الرئيسية » مقالات » هل الشعب العراقي يحب التصفيق

هل الشعب العراقي يحب التصفيق

لا يصفق لأنه يحاول التعبير عن الإطراء، ولا يرتفع صوتهُ – بالأهاجيس والتهليل (الهوسات العشائرية) لأنه متحمس لأمرٍ ما ذات أهمية على حياته كمواطن ويغير مما عاناه كإنسان طيلة حكم الدكتاتورية. الشعب العراقي أجبر منذ أربعين عام على خيار واحد لا ثاني له وهو أن يمجد ويعظم صاحب السلطة. تارةً خوفاً من تابعيه وأخرى تملقاً ليحصل على مكرمة. لم يكن له خيار إلا ترك البلد وهذا الأمر لم يكن باليسير للجميع…وحتى الذين هاجروا فنمهم قتل وآخرين شردوا في بقاع الأرض ولم يسأل عنهم أحد. وقصة السفينة التي غرقت وأصبح العراقيون الهاربين من ظلم النظام الدكتاتوري طعماً لأسماك المحيطات…وكثيرٌ من العراقيين الذين وقعوا في قبضة المجرمين كانوا طعماً لأسماك نهر دجلة…ومن ذاب في أحواض المواد الكيماوية.

ولا أتصور أن إنساناً سمع بفاجعة حلبجة قادر على نسيان تلك الصورة المأساوية والمعبرة بمكل ما للحقد من معنى…أو أن هناك من له القدرة أن ينسى آلاف الذين دفنوا أحياء…أو لا تهزهُ مشاعره حين جففت الأهوار فكان قتلاً للبيئة والناس وحياة الحيوان. صور الفواجع كثيرة وأرغمت الإنسان العراقي لكي يصفق لا لأن الحاكم قد أنجز أمراً مهم…بل صفق لكي يستمر في الحياة. وبعد التغيير المفاجئ والقسري أستمر هذا الإنسان في عوزه لأبسط الأمور التي تحفظ له كرامتهُ كإنسان…وعوض أن ترد له الإرادة المسلوبة حكم عليه بأن يعيد الكرة لكي يصفق ويصرخ للقائد ولكن هذه المرة أزداد عدد القادة وتلونت ملا بسهم وتفاوتت سطوتهم والعوز قاتل …فلم يعد العراقي فقط فقيراً حسب المعايير الدولية ، بل تجاوز خط الفقر ليبحث في النفايات ما ينقذ حيات أطفاله الجياع…لقد حرم هذه المرة حتى من الماء …بل سمم الماء وأصبح الماء عوض أن يروي العطش سبباً في العديد من الأمراض…فيصرخ ويهتف بحياة القائد وأن كان لكل مجموعة قائد بلون معين وصفة خاصة تليق بالفكر الجماعي والمعيار الأخلاقي الخاص ومراعي للأعراف والتقاليد…لا يطلب الماء والخبز فقط يريد الاستمرار في الحياة وإن كانت مذلة…ولا يمنعه العيش في خربة أو بيت من خوص النخيل دون سقفٍ يحميه برد الشتاء الموجع ولا شمس الصيف المحرقة…ولا يهمهُ عقيدة أو فكر فلتزيف العقائد وليتدينوا بدين القائد المجدد للعقيد والأفكار فقط أنه يتنفس الهواء الملوث ويمرض ويصاب أطفاله بأنواع من الأمراض كانت منتشرة في عصور ما قبل الثورة الصناعية…لكنها وجدت موطن جديد هو العراق.

في إحدى سفراتي وجولاتي بين بلدان العالم مررت بتونس في عام 1991 بعد مشاركتي في مؤتمر النظام الدولي الجديد – وكنا نبحث موضوع القطب الأوحد في جامعة الفاتح – ليبيا. مشاركون من دول عديدة عربية وأجنبية وكنت الوحيد من السويد…وعندما أعلن مدير الجلسة عن أسمي وأضاف من السويد أعترض بعض الأساتذة من العراق لماذا لا تقل (السويداء) فأنت عراقي، أجبته ما بناه أجدادي وآبائي سرقه مني العراق أغتصب حقوقهم جميعاً وقتل أخي وسجنت أخواتي وهربت تاركاً العراق العظيم لقائد الضرورة ومن تبعه… ولكن السويد قدم لي كل شيء دون أن أقدم لهم أي شيء يذكر…فقط لأنني إنسان. وبعد مروري بتونس الخضراء وأنا في سيارة أجرة كان السائق يستمع لخطاب رئيسهم الحالي وإذا به يصفق فسألته لماذا تصفق له، قال: أنه رئيس الجمهورية… كنت أضن أنه سوف يعبر لي عن كلماتٍ ذات مدلول نافع له كمواطن تونسي…لكنهُ صفق فقط لأن صاحب الخطاب رئيس الجمهورية…فأردت التعرف على تفكيره فقلت له، لماذا لا يصفق رئيس الجمهورية لك أنت…ألتفت وقال لي وهو متعجب (كيف يا أخي) قلت له أنت الذي تتعب وتشقى وتصبر لكي تجني ثمناً تعيل به عائلتك وكذلك العامل والموظف والفلاح والطالب فلولا كم لما كان لوجود رئيس الجمهورية من معنى.

كنا نضن بعد التاسع من نيسان 2003 أن زمن عبادة الأصنام والأحزاب ولى بلا رجعة…وكنت من المتحمسين وكنت أردد هذا الشعار في كل مؤتمر أو خطاب أو لقاء. وكنت فرحاً ومتفائلاً في جميع كتاباتي قبل فترة التغيير وبعد رجوعي للعراق في الأيام الأولى بعد التغيير القسري والمفاجئ. لكنني اليوم لا أتأسف على أي كلمة قلتها أو كتبتها ولا أتمنى أن يتأسف الذين نادوا من أجل التغيير…نعم السلبيات كثيرة والأخطاء فادحة والسرقات لا تعد ولا تحصى والفساد منتشر بكل أنواعه فالمسؤول عن الملف يدافع عن الفساد متورط به لحد النخاع. وأعيد عبادة الأشخاص وخلق الأصنام من شخوص لم تكن لهم قيمة تذكر لولا الولايات المتحدة الأمريكية حيث هيئة لهم الأجواء ليعلوا أرفع المناصب واستحوذوا على مقدرات الشعب العراقي بدون شعور أو من خلال علمٍ مسبق أجبروا الشعب العراق للتوسل بكل الطرق لكي يهتفوا بحياة هذا وذاك فقط ليحصلوا على الفتات من حقوقهم التي لا تحصى بفضل موارد العراق الغنية.

العيب ليس بالحكام والقيادات السياسية، لكن العيب وكل العيب بالنخب المثقفة التي انجرفت وراء مصالحها الذاتية والبعض أجبر بطرق أتوماتيكية ليرضخوا للواقع المؤلم الذي أجبرهم لكي يكونوا أدوات صنع الأصنام الجديدة والمتنوعة فنسي الإنسان البسيط الذي لا صوت له…فلجأ البعض لشيوخ عشائرهم عساهم يجدوا حلاً وينقذونهم من ظلمت الجوع والفقر والعوز القاتل…والذي عبر عنه الأمام علي أبن أبي طالب عليه السلام: لو كان الفقر رجلاً لقتلته…فكان يطعم المسكين والسائل واليتم من الرغيف المخصص والوحيد لسد رمقه ورمق عائلته ويبقون بأجمعهم لأيام وليالي جياع…لا نطلب من أحد أن يصل لمستوى حكم وعقيلة الأمام علي عليه السلام…لأن ذلك من المستحيلات. ولكن الطلب أن يا قيادات العراق الجديد أنصفوا على الأقل لأنكم غير قادرين على العدالة.

المجتمع المدني لا ينشأ من تشجيع القبلية والأعراف والتقاليد العشائرية وتنظيمهم للتأثير في سياسة الدولة. أن كانوا اليوم مع هذا القائد فغداً يتحولون لقائد آخر أكثر سخي…وبهذه الطريقة نساهم في قتل مشروع المجتمع المدني… ليكن في علم الجميع أن لجميع القيادات والأحزاب مجموعة عشائر مؤيدة ومنهم من يلعب على جهتين أو أكثر…هذا الولاء الزائل والمزيف لا يخدم بناء وطن ودولة القانون. ففي تصور شيوخ العشائر العراقية أنهم من خلال إقدامهم لهذا التصرف يخدمون العراق والدوافع كثيرة ولا أشك أن فيهم من هو محب للوطن ووحدة واستقلاله وحرية وكرامة العراقي، لكن الدولة التي تبنى على أساس مؤسسات ويحكمها القانون أفضل من دولة تؤثر من خلال عشائر تتوزع لولاء هذا الحزب أو ذلك الحزب أو هذا القائد أو ذاك…مع أن مفهوم القيادة قد عانت الأمرين من شخصيات وصلوا للكرسي بعد أن هيأت لهم واقع حال بفضل القوات الأمريكية وهي ليست نتيجة نضال هذه الأحزاب ووصولها للسلطة فهذا يثبت (هشاشة) مراكزهم القيادية. ومجموع هذه التصرفات غير المسؤولة سوف تؤدي لانحراف مسيرة العملية السياسة التي يجب أن تكون على أساس بناء دولة القانون وليس (دويلات) العشائر المتناحرة.

إلى متى يبقى العراقي يصفق ويهتف لهذا وذاك لكي يستمر في الحياة. أني واثق وعلى ثقة ومن خلال التجربة الميدانية ولقاءاتي الكثيرة مع شيوخ عشائر من مختلف مناطق العراق ورؤيتي لهم أناس على مستوى من الثقافة العامة ومستوى عالي من الوطنية وحبهم للأرض والهوية العراقية ولا أتصور أن جميعهم راضون على هذه الانحرافات التي لا تليق بالعصر الحديث. أن كثير منهم أصحاب شهادات ومتنورين مع أنهم يديرون الديوان والخيمة والمضيف…ولكل هذه مصاريف ولكل منهم أتباع جياع لا يحصلون على قوت يومهم في ضل عراق تسرق ثرواته. فأنا أعتبرها مرحلة تجريبية لجميع أطياف الشعب العراقي ولجميع مستوياتهم، لكن الشريحة التي يجب أن تتحمل المسؤولية الكبرى هم المثقفون…ويجب أن لا ينتمون إلا للوطن وللإنسان العراقي دون تمييز قومي عرقي ديني مذهبي…أنهم من يرفع أسم العراق ليرتقي لمستوى الدول المتطورة والمتمركزة على أساس القانون والنظام الديمقراطي الذي يضمن جميع حقوق المواطنين ويحمي ثرواته من أصحابه وأعدائه…ويسعى للرقي المعرفي والفكري ليكون الإنسان العراقي صاحب الكلمة في التعبير عن رأيه بكل حرية دون أي التزامات أو ملزمات. وليصفق العراقي للعالم العارف المتنور وللعامل المجاهد صاحب الجهاد الأكبر وللفلاح والمزارع والمعلم والمدرس وليصفق للجميع المسؤول من رئيس جمهورية و رئيس وزراء وأبسط موظف يستلم مرتبه من حق الشعب العراقي ولنصفق جميعا ونهتف للتآخي والوئام ونشر المحبة بين الجميع ونزع ثوب الحقد والكراهية.

المخلص
عباس النوري
‏19‏/‏11‏/‏08