الرئيسية » مقالات » الفنان أحمد مختار …خطوات رصينة نحو الإبداع

الفنان أحمد مختار …خطوات رصينة نحو الإبداع

– لندن – يحق لي البوح بأنني تابعت المختار خطواته الأولى نحو الإبداع، كانت بداياته تنبئ بمستقبل واعد، حيث حبه وولعه بالعود وأنامله التي تتحسسه وتداعبه كالأم التي تداعب طفلها ليغفو، كان شابا آنذاك حين عرفته لأول مرة بعد أن غادر الوطن قبل عشرين عاما، تحدثنا عن الموسيقى وهموم الوطن، واليوم نلتقي لنتحدث عن نفس المواضيع ولكن بصيغة أخرى، فها هو يعد لأسطوانته الرابعة والتي أسمعني بعض المقاطع منها، كما لم تكن هموم الوطن بعيدة عنا بل أنها تحوم حولنا نعيش الغربة والمعاناة ذاتها، عشرون عاما حطت به وبنا الرحال في مدن عدة وتجولنا في محطات عدة مكرهين في أكثر الأحيان، أنه الموسيقي وعازف العود أحمد المختار، تقرأ بطاقته أنه من مواليد بغداد عام 1969م، درس في معهد الفنون الجميلة، قسم الموسيقى- آلة العود، وبعد رحلة طويلة غادر إلى إيران ومنها إلى سوريا، حيث حالفه الحظ ليكمل دراسة الموسيقى في المعهد العالي للموسيقى في دمشق، ومن ثم حصل على دبلوم عالي في تقنيات الموسيقى العالمية من جامعة لندن للموسيقى. ثم حصل على شهادة الماجستير في مركز الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن عن آلة العود والموسيقى الشرق أوسطية، والآن يُدَرس هو آلة العود والإيقاع ونظريات الموسيقى العربية.
قدم العديد من ألأمسيات على آلة العود المنفرد في عدد كبير من العواصم العربية والأوربية، ساهم ويساهم في العديد من المهرجانات والفعاليات والنشاطات الموسيقية المختلفة في العديد من الدول، كما وضع موسيقى تصويرية لبعض الأفلام الوثائقية والبرامج الثقافية، حصل من اتحاد الموسيقيين البريطانيين على جائزة أفضل عازف وأفضل عمل موسيقي غير غربي عام 1999م، كما اختير ضمن ستة عشر موسيقيا من كل أنحاء العالم لإصدار أسطوانة موسيقية لحساب الأمم المتحدة عام 2001م. كما أنه يعد ويقدم برنامجا تلفزيونياً بعنوان (حديث العود)، يتناول فيه الموسيقى وتاريخها ونظرياتها، صدرت له حتى الآن مجموعة “تجوال” وتضم عشر مقطوعات سنة 1997م، و”كلمات” تضم سبع مقطوعات سنة 1999م، “إيقاعات بغداد” تضم ثلاث عشرة مقطوعة سنة 2003م، وها هو يستعد لإصداره الرابع على أمل أن يصدره العام المقبل.

المختار من تلامذة الموسيقار الراحل منير بشير ومن أبناء المدرسة العراقية الحديثة في العزف، غادر العراق بعد أن نشأ فيه وتشبع من ثقافته هناك حيث استهواه العود وبدأ خطواته الأولى معه، متنقلا بين عدة أساتذة يستذكر منهم، “يونس كلو” وهو خريج معهد معلمين، الأستاذ غانم حداد وهو من أفضل الأساتذة. ساهم خلال وجوده في المعهد في بغداد في عدة فعاليات موسيقية تميز فيها، فسافر إلى بولونيا سنة 1987 مع فرقة الموشحات للمساهمة في مهرجان الموسيقى التقليدية حيث كان جميل جرجيس رئيس وقائد الفرقة، بعدها وللظروف غير الطبيعية اضطرته إلى الانقطاع الإجباري عن مواصلة تطوره حتى سنحت له الظروف لمواصلة إبداعه حيث كان لقبوله في المعهد العالي للموسيقى في دمشق فرصة كبيرة استفاد منها كثيراً إذ أطلع على المدارس الموسيقية الأخرى، فكان للأساتذة الأذربيجانيين دور مهم في إطلاعه على موضوع الانسجام والتآلف الصوتي بين عدة آلات موسيقية والتوزيع الموسيقي الأوركسترالي، لما تمتاز به هذه المدرسة من غنى وتطور في هذا المجال، فكان من أساتذته، عارف عبد الله، سليمان علي عسكر، وكان صلحي الوادي عميد المعهد آنذاك، ساهم خلال وجوده هناك في تقديم العديد من الأمسيات، سافر خلالها إلى القاهرة وأوكرانيا لتقديم عروض هناك، يعترف أحمد أن هذه المحطة كانت مرحلة مهمة في إعداده وتطوره. إلى أن حط به المدار في لندن عاصمة الضباب، هنا حيث يقيم الآن والتي وصلها عام 1996م، وسرعان ما أتقن اللغة الإنكليزية حتى شرع يتخصص أكثر في دراسة الموسيقى، ليطلع هنا على التقنيات الغربية في الموسيقى وينال شهادة الماجستير سنة 2004م.
– حدثنا عن التجربة هنا واختلافها عن محطاتك السابقة:
” هنا في أوربا اختلفت البيئة واختلفت التجربة وحتى النظرة إلى الحياة أصبحت بشكل أكثر عمقا وأكثر وعيا، النضج أكثر، حتى التمرين أصبح أقل جهداً من السابق، كما أن الحرية هنا منحتني حرية التفكير والتعبير، فعملي أصبح أكثر غنى، يمكنني أن أختار حتى أخطائي، فأنت هنا مسؤول عن الخطأ وعن الصحيح، هذه الحرية المتاحة ساهمت في تكويني الحقيقي، فلا رقيب خارجي أو داخلي، البيئة الجديدة سمحت لي بإضافات عملية جديدة وإطلاع أكبر على ثقافات وتجارب أخرى من أمريكا اللاتينية وايرلندا، مثلا مقطوعة أفق لا أتمكن من كتابتها في مكان آخر، أصبحت عمليا أكثر ومتأنياً أكثر، لقد أثرت فيّ هذه المرحلة روحيا وذهنياً.”
– ما السر في تميزك عن الآخرين رغم وجود العديد من العازفين على العود:
يجيب، “أنا أنظر الأشياء من الداخل، لا أنتهج المنهج التقليدي للموسيقى، بل أتبع نهجا خاصا مميزا جديدا، أضيف للمنهج، فمن خلال الاحتكاك والتعرف على التجارب والانفتاح على الثقافات الأخرى، حيث كانت لي فرصة الإطلاع على التجارب الموسيقية الإيرانية والتركية المصرية السورية ومن ثم الأوربية، هذه الفرصة كونت لدي إضافات تميزت فيها عن الآخرين، فأنا أتمسك بأسس المدرسة الموسيقية لكنني أعزف بشكل آخر ولا أقلد”.

– أين أحمد بين المجموعة الأولى و الخامسة؟
مشواري بدأ من صوت داخل حسن وعود جميل بشير و نغمات مقام الاوك في جبال كردستان، ومر بأصوات شجريان في إيران والقدود الحلبية و شاميات سوريا و لبنان و امتد مشواري إلى القارة الأوربية ليطوف بعدها في أربع قارات و ليشمل أهم مدنها، مشوار بدأت نغماته من مدينة الثورة ليصل إلى المسرح الوطني البريطاني ودار الأوبرا في روما ومعهد باريس ومسرح اليونسكو، ومهرجان ومياد العالمي في نيويورك. لذا كلما نظرت إلى الوراء أرى أن العمر لم يذهب، و قد حدث فيه الكثير، لكن ما لدي أكثر من ذلك بكثير.
-أخيرا ماذا أو كيف تقيم تجربتك ومشوارك الموسيقي بكلمات قصيرة؟
إذا كان لابد من ذلك، فسأقول أنا مختلف ولم أأت بديلاً لأحد، موسيقاي تبحث عن الأمان والسلام، وأدعو لهما في أعمالي، شعب العراق بكل أطيافه ثروتي الثقافية والموسيقية والعالم أيضا، اعمل على صورته الجميلة الحضارية الراقية، عودي عزف مع أهم الموسيقيين العالمين، و حاكى أهم الشعراء، وعزف مع الاوركسترا السورية والبريطانية و الفرنسية مرتين، مازلت أقدم موسيقى إنسانية عميقة.
لأحيلك إلى رأي مايكل جورج واحد من النقاد المتخصصين حيث كتب في صحيفة الاندبندنت البريطانية يقول:
“لا يزال مختار يحافظ على تلك التصانيف والقوانين الموسيقية. قد يكون العود من أصعب الآلات الموسيقية عزفاً، لكن مختار العازف البارع يستخرج منه سحراً ويجعله يحلم ويعدو كفرس، أو يهدر كالرعد، حتى لحظات الصمت الفاصلة ضمن المقطوعة تصبح مؤثرة على يديه وكأنها تقول لنا شيئاً ما، يمتلك رشاقة بالأصابع ومرونة بالريشة عالية، والأهم، لم يحول العود إلى آلة جيتار”.
الفنان أحمد يمتلك مخزونا كبيرا يحتاج إلى التأمل ليقدمه بأفضل صورة، فهو يستلهم أعماله من التراث الموسيقي العراقي الغني، أعماله تحاول تجسيد تراث العراق من شماله إلى جنوبه.
يحاول دائما أن يطور قدراته وينمي إبداعه، وبخطوات رصينة، نأمل أن تكلل بالنجاح دائماً.