الرئيسية » مقالات » الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة الامريكية، دروس وعبر

الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة الامريكية، دروس وعبر

لابد لي في البداية من اذكر القراء بما اوردته في مقالتي السابقة الموسومة (الموقف العراقي من اوباما بين اندفاع الحكومة العراقية وكياسة الزيباري) فلقد اشرت في هذه المقالة الى ان ادارة الرئيس بوش لن تخرج من السلطة وهي خالية الوفاض، وهو ما تحقق اليوم بتوقيع الاتفاقية الأمنية بين وزير الخارجية العراقي السيد الزيباري وبين السفير الأمريكي كروكر، اذ ان الرؤيا التي بنت عليها اطراف عراقية مواقفها تجاه مشروع الاتفاقية اثبت الوقت انها رؤيا غير سليمة، وان تحذيرات الزيباري وقراءته العقلانية للاحداث والتطورات السياسية اثبتت صحة قراءته السليمة والرصينة للواقع السياسي العراقي والدولي، وللاسف الشديد كان ممكن للعراق ان يحقق مكاسب أفضل لو تكاتفت الجهود السياسية وتم تعضيد الوفد الفني لوزارة الخارجية والذي يعود له الفضل الأساس في تحقيق أفضل مكاسب ممكنة للعراق.. ان التجاذبات السياسية التي حدثت لدى الفاعلين السياسيين في العراق أضرت في واقع الأمر بالموقف العراقي والذي بدا متشرذما الى أقصى الحدود، الأمر الذي اضر بالموقف التفاوضي للعراق، ورغم قبول الجانب الأمريكي لبعض التعديلات التي طالب بها رئيس الوزراء السيد المالكي الا ان هذه التعديلات في حقيقتها تبدو شكلية اقرب الى كونها تعديلات جذرية، حتى موضوع تحديد موعد لانسحاب القوات الأمريكية هو في واقع الأمر أمر غير صحيح اذ انه سيعطي الفرصة المناسبة للجهات المعادية للسلطة العراقية بان ترتب إستراتيجيتها العسكرية وفقا لهذا التاريخ، اذ قد تلجئ حتى الدول الساندة للمليشيات كايران والتي رحبت بتوقيع الاتفاقية الى تهدئة أدواتها السياسية والعكسرية في العراق بغرض فرز واقع امني يعطي انطباع زائف وغير حقيقي عن تقدم امني ونجاحات تحسب للقوات العراقية لتمهيد الطريق امام الانسحاب الأمريكي والذي بحدوثه ستصبح القوات العراقية في مواجهة الواقع الفعلي الحقيقي على الأرض وستظهر عندها مدى نجاحها من عدمه ولكن المشكلة حينها ستكون ان القوات الأمريكية انسحبت ولن تعود لحماية احد وبالتالي يترك كل فريق في العراق لمصيره وسيكون الضحية الأول هو الشعب العراقي والذي سيدفع غاليا ثمن الانسحاب الأمريكي المعلن عنه مسبقا، حقيقة الأمر ان تحديد تواريخ للانسحاب والذي أتى نتيجة صراعات سياسية عراقية عكس الى حد بعيد ضعف الرؤيا الإستراتيجية للقيادات السياسية العراقية، ورغم كل محاولات وزير الخارجية العراقي للتنبيه من مخاطر انسحاب القوات الأمريكية ورغم تصريحات وزيري الدفاع والداخلية العراقيين والتي أظهرت بوضوح عجز القوة العسكرية العراقية عن تولي المسؤولية الأمنية الفعلية في العراق في المدى المنظور، ورغم تصريح الصريح للسيد البرزاني والذي أيد بقاء القوات الأمريكية في العراق في قواعد عسكرية يكون وجودها رادعا للجهات المعادية للعراق من العبث بأمن وسيادة العراق وسلامة اراضيه، الا ان المزايدات السياسية تعالت والغوغاء السياسية فرضت نفسها على العقلانية والقراءة الموضوعية للواقع الأمني والسياسي للعراق، بل ان بعض القوى السياسية القريبة من السيد المالكي سربت تصريحات بأن المالكي لا يريد توقيع الاتفاق الأمني مع إدارة بوش وسيرحل الموضوع لإدارة اوباما وانه يرغب بانسحاب أمريكي فوري، في واقع الامر جملة من المزايدات والمهاترات والتصريحات التي قد توصف بالعنترية والغير مبنية على أساس متين أدت في نهاية المطاف الى الإقرار بان موقف وزير الخارجية العراقي صحيحا وان السيد المالكي ومؤيديه قد تمادوا في تصورهم لمدى مساحة الاستقلال السياسي الممنوح للعراق، حيث ان تهديد مباشر وقوي لإدارة بوش بوقف المعونات ووقف فوري للمساندة العسكرية الأمريكية أدى الى انهيار امني سريع لجبهة بغداد الأمنية وادى الى تراكض سياسي من قبل رئيس الوزراء العراقي السيد المالكي ومؤيديه لقبول الاتفاقية واختزال حتى الإجراءات الدستورية العراقية للتوقيع على الاتفاقية بل ان رئيس الوزراء السيد المالكي وفريقه التفاوضي اعاد موضوع الاتفاقية والتوقيع عليها لوزير الخارجية العراقي السيد الزيباري في محاولة على ما يبدو للاستفادة من علاقات الزيباري الحسنة بالإدارة الأمريكية لاقرار الاتفاقية الأمنية مع حث الجانب الأمريكي على تخريج الموضوع بطريقة مناسبة لحفظ ماء وجه السيد المالكي، وهو الأمر الذي ظهر جليا من خلال التصريح الذي أدلى به قبل أيام قلائل الرئيس العراقي جلال الطالباني والذي يتمتع هو الاخر بعلاقات حسنة بالجانب الامريكي حيث حث الطالباني الرئيس الأمريكي بوش على قبول تعديلات المالكي في محاكاة صريحة لنظرية حفظ ماء الوجه، والخلاصة التي حدثت ان الاتفاق وقع وبالشكل الذي توصل الوفد الفني لوزارة الخارجية العراقية وان الاضرار السياسية والامنية التي واكبت الصراع السياسي الذي حدث اثناء عملية التفاوض أدت في مجملها الى اضعاف الموقف السياسي والأمني للحكومة العراقية، وربما يكون المالكي شخص محظوظ الى حد بعيد بوزير خارجيته والذي لعب ولمرات متعددة دور المنقذ الوحيد والملاذ الامن الذي تلتجئ اليه الحكومة العراقية عندما تتساقط بسبب عثراتها السياسية المتكررة، ويقيني ان الزيباري والذي تمكن وببراعة من اعادة تجميع الخيوط التفاوضية في يده بعد ان شتتها المالكي وفريقه تمكن ايضا من ان يتلافى الى أقصى حد ممكن الاضرار التي اصابت الموقف التفاوضي للعراق….. يبقى ان ما حدث اعده شخصيا تجربة يجب ان يستفيد منها الفاعلين السياسيين في العراق، اذ ان عملية التشرذم في اتخاذ القرار أظهرت بوضوح بالغ ان العراق ما زال يفتقد الى وجود كيان مؤسساتي رصين يحكم الدولة العراقية، وهو الامر الذي ساهم الى حد بعيد في زيادة كمية ونوعيه في حجم المزايدات والمهاترات السياسية وادى في بعض المراحل الى قيام جهات سياسية مقربة من رئيس الوزراء بطعن المفاوض الفني العراقي من الخلف ووصل الامر بالوفد الفني الى ان يفاوض على الجبهة الأمريكية ويتلقى الطعنات من الجبهة الداخلية العراقية، طعنات ادت في مجملها الى تحجيم المكاسب التي كان من الممكن ان يتم تحقيقها لو تراصت صفوف القيادة العراقية وراء وفدها الفني المفاوض ووزير خارجيتها…. ان ما حدث يمكن ان يلخص بكلمة قصيرة وهي ان العراق يفتقد الى دولة مؤسساتية وان قسما من ساسته يفتقدون للنضج السياسي، تجربة صعبه عانى منها الجميع وافرزت اتفاق جيد كان من الممكن ان يكون افضل، ان الاهم في هذه التجربة هي العبر والدروس المستفادة، والامل هو يستفيد رئيس الوزراء العراقي اولا ومؤيديه من الاخطاء التي اقترفوها والتي اضرت بموقف العراق التفاوضي، وان مرحلة تطبيق الاتفاق هي اخطر واصعب خصوصا ومع وجود العديد من الفقرات المبهمة في الاتفاقية والتي ستحال الى لجنة مشتركة ستشكل لاحقا لتطبيق الاتفاقية وتفسير بنودها، وهذه المرة لا مجال لتكرار الأخطاء، خصوصا وان اوباما في تقديري سيكون أقسى في تعامله مع القادة العراقيين من سلفه بوشن فاوباما قادم بوعود سياسية واقتصادية ولن يتوانى عن ترك القادة العراقيين في مهب الريح ليواجهوا قوى إرهابية وربما إقليمية قد تؤدي الى تدميرهم وتدمير العراق في نهاية المطاف، وعليه فالحذر والارتكان الى حكمة وزير الخارجية العراقي السيد الزيباري ورؤيته السليمه للاحداث الدولية قد تكون في واقع الامر طوق النجاة الاخير المتبقي للحكومة العراقية في مواجهة عاصفة اوباما السياسية المقبلة والتي بدت بوادرها تلوح في الافق من خلال التشاور السياسي الذي بدأ يقوم به اوباما مع قادة الحزب الجمهوري لفرز موقف أمريكي موحد تجاه القيادة السياسية العراقية….وحقيقة ارى ان فرص المالكي نفذت، وبالتالي فلا مجال لاي خطأ مستقبلي ولو كان بسيط…

*كاتب وخبير قانوني عراقي.