الرئيسية » مقالات » في ديوانهِ الجديد {موسيقى مرئية} نمر سعدي صوت مختلف في شعرنا المحلي

في ديوانهِ الجديد {موسيقى مرئية} نمر سعدي صوت مختلف في شعرنا المحلي

يطل علينا الشاعر نمر سعدي من جديد ، بنتاج شعري مرهف ومتدفق، في ديوان تحت عنوان موسيقى مرئية ، والحقيقة أن من يقرأ قصائد هذا الديوان لا تفارقه الموسيقى والإيقاع ولا للحظة واحدة ، عند قراءتك لقصائد المجموعة سوف تشعر أن بين يديك شعرا حقيقيا، وأن من كتب هذه الكلمات شاعر حقيقي يملك كل الأدوات الشعرية والفكرية وله فلسفة حياة تؤهله للقب شاعر، ولا أبالغ إن قلت أن نمر سعدي هو واحد من قلة قليلة بعدد أصابع اليد الواحدة ممن يمارسون كتابة الشعر المحلي ويستحق لقب أو تسمية شاعر، ولا نبالغ إن قلنا أن ما يحدث بالنسبة للشعر المحلي هو مجزرة شعرية فما نراه بالأطنان على الورق لا يحمل أية شاعرية فإما أنه سطحي وأقل من عادي ولا يرتقي حتى الى مستوى النثر المراهق لطلاب الإعدادية ،أو أنه مغلق لا مجال لفهمه ولا لترجمته الى العربية، وقد يكون خاليا تماما من العواطف والمشاعر الصادقة، ولهذه الأسباب شعرت بسعادة عندما قرأت نمر سعدي أول مرة قبل سنوات ولمست أننا في حضرة شعرية وشاعر له شأنه! قصائد نمر سعدي تذكر القارئ بالشعراء الكبار وتشدّه حتى يقرأها الى نهايتها، في قصيدته الأولى يحاول أن يعرفنا ما الذي تعنيه له الحياة ، تحت عنوان الحياة كما أنا أفهمها ، وهذا مدخل فلسفي الى الشعر والتعامل مع الكلمة أصلا لأنه طرق سؤالا بشرياً أبدّيا! كيف تفهم الحياة، فيقول ، الحياة كما أنا أفهمها

لهفة لسماء ملونة بالنداءات

روح الينابيع تحملني مثل عطر الندى

زهوة للحصان المجنح فيّ

احتراق الأباريق في قبة الليل

طعم النساء المدّجج بالنار

فوضى القصائد والأغنيات البريئةِ

نوم الأحاسيس في قاع نهر اللغة

واقتناص زهور الفراشات من أربعاء الرماد

والحلول النهائي للعشق في جسد الصبح

وهو يزفُّ البياض النبيل لقلب البلاد

شهوة من حرير تلف الفؤادْ

رفيف رخام الأنوثة أو لمعان القرنفل تحت السواد

الحياة كما أنا أفهمها

لا كما أنت تفهمها فتفسرها بالجماد

، الشاعر ينقل لنا في هذه القصيدة فلسفته للحياة، وعشقه لمظاهرها الطبيعية، وهو يرى ما لا يراه الناس، بل ينظر الى الأشياء في حركتها الداخلية ، ينظر الى الجميل في هذا الكون ويستمتع به!

في قصيدته ما تشائين نموذج جيد للشعر الغنائي للإيقاع الدافئ

ها هنا ما تشائين لا ما أشاء

فأنا فارس من زمان مضى

وانقضى حبه .. مثل قطرة ماء

هوت في العراء

لون عينيك يثقب قلبي كما انغرس السيف

في زهرة الهندباء

ويطرحني نازفاً بالقطيفة أو بالحمام الملوَّن

أو بخطاك على كوكب معشب بالأغاني الجريحة

أو بالرؤى فوق صدر السماء

ها هنا ما تشائين لا ما أشاء

يمتاز الشاعر نمر سعدي عن معظم شعرائنا المحليين باتساع ثقافته وكثرة مطالعاته، وهذا ما يمكن أن نلمسه خلال جلسة سريعة وقصيرة معه، فهو قارئ ممتاز ، وبرأيي هذا ما يميز الشاعر أو الكاتب المتميز، وهذا بالطبع ينعكس على إنتاجه الشعري ، وفي بضعة سطور نستطيع أن نستشف مدى اطلاعه فيقول في قصيدة “سأختار جون دمو”

لا تحزن يا سيدي جان دمو

واسترح في قبرك المفروش

برائحة الصفصاف البري

فقصائدك وقصائدي ضاعت

وحبيبتك بغداد ضاعت

في زمن ضاع فيه كل شيء

حتى الضياع نفسه/ حتى هولاكو نفسه ضاع

آسف أنا على كل حرف كتبته …

كان نسمة صيف وشهقة أقاح وسوسن

ولم يكن نار طوفان هادرة

فليس هذا العهد الذي قطعته لك وللسياب

ولأمل دنقل ولنفسي

إن بي رغبة لإحراق العالم بعود ثقاب

لآخذ بالثأر لك من سنين التشرد والحرمان



ويمضي في قصيدته الجميلة هذه ليقول:

آه يا سيدي الشاعر

أحلم أنا بقصيدة هجاء واحدة

كانت على حافة لسانك وفي برية روحي

ولم تقلها طيلة عمرك الموزَّع في أبد الريح

قصيدة هجاء واحدة

بدل ألف قصيدة كتبتها في مديح الحب الكاذب

ونسيت إحراقها في أتون امرأة

وفي النهاية سأختارك

قبل اختيار محمود درويش ومثالِّية الحب والحياة

في النهاية الموجعة كحياتك

كالمآسي الإغريقية …سأختارك

قبل اختيار سرفانتيس وشكسبير ودانتي وغيرهم

آه يا جان دمو ..كان أبناء الأولمب المدللون

يركلون سيزيف من الخلف

وهم يتضاحكون من مشيته المتثاقلة

سيزيف ابن الكلب لا لشيء سوى أنه طيب القلب

بينما الجلاد في الجانب الآخر

يخاطب السجناء قائلا :

أيها العاشقون لأسطورة سخيفة بالية تدعى الحرية

إنسوا الأفكار الحجرية في رؤوسكم

وامحوا كل العواطف النبيلة من قواميسكم المهترئة

فإنكم لستم في مشفى هنا

والذي يخالف التعاليم سيجلد حتى الموت

أو يُقدَّم لكلاب جلجامش الضارية كالنار



كان صوت الجلاد الخشن يجلجل في أغوار روحي

بينما أفكر في كتاب المدينة الفاضلة لأفلاطون

وكتاب الأوتوبيا للدوس هكسلي

وأنظر دامع الروح الى شعراء يأكلون وجبات بطيئة

من سياط النار في معتقلات الحرية

سأختار “جان دمو” في زمن الرعب

، مبروك للشاعر نمر سعدي الصوت الشعري المختلف في شعرنا المحلي،ومبروك لنا هذا الصوت الجميل، يقع الكتاب في 123 صفحة من الحجم المتوسط ويحوي عشرات القصائد من العام 2001 حتى 2008

طباعة دار النهضة الناصرة .
* كاتب فلسطيني يعمل محرراً أدبياً لصحيفة كل العرب الصارة في الناصرة.