الرئيسية » مقالات » العاهل السعودي وحوار الأديان ومسيحيو العراق

العاهل السعودي وحوار الأديان ومسيحيو العراق

لا ريب ان لحوار الأديان والثقافات والحضارات مفهوماً إنسانياً عميقاً وله اهميته في المسيرة الأنسانية المبنية على التعدد الفكري والديني والعرقي .. وفي كل هذه التنوعات يمكن ايجاد صيغة مشتركة للتفاهم ومن ثم التعايش بين هذه الأطياف . وعبر التاريخ كان الأختلاف الديني او المذهبي سبباً لاندلاع الحروب بين الأمم ، اليوم توصل الأنسان الى مرحلة من التقدم والرقي الحضاري ، لاسيما في مسألة حقوق الأنسان وحريته في المعتقد السياسي والديني والمذهبي ، فالأختلاف لا يعني الخطيئة او ارتكاب جريمة ، انما هي حالة من التنوع في الفكر ، والأختلاف الفكري يمكن علاجه بالحوار الفكري والأقناع ، وهذا ما يرمي اليه حوار الأديان المختلفة في العالم الذي انعقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك ، أجل إنها ظاهرة حضارية وضرورة تاريخية ومرحلية لكي يجري الحوار بين الأديان التي شكلت وما برحت تشكل سبباً للحروب والتقتيل والمآسي .
يوم الأربعاء الموافق 12 / 11 / 2008 انطلقت في الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك اعمال حوار بين اتباع الديانات والثقافات والحضارات ، وقد حضر الجلسة التي استمرت لمدة يومين حشد من القادة والوزراء والمسؤولين ، وكانت المبادرة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز . وحول الحوار قال الأمين العام للامم المتحدة :
آمل ان تكون هذه بداية جيدة ليعيش العالم كله في مجتمع يتمتع بوئام أكثر . اما العاهل السعودي فقد قال في كلمته في الجلسة :
إن التركيز عبر التاريخ على نقاط الخلاف بين اتباع الأديان والثقافات قاد الى التعصب ، وبسبب ذلك قامت الحروب مدمرة سالت فيها دماء كثيرة لم يكن فيها من مبرر او فكر سليم وقد آن الأوان لان نتعلم من دروس الماضي القاسية .. وفي الختام اعرب العاهل السعودي عن قلقه من ظواهر التطرف ومعاداة الأسلام ..
كل هذا كلام جميل ونتمنى الا يبقى حبر على ورق وإنما نصبو ان يكون لهذا الكلام صدى على ارض الواقع .
ولكن ما معنى ان يكون هنالك تفاهم بين اتباع الأديان وما هي الأرضية التي تمهد لمثل هذا الحوار الذي ينشد التعايش والتسامح والوئام ؟ فلندرج بعض المواقف وربما نستطيع ان نقول( شئ ما يشبه شئ). الموقف الأول :
قبل ايام اجرت العربية مقابلة مع سهى أرملة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ، والتي تحدثت عن آخر ساعاته في مستشفى في فرنسا فقالت : سألتني إدارة المستشفى عن أعز شئ لديه يحبه لكي نعرضه له وهو في الساعات الأخيرة من حياته . فقلت لهم انه يحب ان يسمع القران ، وفي الحال سعت إدارة المستشفى في فرنسا الى جلب شريط مسجل ، وبدأت تلاوة القرآن في كل اقسام العناية المركزة في المستشفى ، وسلم الروح وهو يسمع الى هذه الآيات . هذا موقف نسجله .
الموقف الثاني :
في نفس يوم انعقاد مؤتمر حوار الأديان الذي كان بمبادرة العاهل السعودي اقتحم مسلحون منزل عائلة مسيحية في الموصل واطلقوا النار على ساكنيه المسيحيين ، فقتلت لمياء صبيح وهي تعمل موظفة في محافظة نينوى وشقيقتها وأصيبت والدتهما سلمى جرجيس بجروح ، واليوم قرأت ان هذه المرأة المسكينة قد توفيت ايضاً ، وقام المسلحون بزرع عبوة ناسفة في المنزل انفجرت حين وصول الشرطة الى المنزل وأصيب اثنان بجروح ، ويأتي هذا الحادث في اعقاب قتل 14 مسيحي في الموصل وتهجير اكثر من 2000 عائلية عراقية مسيحية من هذه المدينة .
سؤالنا ما هي اوجه الشبه في مراعاة مشاعر مسلم وهو ياسر عرفات لاسماعه ما تتوقى اليه نفسه وهو في النزع الأخير ، وبين قتل وأرهاب وتهجير على الهوية ، وفي العراق كما هو معلوم لا يوجد هنالك يزيدي او مسيحي او مندائي يقوم بأعمال الخطف والتهجير والقتل بل ان هذه الأفعال يقوم بها المسلمون حصرياً .
من المعروف ان السعودية ومعظم العالم العربي لا يوجد فيها حرية الأديان ، ففي المملكة العربية السعودية ان الأسلام هو دين الدولة الرسمي ، وإن كل المواطنين يجب ان يدينوا به ، وفي الوقت الذي تجيز لوائح حقوق الأنسان بان من حق الشخص ان يغير عقيدته حينما يبلغ من العمر 18 سنة ، لكن في العرف الأسلامي فإن من يغير عقيدته الأسلامية فهو مرتد .
هنالك فرق شاسع في حرية الأديان التي ينعم بها المؤمنون في الدول الأوروبية الغربية ، وبين الظلم والقتل والتشريد والتفرقة الدينية التي تطال المسيحيين في العراق مثلاً .
إن الحوار يجري بين الأنداد ، فعلى سبيل المثال ما يجري على الساحة الفلسطينية من قصف وقتل بين الجانب الأسرائيلي من جهة ومن الجانب الفلسطيني فإن الحوار بين الطرفين هو حوار متكافئ يجري للتهدئة بين الطرفين ، هذا بعكس الحوار الذي يجري بين الأديان السماوية الثلاثة . فالعلاقة بين العالم الأسلامي والعالم المسيحي ، ونقصد هنا العالم المسيحي في الشرق الأوسط الذي تتفاوت علاقته مع مختلف الحكومات والمجتمعات ، ففي العراق الذي يقتل فيها المسيحيون ويشردون من مناطقهم بسبب هويتهم الدينية ، فيما نرى سورية وهي الدولة العلمانية تعامل هذه المكونات دون تفرقة تذكر .
إن العالم الأسلامي مدعو للانفتاح على الأخر ، وينبغي ان تزول فكرة دار الأسلام ودار الحرب .
إن المشروع الثيوقراطي وهو إشراك الدين في الحكم يبقى كما كان عليه في سالف الأزمان وهو العودة الى النظم الأسلامية في القرون الأولى من الحكم الأسلامي ، فمبدأ وحدة الدين والسياسة والمجتمع تتيح لاي مسلم ان يعلن نفسه حامي الشريعة الأسلامية ، وهو باسم الدين يخلق نفسه سلطة دينية مستقلة عن سلطة الدولة والحكومة .
إن النزوع الى الفكر الأسلامي الأصولي قد وضع المكونات الدينية العراقية غير الأسلامية في دائرة الخوف من الجار المسلم ، وهو في أجواء الخوف المستمر ينسى او يتجاهل حقوقه القومية والوطنية ، ويصبح همه البقاء على قيد الحياة في تلك الأجواء الأرهابية ، بعد ان يكون قد تلقى المزيد من التهديدات العلنية والمبطنة . هنالك من يستخدم الشرعية الأسلامية قناعاً يختفي وراءه طموحات اخرى ، ومن المؤكد ليس كل المسلمين بهذه العقلية او هذا الفعل .
العقلية السائدة هي تصور الاحتلال الأمريكي وكأنه احتلال مسيحي او كما يصوره الأصوليون بأنه احتلال صليبي ، ويصورون المسيحيين العراقيين وكأنهم جزء من هذا الأحتلال ، إن هذه الفرضية التي لا تستند على ارض الواقع ، يستخدمها متشددي الأسلام للانتقام من مسيحيي العراق .
لكن لو نظرنا الى الواقع ، فإن هؤلاء المتشددون كان صدام قد وضعهم في قفص من حديد لا يستطيعون الخروج منه وحينما اقدمت القوات الأمريكية المحتلة ، خرج هؤلاء المتشددون نحو الحرية وشرعوا في تنفيذ اجنداتهم ضد العراق وضد المكونات الأصيلة ، إن هذا يقودنا الى ان هؤلاء المتشددون جاءوا مع الأحتلال ، وهم ( الأسلاميون ) المستفيدون من الأحتلال وليس المسيحيين السكان الأصليين في هذه البلاد .
نحن نتطلع الى الى كل تقارب وتفاهم وحوار بين الأديان لكن ان يكون هذا الحوار مبني على مبدأ التكافؤ والتوازي والندية وليس بمنطق القوي والضعيف او الأكثرية والأقلية . إنها حالة إنسانية ان يدعو خادم الحرمين الشريفين الى حوار الأديان ، لكن ينبغي النظر اولاً على المكون غير الأسلامي في الدول العربية ، وفي المملكة العربية السعودية بالذات التي لا تقبل على غير المسلم ان يدخل اراضيها وخاصة الأماكن الأسلامية المقدسة .
حريّ بالعالم الأسلامي القيام بخطوات جوهرية كبيرة على مستوى الفكر والسياسية والأنفتاح والتعامل الشفاف مع الآخر لكي يحتل مركزاً متقدماً في مسألة حقوق الأنسان والحوار مع الآخرين بندية وتكافؤ مع كل البشر من غير المسلمين .

حبيب تومي / اوسلو