الرئيسية » مقالات » هل يختار الأكراد عربيا … رئيسا لكوردستان…؟؟

هل يختار الأكراد عربيا … رئيسا لكوردستان…؟؟

لقد سبق الشعب العراقي الشعب الأمريكي في اختياره رئيسا عراقيا ذي أصول غير عربية ، خمس سنوات قبل أن يختار هو السيد أوباما ذي الأصول الأفريقية رئيسا للولايات المتحدة. لقد أحدث خبر انتخاب السيد أوباما رئيسا للولايات المتحدة صدى عارما في العالم أجمع ، باعتباره سابقة جد غريبة في مجتمع عرف بعنصريته المتأصلة ضد الملونين وبخاصة السود منهم. لكن سابقة اختيار الشعب العراقي كرديا رئيسا له ، لم يحظى من الإعلام العربي والعالمي بومضة اهتمام ، ومر أختياره وكأنه حدثا عاديا. لكنه قوبل في وسط الحكام العرب بصدمة وعدم تصديق ساذجين ، فهم الذين اعتمروا الغترة البيضاء و العكال أبا عن جد ، معتقدين أن من لم يلبس لباسهم لا يصلح للحكم ، ولا يمكن أن ينتمي إلى جامعتهم العربية. وحسب قناعتهم البدوية لا يمكن أن يكون رئيسا لإحدى دولهم غيرعربي ، حتى لو كان أكثر علما منهم ، وأفصح بعربيته لغة ، وأشمل في تعدديته الثقافية ، وأكثر تمرسا في السياسة وحبائلها. و بعد خمس سنوات من قيادة السفينة العراقية ، وسط عواصف لو كانت قد هبت على احدى دولهم العربية لجعلتها أثرا بعد عين. كما أثبتت زعامة الكردي العراقي ، خطأ التصور القائم في أوساط رسمية وشعبية ، بأن العراق لا يمكن أن يحكم ويستقر إلا بسلطة ديكتاتور قمعي ، مدعومة بقوة الجيش والبوليس السري. ووجوده على رأس السلطة في العراق ، أثبت حقيقة أخرى ، وهي أن التداول السلمي للسلطة ممكن في دولنا ، وإن من بين العراقيين من غير العرب ، يوجد رجال وطنيون أكفاء يستطيعون قيادة بلدهم بجدارة ، دون أن يكونوا من العسكر أو من الشيوخ الإقطاعيين القساة.

وربما قريبا ، سنكون شهودا على اليوم الذي يختار فيه الشعب الكردي رئيسا له من بين الأقليات التي تسكن معه كردستان العراق. فكما نعرف أن العرب بمختلف طوائفهم ، والتركمان والمسيحيين بمختلف انتماءاتهم ، والأيزيديين والصابئة والشبك ، يشاركون أخوتهم الأكراد في العيش والعمل ، ويتعاونون في كل شؤون الحياة ، وتقاسموا دائما الخيرات والسلام والأمن والجمال الذي وفرته لهم بسخاء جبال وسهول ووديان كوردستان. وعبر التاريخ ، تحملوا كما تحمل أكراد كوردستان جور الإقطاعيين وظلم السلطات ، وفي العهد السابق خاصة ، تعرضوا للقهر والتهجير ، وحرموا من ممتلكاتهم ومصادر رزقهم ، وعانوا معا من حرب الإبادة سواء بالأسلحة الكيماوية أو بغيرها ، ولم يفرق في ذلك بين كردي أو غير كردي ، شيخا أو طفلا امرأة أو رجلا. فهل ينظر الشعب الكردي إلى شركائه في السراء والضراء نظرة مساواة ، و يعترف لهم بحقوقهم كما واجباتهم ، أسوة به كمواطنين من دون تمييز؟.

وفي عالم اليوم الذي يشهد تطورات مذهلة في مبادئ حقوق الإنسان ، والتي تجسدها تجربة الحكم الديمقراطية في كردستان ، و بناء على تجربة حكم الرئيس الطلباني للعراق ، وبعد تجربة الانتخابات الأمريكية الأخيرة ، سيكون منطقيا اختيار مواطنا غير كردي ليتبوأ منصب رئيس إقليم كوردستان. ولا أرى غرابة في أن يكون هذا المواطن عربيا من ناحية طويريج ، أو من حديثة أو من كركوك المختلطة ، مسلما كان أو غير مسلم. ومن المنطلق نفسه ، قد نرى أيزيديا رئيسا لوزراء الإقليم بدل السيد نيجرفان برزاني بعد انتهاء فترة حكمه. ولا أجد سببا يمنع مواطنا صابئيا ، أو شبكيا كفء ، نزيها ومثقفا ، مخلصا لشعب كردستان وأرضها وللعراق وشعبه ، أن يتبوأ أي منصب رفيع في الدولة العراقية. في العهد الملكي والجمهوري تبوء ممثلوا أقليات قومية ودينية مناصب رفيعة في الدولة ، وأثبتوا كفاءة ومصداقية منقطعة النظير. فكان لنا وزيرا يهوديا للمالية ، ووزيرا للداخلية كرديا ، ورئيسا صابئيا لجامعة بغداد ، ورؤساء وزارات ووزراء من أصول من أصول تركية عثمانية.

لقد سالت دماء جميع مكونات الشعب العراقي على جبهات الحرب ، وفي ساحات النضال الوطنية ، ضد القمع والديكتاتورية ، ودفاعا عن كل الوطن العراقي وليس عن بقعة تراب محددة منه. وليس من قاعدة أخلاقية أو مسوغ ديني أو نص دستوري ، يجيز لأي مسئول حكومي أو قوة سياسية ، أن تختزل حقوق ممثلي الأقليات لكونهم أقلية كما فعل مجلس النواب العراقي أخيرا. وليس مقبولا سياسيا ولا دستوريا أن ينظر أو يعامل أبناء الأقليات كمواطنين من الدرجات الدنيا بعد العرب والأكراد ، ومذهبيا بعد الشيعة والسنة ،ودينيا بعد المسلمين ، وهي قاعدة فاشية عنصرية أسقطتها قوى السلم والتحرر إلى غير رجعة ، مع أن مواطنتهم العراقية التي يعتزون بها ، هي أقدم من مواطنة العرب والمسلمين العراقيين على الإطلاق.

إن الأوان قد حان لإعادة النظر بكل اللوائح والقوانين الانتخابية التي تكرس العنصرية والطائفية والتعصب الديني في بلادنا ، وأن يعزز لا يختزل ، حق الاختيار الحر لمواطني العراق كافة ، في انتخاب قادتهم بدون تمييز، بصرف النظر عن القومية أو الجنس او اللقب أو منطقة السكن والعمل. وعلى القوى السياسية العربية أو الكردية أن تفكر طويلا ، وتحتكم للعقل والحكمة ، قبل أن تبحث في عائدية التراب كونه كورديا في خانقين ، أو عربيا في ديالى و مسيحيا وأيزيديا في بعشيقة في ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها. إثارة القوى السياسية الحاكمة موضوعا كهذا في الظرف الحالي أو في أي ظرف آخر، ومطالباتهم بضم هذا المتر من الأرض إلى تلك الساحة ، وتلك الشجرة من الغابة إلى ذلك الرصيف من الزقاق ، أمور تقشعر لها الكرامة ، ولا تجلب غير النحس والشؤم لمجتمعات تلك المناطق ، التي تعايشت مع بعضها عبر القرون ، بألفة وتعاون فريدين ، دون توجيه أو إكراه من أحد

ما يخشى من وراء ما يقال عن تلك المناطق المختلطة ، هو نزعة عنصرية ، وتعصب بدائي ، ورجعي و متخلف ، سواء جائت من الأكراد أو العرب. فالمواطن وليس هم من يختار أسلوب حياته ، ومحل سكناه و جيرانه ، أو مهنته ، أو أصدقائه ، أو مختار محلته ، أو ممثله في مجلس المحافظة ومجلس النواب. عليهم أن يتركوا المواطن دون وصاية أو ضغط أو تهديد أو تمييز، لتبقى تلك المناطق لأهلها مختلطة كما هي ، رمزا للوئام والتعايش السلمي بين أبناء العراق كافة.

علي ألأسدي