الرئيسية » مقالات » الشبيبة العراقية..الواقع والتحديات!

الشبيبة العراقية..الواقع والتحديات!

“ان احوال العالم والامم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر،انما هي على اختلاف الايام والازمنة،انتقال من حال الى حال”
يمشي الفقير وكل شئ ضده..
حتى الكلاب اذا رأته عابرا
نبحت عليه وكشرت انيابها
وان رأت يوما غنيا ماشيا
هرعت اليه وحركت اذنابها!
لم تـأت الطائفية السياسية من التعدد الاثني والعرقي والمذهبي بل من سلوك الحكام وطبيعة المعادلات السياسية التي تتحكم في عقولهم،وهي معادلات تقوم على فكرة التفرد في السلطة وتحويل الناس الى خول وعبيد وتابعين.العبث الطائفي والعشائري نابع من المعادلات الصبيانية المدمرة الساعية الى تمزيق النسيج المنطقي للاحداث كي لا يجري الامساك بالاسباب والمبررات فتهوي وتضيع في غموض الصدفة والوعي.وتتسم الطائفية السياسية اليوم في بلادنا باصطناع المثل السياسية على قدر حجمها وامتلاك الباع الطويل من القرارات والاجراءات غير المدروسة الغرض منها هو الادعاء بالديمقراطية وتواجد المجتمع المدني والتغني بهما،لكنه لم يقدم شيئا اذ لم يخرج ذلك عن ممارسة التكتيك السياسي والمناورة الوهمية في اطار الوقاحة الانتخابية والدعاية الرخيصة واشاعة اسلحة الكذب والخداع الشامل!،والايحاء بتنشيط المجتمع المدني وتفعيل الديمقراطية شعارا لاغراض التنفيس والاستهلاكية،ولغوا وسفسطة كأن الشعب العراقي بات تلميذا اما في كتاتيب الاسلام الطائفي السياسي وروزخونيته او في مدرسة واشنطن التأديبية.قرارات واجراءات لا تدل سوى على التزمت والجهل المطبق والقصور في فهم ماهية المنظمات غير الحكومية والحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني،وقرع جرس الانذار مجددا عن جهد واع وتصميم مسبق لسياسات تحويل ابناء الشعب الى قطيع من الارقاء مغسولي الادمغة يسهل تسخيرهم لخدمة السلطات الحاكمة الجديدة والى بوق في الفيلق المهلل لها.
منذ قرابة السنوات الاربعة عودنا الثنائي السيخورمي(نسبة الى الصحيفة الكاريكاتيرية الكردستانية سيخورمة)او ما شاكل- الجعفري والمالكي ومن وراءهما الاديب والحكيم وبطانة الائتلاف العراقي الموحد على عقد المؤتمرات الموسعة لمختلف الشرائح الاجتماعية المؤلفة للشعب العراقي بداعي المصالحة الوطنية وتلمس المشكلات عن كثب والتفاهم لحل المشكلات في البلاد،ومن اجل الوصول الى حلول عديدة توفر خيارات متعددة لصناع القرار لمعالجة الازمات التي تفرض نفسها في الواقع السياسي والاجتماعي العراقي..مؤتمرات للقوى السياسية،وللمؤسسة العشائرية،ولمنظمات المجتمع المدني،وللمجالس البلدية،وللطلاب والشبيبة..الخ….آخرها ملتقى الشباب الثاني الذي اقامته مؤسسة الشباب العراقي يوم السبت 15/11/2008 تحت شعار(الشباب نهر عطاء دائم يصب في زهو العراق) والذي جرى برعاية ابراهيم الجعفري رئيس الوزراء الاسبق المعروف بتلعثمه بين كل جملة واخرى بالعبارة المحبذة له(او ما شاكل)وذو الخطاب الضبابي والنفعي والمتخبط واللاهوتي المتسم بطغيان الخجل البورجوازي.
كما توقع الجميع،الذين حضروا المؤتمرات والذين قاطعوها،كان مضاعفة اسماء الشخصيات التي تحضر المؤتمرات للايحاء بتنشيط المجتمع المدني وتفعيل الديمقراطية يدل برسوخ ان الديمقراطية مغيبة،والمجتمع المدني في خبر كان!للافتقاد الى النماذج السياسية المجربة بعد افتضاح امر التدخلات الاقليمية في الشأن العراقي،وخطل شعوذة حكام طهران ودمشق وبقية الجوقة الشرق اوسطية!
تعكس الشبيبة فسيفساء التنوع الآيديولوجي والفلسفي والسياسي والطبقي للشعب العراقي وهي تشق طريقها وسط عماء الفوضى الفكرية والمستقبل الغامض،والدخان السياسي الزائف الذي خلقته مخلفات دكتاتورية(صدام حسين)وحروبها الكارثية وآثار الاحتلال الاميركي،والشبيبة هي الشريحة الاكثر ديناميكية وفعالية في المجتمع،حيث يمثل الشباب دون سن الرابعة والعشرين حوالي نصف المجتمع العراقي..وتسهم الشبيبة العراقية اليوم في اعادة اعمار العراق وتأسيس الدولة العراقية الجديدة والهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية ذات العلاقة،والاسهام الجاد في تأسيس المؤسساتية المدنية،والتطلع الى عراق حر مستقل وشعب سعيد.لقد بذلت القوى المعادية للتقدم الاجتماعي في بلادنا الجهد لتغييب مكتسبات الشبيبة الديمقراطية طيلة العقود المنصرمة عبر اغراق الوطن بدخان كوارثها واشاعة الاوضاع الاستثنائية،وكبح النشاطات الاحتجاجية،والحط بالدولة الى مستوى العشيرة والطائفة والعائلة،وتشجيع الفوضى وتجاوز القانون،وتصديع القيم الاخلاقية والاجتماعية وادخال البلاد في المتاهات المتجددة،آخرها متاهات الشعوذة الروزخونية.
يمكن تأشير اهم ملامح واقع الشبيبة في بلادنا وصعوباته في المرحلة الراهنة:
• تواجه الشبيبة مشاكل السكن والبطالة والفقر والعنف والهجرة والاخطار البيئية وفجوات توزيع الدخل والركود الاقتصادي،ونتائج هوس الحروب والعسكرة والتعريب والتبعيث والطائفية وحمل السلاح(الهوس الميليشياتي)،وتفاقم السخط ازاء افتضاح اساليب الليبرالية الجديدة والعولمة الرأسمالية،الى جانب البراغماتية والانانية التي تستهلك قادة حركتها وعموم الحركات الاجتماعية!كما تعاني من تنوع الاتحادات و المنظمات الشبابية،وارتباط بعضها بالاحزاب السياسية ذات الطابع الطائفي والقومي،واعتمادها اسلوب الاغراء(المادي و المعنوي)لكسب الاعضاء.
• من المخاطر المتوقعة ان منظمات الشبيبة،حالها حال المنظمات غير الحكومية،تتحول الى جزء من الآلة السياسية،همها ليس الدفاع عن حقوق الشباب،ولكن دعم السلطات الحاكمة وموالاتها،بل ان هذه المنظمات قد تنقسم الى معسكرات سياسية وجماعات ضغط متنافسة،كل منها يناور من اجل الحصول عل المزيد من المنافع!.ويتجسد التدخل الحكومي في الشأن الشبابي بدوام فعل القرار المرقم 8750 الذي يحرم به الاتحادات والنقابات والجمعيات المهنية من فرصة الحصول على الدعم المادي لانشطتها المشروعة،والقرارات اللاحقة الخاصة بايقاف الحركة الانتخابية النقابية في العراق الى اجل غير مسمى بحجة اعداد دساتير ولوائح داخلية وبرامج عمل تنسجم مع مرحلة ما بعد الدكتاتورية،وحل كافة الادارات والمجالس المؤقتة للنقابات والجمعيات.
• الشبيبة العمالية اكثر فئات الشعب تضررا،ولازالت القوانين والمراسيم التي شرعها العهد الكتاتوري السابق الخاصة بارباب العمل والغاء الحقوق النقابية في قطاع الدولة سارية المفعول،الى جانب عشرات القوانين والاجراءات والقرارات التي اتخذها النظام السابق صوب الخصخصة أعوام 1968 – 2003 وقانون نظم ادارة الشركات المرقم 22 لعام 1997!
• الشبيبة الفلاحية تعاني من التشريعات الصدامية الارتدادية التي شرعنت لتشجيع الرأسمال الخاص والاجهاز على المكتسبات الفلاحية وتعميم فوضى العلاقات والسوق الزراعية.
• تحصر ادلجة المنظمات الشبيبية مشاركة الشباب في الحياة السياسية على حساب المشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والاهتمام بقضايا اساسية مثل التمييز القومي والطائفي والمذهبي والاثني وحماية البيئة والسلم الاهلي والعالمي،وهي مهمة الشبيبة على اختلاف مواقعها الاجتماعية وبالاخص المعدمة منها!
• تلعب الاسرة والبيئة الاجتماعية ادوارها المشهودة في صقل وتشذيب وعي الشبيبة العراقية.
• ظهور اجيال من الشبيبة ذي اهتمامات سطحية وكثيرة الانفعال وحدية المزاج والتوتر والقلق النفسي والتأثر بالاشاعات وعديمة الشعور بالمسؤولية،تبريرية واتكالية وضائعة،مستهترة ولاابالية،متقاعسة وخاملة،محبطة وفاقدة الامل وتتسم بالروح العدمية،ضعيفة الانتماء الوطني،متأثرة بعض مجاميعها بالاطروحات الطائفية والعشائرية الجديدة،تلهث للسفر الى الخارج وراء مغريات الحضارة الغربية وهربا من جحيم الكوارث ومستعدة لاجتراح المغامرات والسير نحو المجهول!وتزيد الجناسة وتوسع حرية الاختيار للنساء وتفاقم المعضلات الاسرية من استقلالية الشباب والانفصال عن الاسر في اعمار مبكرة لتكوين الدخول الخاصة بهم،وتجعلهم اكثر اشتياقا لهويات جديدة!
• ليس المستقبل متعلق فقط بالمنظمات الشبابية بل ايضا بمنظمات الاطفال،لان الاطفال ليسوا هم الذين يختارون بل آباؤهم!ووجب النضال من اجل حقوق الاطفال التي تنتهك يوميا دون رادع،وتنمية ادب الاطفال الذي خطا قدما الى الامام بعيد ثورة 14 تموز 1958 ثم خبى نجمه!والغاء قرار مجلس قيادة الثورة رقم 368 الصادر بتاريخ 9/9/1990 الذي نص على السماح بتشغيل الاحداث التي لا تقل اعمارهم عن الثانية عشرة في مشاريع القطاع الخاص والمختلط والتعاوني.كما وجب عدم اقحام الدين في حياة الاطفال في كل الظروف والاحوال،وحظر ضرب ومعاقبة الاطفال جسديا وفرض اشد العقوبات على مرتكبي هذه الجرائم بحقهم،منع فرض الحجاب الاسلامي وتزويج الفتيات باعمار الطفولة واعتبار مرتكبي هذه الافعال مجرمين يجب تقديمهم الى المحاكمة لتلقي العقوبات دون رحمة.كما وجب اصلاح واعادة تأهيل الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والصحة والتغذية والمياه وصحة البيئة وحماية الطفل.
• وقوع المرأة الشابة ضحية التطرف والأفكار المتخلفة وتدهور الامن والوضع الأقتصادي مما ادى الى غياب شبه كامل لدورها المؤثر الى جانب قلة الزيجات وارتفاع نسب الطلاق في صفوف الشبيبة ارتباطا بالأوضاع الأقتصادية والأمنية،وهو ما اضاف بعدا آخر للازمة التي تعيشها المرأة،خصوصا الشابة،والامر الذي بات يهدد العائلة العراقية.من المهم ترسيم الحقوق المتساوية للمرأة العراقية في تشريعات دستورية واضحة على هدى اللائحة الدولية لحقوق الانسان ووضع اتفاقية تحريم التمييز ضد النساء موضع التطبيق الحي وتأمين مشاركتها الواسعة غير المشروطة في عملية اعادة البناء والمسيرة الديمقراطية ولتذليل الكابوس المخيف الذي تعيشه المرأة في عراق اليوم!
• تعاني الشبيبة العراقية من الثقافة الاستهلاكية وسلعها دون حصانة ذاتية،فاتحة باب الهلاك نحو الاستهلاك غير الواعي والكماليات،انها ظاهرة مرادفة للقمع والتبعية وانعدام المؤسسات الديمقراطية.
• تتفق المعلوماتية والتدفق المعرفي- التكنولوجي الهائل مع روح الشبيبة التي تحمل اعماق المستقبل والجديد ورؤية العصر،ويحفز الكمبيوتر والانترنيت التفكير الانساني نحو الافضل ويعطيه دفعة نحو الامام!
• ولدت بطالة الشباب فيالق التسول التي تزدحم بها ازقة المدن العراقية لانها مهنة رابحة!
• لا يلقي ايتام العراق رعاية خاصة،بل ان عددا كبيرا منهم لم يذهب الى المدرسة بسبب سوء اوضاع عائلاتهم المادية ما يدفع بعضهم الى العمل في مهن مختلفة،ويقدر عدد الايتام في العراق ممن تقل اعمارهم عن 18 عاما بقرابة مليون طفل،ثلث هذا الرقم اصبحوا ايتاما بعد الاحتلال الامريكي للعراق بسبب الهجمات المسلحة التي نفذها الجيش الأمريكي واعمال العنف المستمرة في العراق فيما كان الباقون قد فقدوا آباءهم في حروب سابقة او خلال الحصار.
• تعاني الشبيبة العراقية من تردي الاوضاع الصحية في البلاد ارتباطا ببقاء قرارات صدام حسين حول مبادئ السوق في المستشفيات العامة ووجوب تحول المراكز الصحية الى وحدات للتمويل الذاتي سارية المفعول.
• ادت الازمات الاجتمااقتصادية المستفحلة بالشباب الى التسرب من الخدمات والواجبات الالزامية بل والفشل قي الحياة الدراسية والاحباطات العلمية وعرقلة الابداع وانتعاش الامية والافكار الدينية المحافظة والسلفية وانتشار الزيف والتزييف ليشمل ذلك حتى الوعي الديني!
• انحسار المنتديات الشبابية والرياضية والترفيهية والمكتبات العامة بسبب ضعف الدعم المادي والارهاب.
• الميل للابتعاد عن الثقافة بسبب الازمات الاجتمااقتصادية المستفحلة الامر الذي احل التنافر وحتى الازدراء بين الاجيال بدل الاحترام وجعل التقصير في توجيه الجيل الحاضر ذنبا في ذمة الاجيال السابقة،وتوسع الهوة بين الثقافة السلطوية وثقافة المجتمع المدني،وتفاقم ازمة التعليم،وسيادة الازدواجية التربوية اي شيوع النصوص التعليمية المكتوبة دون السعي الى مراعاة معدلات الاستيعاب والمزاج الطلابي.
• شيوع الفكر اللاعقلاني الغيبي والمعتقدات الوهمية الخرافية وظاهرة الاولياء والتنجيم والخرافة والدروشة والسحر وقراءة الفنجان والشعوذة والموقف من الماضي والتاريخ،وكون الارزاق مقسمة من عند الله وموضوعات(تفاءلوا بالخير تجدوه)و(الكسل واللاابالية سبب الفقر).
• لكل فئات الشبيبة الواعية والسلفية والحيادية مشاكلها وهمومها،الحياديون ايجابيون وسلبيون حسب البيئة الاجتماعية ومنحى التطور الاجتمااقتصادي وميزان القوى السياسية والطبقية.
• الشبيبة الجامعية اكثر من غيرها تحسسا لمشاكل الاوضاع الاكاديمية والمناهج التعليمية والتدريسية وانتقادا لها”طالما يدير الجامعات الملاكون ورجال الاعمال والدين سيبقى الجيل الفتي اعمى وجاهل!”،واكثر اندفاعا الى الحركة والعمل والاثارة!
• العمل الديمقراطي الحق يعارض فكرة اطراء الشباب وتملقهم والسكوت عن اخطاءهم،ويؤكد على التحلي بالصبر ازاء اخطاء الشبيبة ونواقصها ومعالجة مشاكلهم بالاقناع لا الصراخ والتهريج والخطب الانشائية الفارغة!
• التقاليد الثورية تحنك الناس وبالاخص الشباب،الامر الذي يؤكد حاجة الشبيبة لتجربة المناضلين المحنكين ضد الاضطهاد والاستغلال للتغلب على مظاهر قلة النضوج السياسي!وحاجتها كي تربط تثقيفها ودراستها وتدريبها بعمل العمال والفلاحين.
لا تحل القضية الشبابية الا باشاعة ثقافة الأمل والتنوير والاسهام الفعال في اعادة اعمار العراق الجديد،لا عراق الظلام والتخلف والشلل والخنوع.وتسعى الشبيبة الديمقراطية العراقية الى غرس مبادئ الوطن للجميع والدين لله،العمل باخلاص لخير المجتمع،الاهتمام بحماية الثروة العامة وتنميتها،عدم التسامح حيال الاخلال بالمصالح العامة،الروح الجماعية،العلاقات الانسانية والاحترام المتبادل،الاستقامة والصدق والصفاء الاخلاقي والبساطة والتواضع قي الحياة العامة والشخصية،احترام العائلة وتربية الاطفال،مكافحة الفساد،الصداقة والاخوة والتضامن بين الشعوب،ثقافة السلام!

18/11/2008