الرئيسية » مقالات » رجال السيرة الكربلائية مروا من هنا

رجال السيرة الكربلائية مروا من هنا

مرت على تاريخ البشرية منذ آدمنا أبي قابيل وهابيل، أحقاب وأمم، وبادت حكومات وسادت دول، وانهارت حضارات وقامت مدنيات، ودب على أديم الأرض مليارات ومليارات من بني البشر، ولكن كم من الأسماء من شرها وخيرها قيدتها كتب التاريخ وحفظتها سجلات الأمم، وخطتها أقلام الكتاب؟
ليست الإجابة صعبة، فما نحتفظ من أسماء هي أقل من القليل، بل أقل من كل قليل، بيد أن الثابت أن الأسماء المنقوشة في الأذهان هي لشخصيات (ذكرانا وإناثا) رسموا بفرشاة سلوكهم لوحة التاريخ، فجاءت اللوحة منيرة في جوانب ومظلمة في أخرى، وهي تحكي بألوانها وأطيافها، دورة حياة الأمم التي مرت من هنا، من قطب المركز البشري، وتعكس ماضيهم وآثارهم.
يتذكر الناس كل الناس إبراهيم (ع) ولا ينسون نمرود، يتذكر الناس موسى (ع) ولا ينسون فرعون، يتذكر الناس الحسين (ع) ولا ينسون يزيد، يتذكر الناس هتلر ولا ينسون خراب لندن، يتذكر الناس أفلاطون وكونفشيوس ولقمان الحكيم وجابر بن حيان والفراهيدي ونيوتن، ولا ينسون محاكم التفتيش التي أزهقت روح غاليلو، ولا ينسون إعدام مكتبات مصر وايران عند فتحهما، ولا مكتبات بغداد في العهد المغولي، ولا مكتبات الأزهر إثر سقوط الحكم الفاطمي، فكل هذه الحوادث لها شخوصها ورجالاتها عملوا ذات الخير وذات الشر، ومن يترك أثرا يبقى اسمه ورسمه وإن غاب جسمه وجسده.
ولا يخبو ضوء الذاكرة عن دائرة كربلاء أبدا، ولا يبتعد عقرب التاريخ عن عاشوراء بتاتا، فواقعة الطف حيث شهادة سيد شباب أهل الجنة وسبط محمد (ص) شاخصة للقريب والبعيد، محفورة في ذاكرة المحب والموالي، وقريبة من أوعية الناس كل الناس، مسلمهم وغير مسلمهم، مؤمنهم وملحدهم، إذ لا يوم كيوم الحسين في كربلاء، ونهضته المباركة معلم من معالم البشرية التي تسقى شجرتها كل حين وآن من ماء الوجود، فهي حركة نابضة أحيت النفوس والأرواح وأزالت الغبش عن البصائر والأبصار، قرأها غاندي في الهند وتعاطاها هوشي منّه في فيتنام، وقبل ذلك تمثلها المسلمون عبر حركات التحرر، ولازالوا، فمركب الحرية يمخر عباب الزمن.
الأسماء اللامعة التي حضرت كربلاء عام 61هـ واستشهدت أو أسرت، وبخاصة من البيت الهاشمي، يواصل المحقق الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي بيان معالمها في الجزء الثاني من (معجم أنصار الحسين – الهاشميون) الصادر العام 2008م في طبعته الأولى عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، في 620 صفحة من القطع الوزيري، بدءاً من حرف الباء وانتهاءاً بحرف العين وفق التسلسل الهجائي.

حديقة الأسماء
من ثوابت العلاقة بين الأب والابن أن يحسن الأول اختيار اسم وليده، لأن الاسم له مداليل كثيرة، وله تأثيرات نفسية تؤثر على مسيرة حامله، ولذلك نجد بعضا يأنس لاسمه وبعضا يحمله على مضض، والبعض الآخر يتوارى من الناس من سوء ما سمّيَ به، ولذلك نجد أن الرسول محمد (ص) غيّر أسماء عدد من الصحابة عندما وجدها لا تتناسب وحال الرجل، أو تتعارض مع الطبيعة الإنسانية بل والعقائدية، فعبد العزى تحول إلى عبد الله، وحزن إلى يسر، وحرب إلى سلم، وعاصية إلى جميلة، فكما يقرأ الكتاب من عنوانه يقرأ المرء من اسمه، على إن هذه التلازم ليس بقاعدة، فالكثير ممن يحمل اسم القوة والعزيمة والشدة كأسد وضرغام وحمزة وعباس، هو أجبن من الجبان إذا حمي الوطيس واشتد الضراب، وهو لا يقوى إلا على الأضعف منه، والكثير ممن يحمل اسم الكرم والبذل ككريم ومعطي هو أشد قبضا لكفه من كف الوليد في ساعاته الأولى.
ومن يقرأ رجالات النهضة الحسينية، يكتشف حرص أهل البيت (ع) على استذكار رجالات الإسلام، من خلال التقيد بإطلاق أسماء محمد وجعفر وحمزة وعبد الله على الأبناء والأحفاد وإن تعددوا في محيط الأسرة الواحدة، ، وقد حلوا إشكالية تعدد الأبناء بعلي الأكبر وعلي الأصغر، أو بمحمد الأكبر ومحمد الأصغر، أو بجعفر الأكبر وجعفر الأصغر، أو بعبد الله الأكبر وعبد الله الأصغر وعبيد الله، وهلم جرا. وهذه إشارة بضرورة إحياء ذكرى رجالات الأمة من خلال إطلاق أسمائهم على الأبناء، ومع تقدم الحضارة الإنسانية واتساع المدينة صارت أسماء الرجال تطلق على الشوارع والأزقة والمؤسسات الرسمية والأهلية، كواحدة من علامات العرفان بالجميل لهذه الشخصيات وجهودها المضنية في تحريك عجلة التطور والنمو والإعمار بأشكالها كافة، وبهذا يكون أهل البيت (ع) الذين هم قدوة البشرية في الخير قد ارسوا مثل هذه الخصلة الحضارية.
ولا أعتقد أن تداول الأسماء داخل الأسرة العلوية كون حمزة بن عبد المطلب هو عم الرسول (ص)، أو لأن جعفر بن أبي طالب هو ابن عم الرسول (ص)، وإلا فان للرسول أعماما آخرين، وإنما لخصوصية في حمزة وجعفر وفاطمة الزهراء (ع) وغيرهم، ودورهم الفاعل في تثبيت أركان الحضارة الإسلامية وأوتادها، هذه الخصوصية هي التي حملت أهل البيت (ع) على استذكار رجالاتها من ذكور وإناث، ولم يقتصر التكريم على أهل البيت (ع) فقط، وإنما امتد إلى المسلمين كافة، فعلى سبيل المثال، فان جعفر الطيار الذي استشهد في معركة مؤتة عام 8هـ، كان يكنى بأبي عبد الله، ولهذا صار كنية كل من تسمى جعفرا (أبو عبد الله)، وحسب المصنف: (وقد درجت تكنية جعفر بأبي عبد الله لمكانة جعفر الطيار عند المسلمين)، كما صارت كنية محمد (أبو قاسم) والمحرفة لدى العراقيين (أبو جاسم) لمكانة النبي محمد (ص) وابنه القاسم، وكنية علي (أبو حسين) وكنية حسين (أبو علي) لمكانة الأئمة علي (ع) وابنه الحسين (ع) وحفيده علي (ع) لدى المسلمين.
على أن التسمية وعدمها ليست بالضرورة أن تحمل إلينا رسالة يؤخذ لها أو عليها كما يقول الفقيه الكرباسي، فأهل البيت (ع) كان عندهم من الأبناء من اسمه أبو بكر وعمر وعثمان إلى جانب عبد الله ومحمد وعلي وجعفر وحمزة ومسلم وغير ذلك، وإنما التسمية كما يضيف: (كانت ولازالت من المساحة التي أخذ الناس فيها حريتهم فهناك الكثير من الشيعة ممن سموا أبناءهم بزياد وعمر ومعاوية وأبي بكر ويزيد وسعد وعثمان وأمثالهم، كما أن هناك الكثير من السنة ممن يسمون أبناءهم بأسماء أئمة أهل البيت (ع) وبأسماء آلهم). وإذا امتنع البعض عن تسمية وليده بهذا الاسم أو ذاك فهو عائد لمشاعر ذاتية، فالكثير يرفض إطلاق اسم (يزيد) على ابنه لأن مشاعره تنطقه برفض التشاكل مع يزيد بن معاوية المتوفى عام 64هـ، الذي أقدم على قتل سيد الشباب الحسين بن علي (ع) مع إن الإسم سبق حمله غير إبن معاوية، بل أن البعض ممن يحب أهل البيت (ع) يرفض إطلاق اسم (زينب) على ابنته دفعا للتشاكل مع السيدة زينب بنت علي (ع) التي لاقت من المصاعب أثناء وبعد استشهاد أخيها الإمام الحسين (ع) ما تعجز عن حملها الجبال الرواسي حتى لقبت بأم المصائب، فهو يظن أنه بذلك يدفع عن وليدته الأذى في شبابها وكهولتها، مع إن السيدة زينب (ع) المتوفاة عام 62هـ لها مكانة سامقة في الإسلام..
فاختيار الإسم مسألة نفسية قد تخضع في جانب منها لخلفيات عقائدية وولائية أو أن تكون خاضعة لاعتبارات تراثية، وقد تكون تخليدا لولي أو عظيم أو حبيب أو نسيب، أو قد تكون اعتباطية لا تميل إلى هذه الشأنية أو تلك، ولكنها في محصلتها النهائية عملية ذوقية تكشف عن مديات الحس المرهف لدى مطلق التسمية، ولذلك: (قل لي ما اسمك أقل لك من سمّاك)، من حيث أن التسمية كاشفة عن وزن عقل مطلق التسمية وميزان ذوقه.

رجال وأدب
مما لا يدركه البعض أن الشعر وبخاصة المنشد في القرون الأولى، له أن يخدم الباحث في علم الرجال، وقلما اعتمده الرجاليون الذين انكبوا على كتب الرجال والسيرة، ولكن المؤلف الذي يسعى إلى اكتشاف المعلومة بحفر جدار التاريخ ولو بإبرة معرفية دقيقة، توجه إلى الشعر لبيان عدد الذين اشتركوا في واقعة كربلاء من أهل البيت (ع) أو من صحابة الإمام الحسين (ع)، فبعض القصائد والمقطوعات أشارت إلى بعض الأسماء المشاركة في ركب النهضة الحسينية، والشعراء وبخاصة القريبون من الحدث إنما ينشدون عن واقع عاشوه أو سمعوه من قريب، فعلى سبيل المثال أوقع ترادف أسماء البيت الهاشمي من آل علي وآل عقيل، علماء الرجال والحديث في حيرة عند فرز الشخصيات، ولكن بالرجوع إلى الشعر ربما يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر المعلومة الصادقة، من ذلك يقول الشاعر سراقة الباهلي المتوفى عام 79هـ في بيان عدد أهل البيت (ع) الذين استشهدوا في كربلاء، فينشد من الخفيف:
عينُ فابكي بعَبرةٍ وعويلِ ** واندُبي إن ندَبتِ آل الرسولِ
سبعةٌ منهم لصلبِ عليٍّ ** قد اُبيدوا وخمسةٌ لعقيلِ
وقيل إن الأبيات وهي ثمانية لسليمان بن قتة العدوي المتوفى عام 126هـ، وقيل لمسلم بن قتيبة الباهلي المتوفى بعد عام 147هـ، لكن المحقق الكرباسي توصل إلى إن البيتين الأوليين هما لابنة عقيل ابن أبي طالب وجاء سليمان أو مسلم وغيَّر في بعض كلماتها وأضاف إليها بعض الأبيات.
وقد يرد البيت باختلاف العدد كقول الكميت بن زيد الأسدي المتوفى عام 126هـ، من السريع:
وستةٌ لا يُتمارى بهم ** بنو عقيلٍ خيرُ فرسانِ
ويبحث المصنف في هذه الأبيات وغيرها لينتهي إلى القول: (ومن هنا يمكن فصل الأبناء عن الأحفاد، أو تخصيص من اشتهر منهم دون غيره أو من بارز منهم دون من قتل دون مبارزة، أو تخصيص الذكر بمن قتل في كربلاء دون من قتل في الكوفة كمسلم بن عقيل، أو من استشهد من الرجال دون النساء وكل هذا وارد، كما إن الاختلاف ربما يكون من رسم الخط أو النساخ وارد أيضا).
وعلى غير عادة أهل الرجال فان الشيخ الكرباسي اعتمد الشعر حتى في ضبط الإسم وجذره، من حيث اللغة والاصطلاح والإعراب، مثال ذلك الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المتوفى عام 92هـ، حيث أورد قول ابن مالك محمد جمال الدين المتوفى عام 672 في ألفيته وأرجوزته لبيان جواز دخول الألف واللام على اسم فاعل أو صفة استخدم علماً كالحسن والحارث:
وبعضُ الأعلامِ عليه دخلا ** لِلَمح ما قد كان عنه نُقلا
كالفعل والحارث والنعمان ** فذكرُ ذا وحذفُهُ سيّان

ملاحظات رجالية
كثيرة هي الملاحظات التي يخرج منها القارئ لهذا الكتاب المنطوي على أسماء كثيرة ومتشابهة، فهناك محمد وعلى جناحيه محمد الأكبر ومحمد الأصغر، وهناك جعفر وجعفر الأكبر وجعفر الأصغر، وهناك عبد الله الأكبر وعبد الله الأصغر، فمثل هذه الأسماء التي ترد في واقعة واحدة، قد يبدو من السهل التعامل معها رجاليا (علم الرجال)، ولكن الصعوبة كامنة في التثبت من هذه الشخصية وتلك، بخاصة وإن كتب التاريخ القريبة من الحدث لم تنجو من زلة الخلط ووهم التصحيف، مما أوقع المتأخرين بما وقع فيه المتقدمون، لكن علم الرجال كأي علم من العلوم لم ينضب معينه، وهو خاضع للملكة العلمية للباحث ومدى قدرته على التنقيب والفرز، وعدم الاتكاء على ما خطه الماضون في كتب الرجال والحديث فقط، وهذا ما فعله الرجالي آية الله الشيخ الكرباسي، في هذا الجزء والجزء الأول وجميع مجلدات دائرة الموسوعة الحسينية الستمائة التي صدر منها حتى يومنا هذا أكثر من خمسين جزءاً.
وما يحصل في الرجال الذين يرد ذكرهم في واقعة الطف، أن المؤلف راح يعيد ترتيب الأوراق الرجالية من جديد مستفيدا من كل حدث والاعتماد على كتب التاريخ والحديث والرجال والسير والمقاتل لدى جميع المدارس الرجالية السنية قبل الشيعية، ويحاول أن يخرج من اسر التقليد الذي ثمل عليه المؤلفون المتأخرون الذين يضطجعون على وسادة التقليد الأعمى، ولا يشمرون عن ساعد التقصي العلمي، وينبهرون أمام الأسماء العلمية الكبيرة، ولا يدركون أن في داخلهم طاقات علمية ربما تفوق طاقات الأقدمين ولهذا فمن توقف قطاره عند محطة الأقدمين فحسب ولم يحرك قاطرة كان حظه من العلم حظ الأقدمين أو أقل من ذلك بكثير، ومن حرك قاطرة جر معه قاطرات أخرى دفعت بالعلوم نحو الأمام، وهذا ما يفعله البحاثة الكرباسي في شبكة الموسوعة الحسينية، ولهذا فان كل مقدمة في باب من أبواب الموسوعة الحسينية الستين هي في واقع الحال فتح علمي وإضافة جديدة، يضع علماء الحاضر والمستقبل أمام تحديات علمية جديدة تصب في صالح مسيرة العلم والعلماء وتخدم البشرية، بخاصة وإن أبواب الموسوعة تنفتح على العشرات من ساحات العلم .

تواضع معرفي
وبقدر ما يمتاز مصنف الكتاب بشدته العلمية وحزمه وتصلبه في التعاطي مع المعلومة، ومعارضته للتقليد وحتى وإن تعالت الأسماء رفعة في سماء العلم، لكنه في الوقت نفسه يتواضع علميا عند عتبة الأستاذ مريدا ومستزيدا، فعلى سبيل المثال يرى على خلاف ما اعتاد عليه الناس أن ميلاد الإمام الحسين (ع) كان في الخامس من شعبان وليس في الثالث منه، ويصر عليه بما آلت إليه تحقيقاته، ومن ذلك أيضا وعلى خلاف ما يشاع بان قبر السيدة فاطمة الزهراء (ع) ظل مخفيا إلى يومنا هذا، توصل عبر تحقيقاته المستفيضة أن قبرها قائم في حجرتها الملاصقة لمرقد النبي محمد (ص)، وتثبت من يوم وفاتها، ويرى أن العمل بخلاف العلم هو إغراء الأمة بالجهل، فلا يجد حرجا من مهاجمة الكتاب المقلدة وهو في بيان شخصية علي الأكبر بن الإمام الحسين بن علي (ع)، فيقول: (إن ادعاءات بعض المتأخرين من الإجماع أو الشهرة أو الاتفاق أو ما شابه ذلك، فانه مجرد ادعاء لا واقع له)، أو أن يقول في رواية واردة في إحدى المصادر المشهورة، فيعلق عليها بالقول: (ولا نعلم من أين له ذلك حيث لم يدعمه بدليل).
لكنه في المقابل يبدى غاية التواضع العلمي، إذا أوسع جهده في مسألة ولم يعثر على مراده أو لم يقتنع بما لديه من مصادر، فعلى سبيل مثال وعند الحديث عن سعيد بن عقيل الهاشمي المتوفى عام 61هـ، يختم القول فيه: (ومن وجود ابن له يتبين أن له من العمر يوم الطف أكثر من عشرين سنة، فإذا تمكنا من تحديد ولادة ابنه اقتربنا من تحديد يوم استشهاده بالطف، ولكن هذا ما لم نتوفق له)، ويبلغ التواضع مداه وهو يتحدث عن شخصية علي بن الحسين السجاد (ع) المتوفى عام 92هـ: (نعتذر من القارئ الكريم سلفا من الذي سنسطره تحت عنوانه الكبير ما هي إلا نبذة اخترناها لا عن خبرة ودراسة، ولا عن معرفة ودراية، علنا نتمكن بذلك من رسم صورة قريبة من الحقيقة، وتصور لا يكون بعيدا كل البعد عن الواقع، راجين من الله جل وعلا أن يسدد خطانا ويعصمنا عن الزلات والخطايا إنه سميع للعباد مجيب للدعاء).

تنقيح المقتل
تعددت المقاتل التي تناولت واقعة كربلاء، ولأن الحدث تقابل فيه جيشان وتبارز فيها الفرسان، فان الخلط وقع في تسمية الرجال وفيمن برز أو قتل أو اسر، وباب معجم الأنصار من الهاشميين وغير الهاشميين هو مناسبة كبيرة نقح فيها البحاثة الكرباسي الرجال الذين حضروا كربلاء فأثبت حضور هذا أو غيابه، وتثبت من شخصية الحاضر منهم، بما يساعد علماء الرجال وأصحاب السير والمقاتل على رسم خارطة سليمة لشجرة الرجال الذين استشهدوا بين يدي الإمام الحسين (ع) أو الذين جرحوا أو اسروا.
كما يلاحظ في الكتاب أن المحقق الكرباسي توصل إلى تاريخ ولادات ووفيات البعض ممن ظلوا في دائرة التردد لقرون طويلة، وتمكن وبضرس قاطع من بيان تاريخهم بما يقطع الشك باليقين.
ولا ينسى المصنف في طيات البحث الرجالي أن يشير إلى عدد من الأبحاث المناقبية والحقائق العلمية والوقائع التاريخية، من قبيل فائدة الزواج من خارج العشيرة والقبيلة والتأكيد عليها لتجنب انتشار الأمراض الأسرية وسرايتها على الأجيال، وتوليد أجيال نشطة وهو في معرض الحديث عن شخصية الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)، فقد زاره جده من أمه منصور بن زيان الفزاري فسأله عمن تزوجها، فاخبره انه تزوج من ابنة عمه، فقال له: (بئس ما صنعت، أما علمت أن الأرحام إذا التقت أضوت كان ينبغي لك أن تتزوج من الغُرب)، وقد أبان العلم الحديث مساوئ الزواج من الأقارب ومحاسن ذلك من خارج الأسرة، ولعل واحدة من المساوئ الصحية، انتقال الأمراض الوراثية وتراكمها في الأجيال الجديدة، في حين يتحسن النسل بالتزاوج من خارج العائلة، وهذا النص التاريخي يشير إلى مدى إدراك العرب القدامى لمسألة طبية وراثية اكتشفها العلم مؤخرا.
كما تثبت المحقق الكرباسي من مشاركة أهل البيت (ع) في معارك الفتوحات الإسلامية التي تلت رحيل النبي محمد (ص)، حيث تأكد لديه مشاركة الكثير من أهل بيت النبي (ص) ودورهم في الدفاع عن الرسالة الإسلامية وبخاصة أمام الدولتين العظميين آنذاك الساسانية والروم.

وللحياة قيمتها
وحتى لا يمر الكتاب دون نظر من علم من الأعلام فقد قرأته شخصية علمية من جنوب أفريقيا، وهو الأستاذ جي جانغبهادور الشهر بـ (جَيْ جَيِ) (J.Jangbahadur) (Jay,Jay)، الهندوسي الديانة، استاذ علم الرياضيات، المقيم في مدينة مريفال (Merrivale)، فأبدى وباللغة السنسكريتية رأيه بالجزء الثاني من معجم الأنصار، فرأى أن الكتاب بما يستعرض من بطولات الفتيان في ساحة الوغى: (يستلهم مثال الشهادة في مواجهة القمع والتعصب)، وإن للحياة قيمتها، وهذا ما يستعبره المرء من حياة الإمام الحسين لأن: (الدروس المستقاة من حياته مرآة تعكس للعالم حقيقة هامة بأن الله وهبنا الحياة حتى نقيم الأمن والسلام) ولذلك: (فرسالة الحسين ليست الكلمات التي تحدث بها فقط، ولكنها الفعل الذي نفعله). وإذا كان الحسين (ع) وقف في عرصات كربلاء وحيدا ينادي هل من ناصر ينصرنا، فان نداءه جال في الأمصار والأزمان حيث: (لاقت الأفكار الإصلاحية التي أطلقها الإمام الحسين احتراما وقبولا من كل المجتمعات والأديان بلحاظ أن الناس تواقون إلى الحق ويقفون بالضد من الظلم وعدم تحقيق العدالة)، وبالتالي قدمت رسالة الحسين (ع) الذي سار على خطى جده محمد (ص) الحقيقة الناصعة: (إن تعاليم النبي محمد وهدى القرآن العظيم تقدمان لنا كأمثلة تنبض بالحياة ترتبط بكل التاريخ الإسلامي وتاريخ العالم)،
ولا يخفي الباحث الجنوب أفريقي (جي جي) إعجابه بصاحب الموسوعة الحسينية لما أتى به ونحن نعيش عصر الماديات وصراع الإرادات، إذ: (في مثل هذه الأجواء، وفي مرحلة التنازع العالمي بين المادية والمثالية، يأتي الشيخ الكرباسي ليعبر عن حبه للإمام الحسين وانشداه إليه ليتحفنا بتعاليم هذا الإمام مقدما أكثر من 600 مجلد في جهد ومحاولة لكشف قيمة الحياة الحرة للناس أجمع).
*إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن