الرئيسية » مقالات » ملابسات مقابلة بريمر للوفد الايزيدي عام 2003

ملابسات مقابلة بريمر للوفد الايزيدي عام 2003

ملاحظات أولية:
كثيرة هي القضايا المهمة التي تنسج في الخفاء أثناء مسيرة الانسان والمجتمعات، والقليل منها يظهر للعيان في حينها، وأن المستفيد منها في الغالب هي اقل من التي كان من المفروض بها ان تستثمر. فالفرص قلما تتكرر بنفس الدرجة من الاهلية والظروف، ولكن دقة استثمارها تعتمد على كفاءة وحيوية وإخلاص الاشخاص المعنيين بتلك المرحلة ومدى امكانيتهم في الاستفادة منها لتحقيق وثبة باتجاه الامام.
ولكي يكون كلامي واضحاً والمجتمع الايزيدي على إطلاع لبعض ما جرى في بداية عام ،2003 والتي كان لنا المساهمة في بعضها بشكل أو بآخر. وللبعض الاخر من الشخصيات الايزيدية دورها الحيوي والايجابي الذي لا يخلو ايضاً من الدور السلبي والمصالح الشخصية على حساب المستقبل. وهنا سوف نلقي الضوء على ملابسات ما جرى بخصوص مقابلة السيد بريمر للوفد الايزيدي في نهاية عام 2003، كإحدى المحطات الحيوية في الراهن الايزيدي، ونود أن نبيّن الدور الذي أدّاه كل منا فيه ومقدار مساهمته.
في ظهيرة إحدى أيام حزيران 2003، رجعت من السوق لمكتبي في الفيصلية بالموصل وإذا بقصاصة ورق مكتوب فيها سلام وتحية من اللواء حسين مرعان، يدعوني فيها لزيارته في بحزاني وبالتحديد في منزل القوال سليمان لانه لم يجدني في الموصل. ذهبت في نفس اليوم، حيث لم أكن اعرف اللواء حسين، ولم نكن قد التقينا من قبل. وبعد الترحيب والسلام قال؛ أنا جئت من أمريكا مع فريق إعمار العراق ونريد أن نعمل ما بوسعنا في هذا المجال وخاصة فيما يتعلق بمجتعنا الايزيدي كجزء من الشعب العراقي، مما رفع من درجة اشتياقي لمطلبه ودعوته.
عمل الرجل بكل إخلاص وبدون رتوش ولكنه في رأيي كان عمله بحاجة إلى تنضيج المواقف بشكل ادق واستشارة اكثر قبل القرار للإحاطة بجوانب وملابسات الامور. وكان دائم التواصل مع السيد Dick Nab المسئول عن الادارة المدنية لقوات التحالف ومقره في فندق اوبروي بالموصل. دخل في عدة نقاشات ساخنة مع المسئول الامريكي حول حقوق الايزيدية وكنا (أنا كاتب المقال، ودكتور مجدل نواف واللواء حسين)، في الغالب نلتقي آنذاك ونتواصل بالحديث مع المسئول الامريكي.
وفي مفارقة بخصوص مزار محمد رشان في مجمع مهد، نقل إلينا السيد جلال سليمان (المشرف على ترميمات المزار آنذاك)، بأن المسئول الكردي في الشيخان وبوجود السيد باسل جوقي قائممقام الشيخان قال بالنص: “نحن سنكسر ايادي وارجل الذي يقترب من حرم محمد رشان”، وقال بأني رديت عليه بأن هذا الامر اكبر من أن تستطيع كسر ايدينا ورجلينا ولم ينطق بمثل هذا الكلام والتهديد رجل من سلطة البعث. وعندما عرض اللواء حسين هذا الامر على المسئول الامريكي بصيغة وكأنه يقول بأن الامريكان مقصرين تجاه الايزيدية، زاد الدكتور مجدل من حماسه عندما قال بأن الامريكان لم يقدموا اية خدمة للإيزيديين.
أنتفض المسئول الامريكي وعبر عن غضبه بشدة وقال: حسين مرعان؛ ألم ازيح بقدمي سيطرة الاكراد التي تقود إلى مجمع شارية أمامك؟ ثم اقول لك بأنك اليوم ضابط أمريكي، ولك صلاحيات واسعة وتقدر تدخل على محافظ دهوك وتطلب منه ما تريد كشخص امريكي وليس كعراقي. وإذا لم يستجب فسوف أدخل أنا لفاضل ميراني ويتم تصحيح ما تريد من اخطاء، وإذا لم يقم بواجبه سافتح لك باب السيد مسعود برزاني وتطلب منه امامي ما تريد، فماذا تريدون أكثر من هذا؟. ولكنه قام بغضب وقال باني لا اريد اسمعكم ثاني وطلب من أحد مساعدية أن يكمل اللقاء معنا. وقد حصلت العديد من المفارقات، ولكن لم تكن بأهمية الموضوع الذي سأطرحة فيما يلي.

البداية والتهيوء
قبل المغرب بدقائق من عصر يوم 15/9/2003، رن جرس البيت في حي صدام بالموصل، وما أن خرجت حتى أرى اللواء حسين مرعان (أبو حميد) واقفاً امام الباب. وبعدما سلمت عليه وهنئته بسلامة الوصول من بغداد، طلبت منه الدخول إلى الدار، إلا إنه رفض وبدلا من ذلك طلب مني أن البس بسرعة وأذهب معه إلى المجموعة الثقافية لإرسال رسالة إلى مكتب السيد بريمر رئيس الادارة المدنية لقوات التحالف.
أثناء السير باتجاه المجموعة الثقافية استفسرت من أبو حميد عما حقق من زيارته لبغداد ومقابلة السيد بريمر. قال لي؛ السيد بريمر طلب مني تهيئة وفد إيزيدي مكون من ثلاثة أشخاص لعرض موضوع الايزيدية عليه بشكل رسمي وأتخاذ موقف بشأنه. فقلت، خيرا فعلت وبوركت جهودك ولكن ما المطلوب الان؛ قال، سوف تكتب رسالة وتسمي الوفد الذي سيقابل بريمر. قلت له ومن هم الذين سيقابلونه؟ قال أنا اختاريت سمو الامير تحسين بك والعميد جلال حسن والدكتور مجدل نواف. فقلت له هل اتصلت بهم؟ قال نعم. قلت له لقد استعجلت يا ابا حميد لأنه هناك بعض الاشكاليات التي ستحصل لأن العميد جلال كان عضو فرقة، والدكتور مجدل ليس مرغوبا فيه عند الحزب الديمقراطي الكردستاني، ولكن ابو حميد لم يعر كثير اهتمام بالموضوع لأنه كان واثقاً من وعد بريمر لتسميته الوفد على حسب ما فوضه بهذا الامر.
في اليوم التالي 16/9/2003 فتحت بريدي الالكتروني وإذا بالاجابة من مكتب بريمر على رسالتي تقول: لقد مررت رسالتك إلى السيد بريمر وحين يطلب مني الموقف بناءً على اجندته، سابلغك بقدوم الوفد للمقابلة.
في نهاية سبتمبر/2003، زار وزير الدفاع الامريكي دونالد رامزفيلد العراق وزار خلالها القطعات العسكرية في تكريت والموصل وبغداد وغيرها وبالطبع كان السيد بريمر منشغلا بتلك الزيارة على حسب ما بلّغنا به السيد “ديك ناب” Dick Nab المسئول المدني للإدارة المدنية لقوات التحالف في الموصل كما اسلفت، حيث كان اللواء حسين في اتصال مباشر معه والاستفسار عن كل ما يخص الشأن الايزيدي وكان الرجل متعاوناً معنا، لا بل كان متعاطفاً وكان يقول دوماً إذا تريدون أن تأخذوا حقكم، فعليكم بأن يمثلكم حزب سياسي.
وقد استمر هذا الحال بدون نتيجة لفترة أكثر من شهر ونصف. وفي أحد الليالي كنت مع اللواء حسين في شقته بالمجموعة الثقافية بالموصل وصعدنا فوق البناية واتصل اللواء حسين بالمانيا، وبالتحديد ب بير سعيد مراد للإستفسار عن حالهم واوضاعهم. وفجأة تغيرت نبرة وحدة الكلام وبدا الغضب على ملامح اللواء حسين نتيجة كلام سمعه من بير سعيد وصاح؛ تعال يا شيخ علي ولاحظ ما يجري في هذا الكون من خبائث. فقلت له خيراً يا أبوحميد؛ قال كلاماً معينا وعبر عن تعاسة ما تم التخطيط له وافتهم بأن مساعيه قد راحت في إتجاه غير ما رسم له هو.
ملابسات ما بعد ذلك.
لقد تم خلال زيارة رامزفيلد وانشغال بريمر بمرافقته وتدخل القيادات الكردية وخاصة في الحزب الديمقراطي الردستاني بتغيير ترتيب ذلك اللقاء، حاولوا إفشاله بكل الطرق والسبل وتغيير وجهته إلى حيث فيه مضرة الايزيديين. وأن الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يفشل مثل هذه المساعي والمدعوم كرديا، وبلا حدود هو السيد خدر سليمان حيث كان آنذاك في المانيا. وفعلاً في اليوم التالي من تلك المخابرة طار السيدان خدر سليمان والدكتور ممو عثمان والتقوا في كردستان بقائممقامي سنجار والشيخان كل من السيدين دخيل قاسم حسون وباسل جوقي على التوالي، وكان اللقاء في بيت بابكر الزيباري في دهوك بعد أن تم ترتيب الامر بدقة.
أتصل السيد بابكر بسمو الامير تحسين بك وطلب منه الحضور إلى مسكنه لامر ضروري (هنا، سمو الامير لم يكن يعلم بالامر لحين أن وصل إلى هناك). وبعد الترحيب الحار من قبل بابكر، وضح له مغزى طلبه لقدوم سموه وقال له بأنك ستذهب إلى بغداد لمقابلة بريمر. وعندما رد سمو الامير عليه، ومن هم الوفد الذي سيرافقني، وعن ماذا؟ قال له بابكر، السادة الافاضل الجالسين وهم: خدر سليمان، دكتور ممو، باسل جوقي ودخيل قاسم حسون. فتعصب تحسين بك وقال له: أأنا سوف أذهب مع هؤلاء (الق……)؟ عندها قام السيد بابكر وهدأ من عصبية سمو الامير وقال له انت أميرنا وكبيرنا وكلنا بحاجة إلى مواقفك وتطلب القيادة الكردية منك أن تلبي هذا الطلب. من المعلوم أصبح لسمو الامير علم بأن هذا اللقاء سيكون نيابةً عن اللقاء الذي رتبه اللواء حسين ولكن تم تحريفه باتجاه آخر وهو بدلا من أن يكون الوفد إيزيدياً ويمثل خصوصيتهم، أصبح وفداً كردياً حزبياً ليس له سوى تنفيذ المخطط حسب الاملاءات على حساب بني قومهم.
بعد هذه الصدمة التي تلقاها تحسين بك رجع إلى الموصل ليستشير ويستجمع الاراء حول هذا الامر، فالتقى في مسكنه الكائن في حي البعث بالموصل بكل من السادة فاروق بك والعميد جلال واللواء حسين مرعان صاحب المبادرة التي أفشلوها وعلى حد علمي كان المهندس الياس سليمان من ضمن الموجودين (#). أخذ سمو الامير تحسين بك بشرح الموقف أمام الحضور وأستطلع آراءهم قائلاً؛ إن ذهبت مع الوفد الإيزيدي فستغضب القيادة الكردية، وإن ذهبت مع الوفد الكردي فسأغضب الايزيديين.
سأل في البداية الامير فاروق عن ما يراه صائباً في هذا الشأن؛ فرد فاروق بك وقال له: مادام وعدت بان تذهب (وهو لم يوعد، ولكن فاروق بك برر له ذلك وهوّن عليه الامر)، فمن الصعب أن تتراجع وارى بأنه من الحكمة أن تذهب مع الوفد الذي سماه الحزب وهو الرأي الذي أراه صحيحاً. وقال بما يشبه ذلك العميد جلال حيث قال: الرأي لك ياسمو الامير وانت ادرى بما هو في خدمة مستقبل الايزيدية. ولكن اللواء حسين مرعان كان واضحا جدا وقال له: أقول لسموك بأن اليوم هو يوم المصير وعليك أن تعرف بأن الايزيدية يحتاجون قراراً جريئاً وأرى بأنك يجب أن تقاطع هذه الزيارة التي تم الترتيب لها مع الاسف، فنحن لسنا ضد المصلحة العليا الكردية ولكن لنا خصوصيتنا التي يجب أن نحافظ عليها ونعززها وهي ليست ضد المصلحة الكردية العليا ، وأنك بهذه الزيارة ستثبت لنا تلك الخصوصية. فإذا ذهبت مع هذا الوفد تكون قد جنيت على نفسك وتبرأت من بني قومك لصالح الغير.
عليه، فلقد أختار سمو الامير تحسين بك الخيار الاول وذهب مع الوفد الكردي وقابلوا بريمر وعندما سألهم بريمر عن واقعهم، قالوا له بأننا أكراد ونريد أن نبقى ضمن الاقليم. فقال لهم بريمر، إذن حقوقكم عند الاكراد وليس لكم حق آخر والسلام.
فهذا هو الدور المرسوم للسيد خدر سليمان وذاك هو الدور المرسوم للسيد محما خليل وأمين جيجو وليس للسادة أعضاء برلمان كردستان من دور لانهم فقط موافقون على حق غير موجود وباطل مستفحل حد العظم. فلا حول ولا قوة للوزراء المساكين، وتم تلجِيم دور الامير وقيد دور الأخيار ودمروا دور الاحزاب والمنظمات غير الحزبية، وآستشرى الفساد في كل مرفق. ولكن لله في كل شيء إرادة والزمن كفيل بتغيير كل شيء، وحسب مايقول المثل العامي “الكفر يدوم، والظلم لا يدوم، وإذا دام دمّر”، فالنصيحة لم تكن بالفلوس، ولم يمضِ عليها سوى أعوام، ولكن هل من مستمع ومستفيد من النصيحة الساطعة؟. ومن الله التوفيق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(#): أرجو من السيد اللواء حسين مرعان أن يصحح إن كان هناك خطأ في تبيان موقف أو له شأن في توضيح بعض مالم نوفق فيه.

علي سيدو رشو
القاهرة في 18/11/2008