الرئيسية » مقالات » العراق : ازدحام في المشكلات…. وشحة في الحلول!

العراق : ازدحام في المشكلات…. وشحة في الحلول!

لم يكن العراق يوماً دون مشكلات .. وهو أمر طبيعي ولا يقتصر الأمر على العراق بل هي سمة عامة تواجه جميع المجتمعات وأن اختلفت في طبيعتها وأسباب ظهورها وسبل معالجتها والقدرة على حلها. ويعتبر العراق بحق بلد التعدد القومي والديني والمذهبي وتعدد الأفكار , إضافة إلى أنه محاط بجيران أقوياء لهم امتدادات ومصالح في العراق ويتدخلون يومياً بالشأن العراقي. ومثل هذه تؤكد دون أدنى ريب نشوء تعدد في المواقف والمصالح والإرادات والرغبات والتعبير عن الامتدادات الفكرية والسياسية لدول الجوار. والسؤال المشروع يتلخص بالنسبة للعراق هو : كيف تواجه الحكومة العراقية هذه المشكلات وكيف تعالجها إنطلاقاً من مصالح العراق الأساسية؟
حين تشكلت حكومة المالكي على أنقاض حكومة الجعفري المفرطة بالطائفية السياسية والتي لم أبخل عليها ببيت الشعر المعروف:
أي طرطرا تطرطري تقدمي تأخـري
وزارة من گركري يرأسها الجعفـري
توقعت أن يلعب رئيس الوزراء الجديد , رغم كونه من نفس الحزب وكان نائباً للجعفري , بسبب الظروف والمستجدات في الساحة السياسية العراقية. وكتبت عن ذلك وتمنيت له النجاح في الابتعاد عن الهوية الحزبية والطائفية التي ينتمي إلیها وان ينتهج سياسة وطنية تستند إلى قاعدة المواطنة الحرة والمتساوية , إذ بدون ذلك لن يستقيم الأمر للعراق الديمقراطي المنشود ابداً. وحقق الرجل نجاحات طيبة في مكافحة مليشيات جيش المهدي الإرهابية الدموية التي عاثت في البلاد فساداً وموتاً ودماراً والتي لا تزال تهدد العراق بالويل والثبور. وكان هذا الإجراء السياسي الإيجابي قد ساهم في تعزيز موقع رئيس الوزراء في العراق ومنحه تأييداً طيباً دون أن يكون هناك توقيعاً على ورقة تأييد بيضاء له , بل قترن بما يمارسه من سياسات.
وكان موقفه من تعديلات الاتفاقية العراقية إيجابياً أيضاً ومقترنةً بضمانات استقلال القرار العراقي وسيادته الوطنية , بالرغم من كل الضغوط الإيرانية والسورية وغيرها التي مورست عليه. ولكن مع مرور الوقت نشأ وضع جديد يستوجب رؤية نقدية لما يجري في العراق , إذ نواجه ازدحاماً فعلياً في المشاكل وتحركاً بطيئاً لمعالجتها. سأحاول هنا أن أمر على بعض المسائل التي تستوجب الرؤية النقدية الصريحة.
في الوقت الذي تتحدث الكثير من القوى المشاركة في العملية السياسية عن تحسن في مستوى الأمن في العراق , نشير إلى صواب هذه المقولة بشكل عام , إذ لم يعد الموت يحصد المئات يومياً , ولكن نطرح تحفظاً كبيراً هو أن أجهزة الأمن والشرطة المسؤولة عن الأمن لم تحقق ما يفترض الوصول إليه , إذ لا يزال الواقع بعيداً عن توفير الأمن والسلام للعراقيات والعراقيين , أي لا يزال العراق بحاجة إلى عمل وجهد كبيرين ودءوبين من أجل نشر الأمن فعلياً في العراق. فيومياً ينهض البغداديون صباحاً على أنباء وقوع عمليات انتحارية هنا وهناك وموت عشرات العراقيات والعراقيين , إضافة إلى سقوط مئات الجرحى والمعوقين والخسائر المادية. وفي الموصل هجرت الآف العائلات المسيحية من ديارهم والقتل لا يزال يحصد بعضهم , ولا يزال البعض منهم يأتي نهاراً ليعمل في الموصل ويعود ليلاً لينام في قرى وقصبات الموصل خشية القتل كما حصل للأختين المسيحيتين الشهيدتين اللتين اغتيلتا أخيراً وهن في دارهن في الموصل.
وفي الوقت الذي لا تزال تهديدات مقتدى الصدر تصل إلى أسماع الحكومة بزج بعض ميليشياته المسلحة صوب القتل في حالة موافقة الحكومة العراقية ومجلس النواب على الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة , وفي الوقت الذي لم تنته الدولة في التخلص من كل المليشيات المسلحة , بدأ رئيس الحكومة بتشكيل مليشياته المسلحة الخاصة التي أصبحت تسمى بـ “مجالس الأسناد” العشائرية والتي ترتبط مباشرة بقيادة حزب الدعوة (جناح المالكي – الأديب) لمواجهة ميليشيات فيلق بدر وجيش المهدي , بدلاً من تعزيز القوات المسلحة العراقية بقوى وطنية عراقية غير طائفية سياسية , مما يطرح في الساحة السياسية إشكالية الصراع والنزاع الدموي المحتمل في مدن غير قليلة من محافظات العراق , وخاصة في فترة التحضير لانتخابات مجالس المحافظات. وهي تذكرنا دون أدنى ريب بقطعان الجحوش التي شكلها صدام حسين في مواجهة الحركة التحررية الكردية المسلحة وقبل ذاك سميت من النظم التي سبقت صدام حسين باسم “الفرسان” أولاً ومن ثم بـ “افواج الدفاع الوطني”. وقد اثارت مشكلة جديدة مع التحالف الكردستاني بسبب بدء تشكيلها في كركوك أيضاً , في حين بدأت ميليشيات فيلق بدر ورئيسها هادي العامري بالتظاهر في محافظات مختلفة ضد مجالس الاسناد العشائرية.
وفي الوقت الذي لا تزال هناك مشكلات مع الإقليم بشأن مجموعة من القضايا المختلف عليها بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية , وبدلاً من طرح مشروعات قوانين تنظم هذه العلاقة في ضوء الدستور ووفق ما يتفق عليه في مجلس النواب العراقي , طرح رئيس الوزراء مهمة إعادة النظر في الدستور وشخص بشكل خاص موضوع الصلاحيات والواجبات بين افقليم والحكومة الاتحادية. لا شك في ضرورة وجود قوانين تنظم هذه الصلاحيات وليس بالضرورة إجراء تعديل في الدستور , إذ أن هناك فعلاً تجاوزات من الإقليم على صلاحيات الحكومة الاتحادية , والتي أشرت إليها في مقالات سابقة , وخاصة في مجال عقود النفط أو العلاقات الدولية والسياسة الخارجية , ولكن يمكن تحديد تلك الصلاحيات في قوانين يعدها مجلس الوزراء أو لجان خاصة تقدم إلى المجلس النيابي العراقي لإقرارها , وبالتالي وضع حد للتجاوز من الطرفين على الطرف الآخر , كما يمكن الذهاب إلى المحكمة الاتحادية للبت في ما يختلف عليه في الوقت الحاضر إلى حين إنجاز القوانين المطلوبة.
وفي الوقت الذي يجري الحديث عن حرية الصحافة والديمقراطية في العراق , نواجه صدور تصريحات من مسئولين في الحكومة ومجلس النواب تتناقض مع هذه الحرية وتتجاوز على بنود ومضمون الدستور العراقي. إليكم أمثلة على ذلك:
تهديدات رئيس الوزراء للصحفيين , غضافة على إهمال توفير الحماية لهم , ثم الحديث عن “مكب نفايات” , ويعني به “مجمع قمامة” لكل ما ينشر في مواقع الإنترنيت من أفكار ومقالات ومقترحات ونقدات للوضع في العراق.
منع رئيس مجلس النواب إدخال مجلة “الأسبوعية” إلى مجلس النواب العراقي لأنها كتبت مقالا انتقدت فيه رئيس المجلس أو قضية ما , مما يؤكد غياب الوعي بمفهوم الحرية وعدم احترام حرية الصحافة , وكأن الرجل المشوش يتعامل مع مجلس النواب وكأنه بيته الخاص أو عيادة طب الأسنان التي كان يعمل بها ويحق لهمنع دخول المجلة إلى بيته وعيادته. وفي ضوء هذا التصرف غير المنعقل وغير العقلاني يمكن أن نتوقع تصرفات مماثلة من نواب آخرين , حسب قول الشاعر العراقي :
إذا كان رب البيت بالدف ناقر فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
بعد فترة وجيزة من منع مجلة الأسبوعية , قام نائب رئيس المجلس عارف طيفور بإصادر أمر بمنع مراسل قناة الحرة من الدخول إلى مجلس النواب العراق أنه نشر خبراً عن مشادة مع أحد نواب المجلس من الأخو الأيزيدية , وكأن المجلس النيابي بيته الخاص ويحق له طرد من يشاء دون العودة إلى مجلس الناب أو دون العودة إلى النظام الداخلي لهذا المجلس!
وفي الوقت الذي تعاني نسبة عالية جداً من السكان من بطالة وفقر مدقع وعوز دائم ونقص شديد أو عدم وجود ماء صالح للشرب وانقطاع التيار الكهربائي ونسبة مهمة من البنات والأولاد خارج صفوف الدراسة ويتسكعون في الشوارع في جمع الأعقاب أو التفتيش في القمامة لما يسد الرمق أو الحصل على عمل أو التعرض لاغتصاب جنسي من معدومي الذمة والضمير ومن عصابات الجريمة المنظمة , يزداد في الوقت نفسه ثقل جيوب مجموعة غير قليلة من المحيطين بالحكم وأصحاب المقاولات والمتعاقدين في كافة انحاء العراق دون أن تظهر للمجتمع نتائج عمل لجان النزاهة وملاحقة الفاسدين والمفسدين , الراشين والمرتشين مالياً بعد أن هرب من احتمال الانتقام السيد راضي الراضي , الرئيس السابق للجنة النزاهة في العراق .
وفي الوقت الذي يجري الحديث عن رفض الطائفية وضرورة التخلص من هذا البعبع المهلك الذي اغتصب مفهوم الوطن والمواطنة المتساوية والعادلة , الذي كان قد اغُتصب قبل ذاك في عهد صدام حسين ايضاً , نلاحظ استمرار العمل بمفهوم الطائفية السياسية في أجهزة الدولة ابتداءً من مكاتب رئيس مجلس الورزاء والوزراء والوزارات والمديريات والمؤسسات …الخ , إذ ليس هناك أي تغيير في هذا المجال. فإلغاء الطائفية لا ينتهي بالحديث عنها ورفضها بل بالعمل الفعلي المباشر ضدها. ويمكن أن ينطبق هذا على الوزارات التي هي بيد التحالف الكردستاني التي يشار إلى انها تضم إليها في الغالب الأعم أغلبية كردية. وهي التي يفترض أن تعالج المسألة لصالح الوطن والمواطنة.
المطالبة بدولة قوية ليسعيباً ولا أمراً خاطئاً , ولكن السؤال ماذا نريد من هذه الدولة القوية , وهل هي قوية بمؤسساتها الشرعية وتطبيق بنود الدستور في مواجهة المشكلات العراقية وفي إصدار القوانين المنظمة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعلاقات الإدارية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وإدارات المحافظات بحيث لا تتحول الدولة القوية المنشودة إلى استبداد وقهر وصراع ونزاع ودماء تسيل على أرض العراق.
الدولة الاتحادية المدنية والديمقراطية الحديثة هي هدف الجميع , وهذا يعني قوية بتشريعاتها الديمقراطية وسياساتها التنفيذية المعبرة عن مصالح جميع مكونات الشعب والقادرة على تحقيق الوحدة العضوية بين سياسة الإقليم والمحافظات مع سياسة الحكومة الاتحادية وحل المشكلات والخلافات عبر المفاوضات والحوار السلمي وبآليات ديمقراطية حددها الدستور العراقي وليس بغير ذلك. كما أن من واجب الإقليم والمحافظات السعي للتنسيق العقلاني الفعال مع الحكومة الاتحادية في مختلف المواقف والسياسات , إذ أن ذلك يخدم العراق ومصالحه , ويفترض أن نسعى للتوفيق بين المصالح وليس بالتعارض.

17/11/2008 كاظم حبيب