الرئيسية » مقالات » المعيبر والبلام أسرار الأنهار والاهوار وحكايتها

المعيبر والبلام أسرار الأنهار والاهوار وحكايتها

تبرز وسائط النقل في كل العهود لتجمع بين طبائع مختلفة تغلفها الملاحظة وحياة تبهت صورتها على مر الزمن تغيب الأشكال أو تتبدل وتبقى المعاني طافية على سطح ذاكرة الأجيال ففي زمن ما اكتنفته البساطة الخضراء أو الفحولة الجرداء كان النهر واسطة مشاعة للتنقل شارك به أبناء الريف في محافظة ميسان سائر أبناء الجنوب واختصوا بأشياء منه لقد تطورت وسائل النقل المائي رويدا رويدا وإزاء ذلك حافظت الوسائط القديمة على بقائها بعناد غريب انك ترى القارب الصغير ينزلق بقوة ساعي راكبه وترى شراع يميل إلى الغروب وترى عبارة تهدر وجنيبة غاطسة بحملها فرض الامتداد الشاسع للاهوار الجنوب وصعوبة اختراقها فانفرد أبناء ريفنا الجميل بالاعتماد الأساسي على المشاحيف والزوارق والقوارب والماطورات الآلية والشختور الآلي ولا ننسى الطرادة وشكلها الغريب من هذه وحركاتها الخفيفة بين موجات مياه الأنهار والاهوار لذلك كانت ميسان القديمة قد احتفظت بخزين ثر من الموروث النهري التي نسجت له الحكايات الشعبية انك تقترب قليلا من ضفة نهر دجلة لترى المعيبرجي المكدود والبسوم هذا الذي غيب دوره ظهور الجسور الحديثة أقواس الحجر التي تسقط ظلها الثقيل على صفحة الماء ها انه يأخذك اليوم في نزهة نهرية فيشع وجهك بالسرور ومن حولك تصدح الطيور وتفوح الأدغال بالروائح الندية يذكرك المعبرجي بأسماء أصحابه الأقدمين المرحوم حسين بارد والحاج ربيع وخلف الطيار وحنتوش وغيرهم تطوف أشباحهم على تموجات دجلة الأبدية وتذهب أصداء أصواتهم بين القرى هاهم يرسمون بقواربهم الى الضفاف الغافية بينما آخرون الى المدينة الكبيرة العمارة ينزلون قبالة سوق العمارة الكبير يتبضعون يصرفون نهارهم هنا وهناك ثم يعودون يملؤهم شجن الليل يصفعون وجه النهر الحبيب الذي ربما خانهم يوما بالمجاذيف ويغرسون مرادفيهم الطويلة في أحشائها يقيم أهالي الريف إعراسهم على مقربة من النهر ولعل في ذلك شيئا يعود الى موروث بابلي أو مندائي أو أي شي أخر يجتمع الأقرباء وأبناء القرية ويتولون نقل العروس الى قرية أخرى في زفة عارمة وسط تصاعد الهلاهيل والأهازيج والضرب على الدفوف ولكن لا يمكن أن تتم زفة عرس من دون إطلاق عيارات نارية والخطر محدق بخيرة الأبناء ولطالما أردى رصاص الأفراح العريسين قتيلين فيشرب النهر من دمائهم وكان من بين الأهازيج المحببة للنفوس في العمارة(شارب ماي عمارة اسمر وين مربه) ويتنادى الصيادون بأهزوجة(مشحوفي طر الهور والفالة بيدي) ومن الأغنيات الشعبية(يمعيبر ولك عبرني) تتعدد وسائل النقل النهري ترى بعضها ما زال يرسو ساكنا الى الضفاف وترى المركب يستعد للانطلاق في رحلة قد تطول بين مدن الجنوب حاملا الغلة وما يدره النهر والبضائع التجارية وكان يقبع في مؤخرته قفص كبير تحبس فيه الديكة والدجاج ولعل الركاب يجدون فائدة في صياح الديكة الذي يذكرهم بمواعيد الصلاة لكنك ترى أيضا تنور مسجرا يعد فيه الخبز وخلال تفريغ الحمولة ونقلها الى السوق الكبير يجتمع التجار في مقهاهم المعروف بمقهى التجار الواقع في بداية السوق إن مراسي عديدة تقع على ضفاف نهر دجلة وتفرعاتها في أقضية ونواحي الميمونة والمشرح والسلام والمجر الكبير وقرى الهدام وأم كعيده والدويمة وقرى الكحلاء والعزير حيث تقوم الماطورات الآلية بنقل الناس والبضائع بين هذه المناطق حيث يروم هذه المدن عشرات السياح من بغداد والمحافظات الأخرى قاصدين اهوار الصحين والصيكل واهوار أخرى يقضون أوقاتهم الجميلة للنزهة والتمتع بمناظر الاهوار والمياه العذبة وأسراب الطيور والنوارس والصيادين .