi