الرئيسية » التراث » دراسة مقارنة _ في ملحمة خاني الخالدة مم وزين القسم الاول

دراسة مقارنة _ في ملحمة خاني الخالدة مم وزين القسم الاول

استجابة للنداء الذي وجهه الاستاذ محمد أمين بوز ارسلان باعتبار عام 1995م عام خاني ومم وزين..تنادت الهيئات والمنظمات والشخصيات الكوردية لتجسيد ذلك النداء فكان ان تداعت الى حلقات وندوات ادبية .. وما استرعى الانتباه برأيي ان اغلب النشاطات التي قدمت لم تتجاوز طابع الاحتفال الكرنفالي ..
وان استطاعت بعض الاعمال التقرب من خاني في بعض من توجهاته _ القومية مثلا _ لتبقى عملية الولوج في قلب الملحمة ومحاولة فك رموزها طلسما يعصى على الفهم _ او لعل معظمهم _ واحدد هنا وبرأيي _ النسق الاول الذي عاصر خاني أو تلاه مباشرة . ليبقى الهلام / الطلسم يلف ما أراده خاني في ابعاده ورموزه .. فهل هو الخوف عليه _ أي خاني _ من سوء التفسير فيجري له ماجرى ل _ ابن الباجريقي _ بسبب ملحمته المشهورة بالملحمة الباجريقية والذي حكم عليه بالموت من قبل عدة مدارس دينية عائدة لمذاهب اسلامية متعددة (1) ؟ او تراه عجزا او قصورا في الفهم والاستيعاب ؟ وهذا ما اشك فيه واحدد ميلي الى الرأي الاول كون الملحمة بقيت لسنين طويلة معتكفة في المدارس الدينية المنتشرة في ربوع كردستان ، متبنية من قبل رجال الدين فيها …
وعود على بدء ، واختصارا لهذه المقدمة أقول: ان اجراء اي دراسة في اي جانب كانت كي تكون كاملة ولسبر ابعادها ومكنوناتها لابد من الارتكاز على علوم متعددة مساعدة لا سيما اذا كان موضوع الدراسة ملحمة شعبية تمتد جذورها وتتقاطع وبقوة في عمق الفلكلور الشعبي القديم .. وقبل ان احدد المفاصل لهذا العرض الخاص سأقف على البعد الاركولوجي لموقع / مرقد مم وزين في بوطان . 1_ القبر / المرقد المزدوج ل ( مم وزين ) هل هو فعلا قبر / مرقد او معبد !؟ ان اي زائر لمرقد مم وزين في بوطان _ خاصة اذا كان هذا الزائر لديه ولو ثقافة اولية بطبيعة اثار بلاد النهرين _ لن تتبقى لديه اية شكوك حول خصوصية وطبيعة هذا الموقع / المرقد والذي يقع في ساحة جامع _ مير افدال / ابدال _ والمؤلف من بهو ينزل درجتين الى الاسفل وغرفة مربعة فيها باتجاه الشمال طاقة وبجانبها _ على الارض _ ماجبل مؤخرا بالاسمنت على انه قبر _ مم وزين _ ويلاصق جدار الغرب تماما _ وفي ارضيتها كتلة اسمنتية لايزيد حجمها عن 30 سم على انه قبر بكو .. اما قصة اكتشاف هذا المرقد / الموقع فهي _ حسب رواية المعاصرين لزمن الاكتشاف ومنهم _ المرحوم ملا امين حاجي زاكر _ المتوفي 1991 _ والذي تولى لسنين طويلة مسؤولية القائم بأعمال الافتاء في بوطان .. انه في عام 1956م قدمت بعثة ايطالية الى مقبرة الجزيرة وقدمت نفسها على انها بعثة جيولوجية جاءت للتنقيب عن البترول !! وبدأت بسبرها وحفرياتها حتى دخلت حرم جامع مير افدال ولاحظت نتوءا في باحته التف حولها اعضاء البعثة كثيرا وبدأوا حفرياتهم التي توجت بالكشف عن ذلك الجزء من المرقد / البناء ووجد بداخله _ بجانب الطاقة _ حجر وتم الاستفسار من رجال الدين (2) عن مرقد / مركز فيه تثنية وهنا لعبت الذاكرة الشعبية دورها فتم ذكر موضوعة مم وزين وملحمة خاني والمأثور الشعبي حول دفنهم في موقع / جامع مير افدال (3) ومن ثم أتخذ الموقع / المرقد على انه قبر مم وزين وصمم في الداخل على الشكل الذي اوردناه .. والى الان _ على حد علمي _ لم تتمكن اي من الجهات او الهيئات الكردية _ او على الاقل _ لم تبحث عن تلك البعثة الجيولوجية !!! وبالتالي لم يتم التعرف على ماهية مكتشفاتها وهل اقتصرت على تلك الحجرة / الرقيم او اكثر ؟ ومن المؤكد ان البعثة اخذت معها كل ما لقته هناك …
ان العودة الى كتب التراث الاسلامي والتي دونت فيما دونت الحملات العسكرية التي قادت الى _ الفتوحات الاسلامية _ قد تعطينا بعض التصور _ فيما انوي المجازفة به لاحقا _ ويكاد معظم مدوني الفتوحات .. الطبري ، البلاذري .. ابن الاثير .. الخ يكاد يتفقون على انه عندما توجه عياض بن غنم على رأس جيشه الى الجزيرة وما تلاها والتي تقع بوطان تحديدا ضمنها ، حيث ان عياضا اتفق مع اهلها على الصلح واتخذ صلح الرها ( اورفا حاليا ) كقياس لعدة مناطق ومنها بوطان .. ومعظم الكتاب يتفقون على انه لم يفرض بداية دخول الاسلام كشرط اساسي . كان ذلك في اعوام 19_20_21 هجرية حيث لم يتم التعرض الى اماكن العبادة وخصوصيات اية مجموعة (4) ، ومن هنا حافظت المعابد على وجودها وان بدا نفوذها يتلاشى شيئا فشيئا مع ازدياد التأثر بالدين الجديد والدخول فيه لتكتسب بعض اشهر المواقع فيما بعد قدسية وتتحول الى جوامع او الى مراقد لاولياء صالحين متفانين ويحضرني هنا مراقد _ مواقع ( ان لم اقل معابد ) ل / لاوكي ((رهواني)) او ((رواني)) _ لاوكي ((متيني)) او ((مادني + معدني)) _ لاوكي ((بياني)) غريب _ كججا جل كزي _ ايلم .. وغيره / ولاتزال هذه المراكز / المواقع تفرض حظوتها الدينية / التقديسية مع عجز الاتجاهات الدينية ربطها بأي شكل من الاشكال مع كل الديانات التوحيدية التي مرت على المنطقة .. ومن هنا يتأتى اعتقادي بأن موقع / جامع (( مير افدال )) ليس سوى بانثيون / معبد ل ((افدال)) تحول فيما بعد الى جامع فكيف اسوغ لنفسي هذا التصور ؟ سأكتفي هنا بعرض امثلة اركولوجية من واقع بوطان المدينة … ان القاء نظرة على اي موقع اثري ودراسته لايتم بمعزل عن المحيط العام …. الطبيعة …. المناخ …. نوع التربة …. الحجر وفي بوطان تكتسب هذه العوامل جميعها سمات مؤثرة خصوصا اذا ما تعمقنا في البنية الجيولوجية للمنطقة . فالسمة البارزة لصخورها كلسية ، وهي منطقة غنية بالمياه .. وتربتها رطبة ، مما يشكل اثرا سلبيا على المنحوتات والنقوش المدونة على الاحجار والرقم وتؤدي مع عامل الزمن الى محوها او تشويهها وبامكاني _ توثيق هذا الرأي _ من خلال العودة الى الجامع الاحمر (Mizgefta sor)(5) ففي احدى اقبيته يوجد ستة قبور من المؤكد ان احدها للشاعر الكبير ((ملاي جزيري)) ورغم ان شواهدها تحمل اثارا كتابية الا ان الرطوبة قد اثرت في حجرها الكلسي ومحت اية امكانية لقراءة المدونات على الشواهد سواء بالعين المجردة ام بالاساليب التقليدية .. ليبقى الشك مراودا في التحديد الدقيق لقبر الجزيري … فالمخزون الاركولوجي في باطن الارض _ بتصوري _ سيكون عامل الزمن قد اثر فيه .. ومن ناحية ثانية ان اجراء مسح عام لهيكل المدينة _ داخل السور والقلعة القديمة _ سيوضح لنا بعضا مما ارغب قوله . فالى الان لاتزال بعض الاثار الفارسية / الساسانية والرومانية ومن ثم الاسلامية بادية للعيان واضحة تماما . ورغم ان هذا العرض وجهة النظر ليست لبوطان كتاريخ و اثر الاانه لابد من توضيح بعض الامور..
لقد كانت المنطقة ساحة سجال بين الامبراطوريتين الفارسية والرومانية قبل وصول المسلمين الى هناك .. ويكفي القاء نظرة الى ((باب الروم Deriye Rome))(6) بجانب المدرسة الاميرية ((Debistana Emiri))والمؤدية الى برجا بلك فدجلة : فالباب هو رومي العمارة والمنشأ ويحمل شعار _ قبضة هرقل ولكن نرى عليها بوضوح _ في اعلاه _ شعار الفرس / الساسان ، اسدين متقابلين وبينهما قرص الشمس ، وما ان تنزل الباب وتسير بمحاذاة دجلة صوب الغرب حتى ترى في أعلى السور _ جدار القلعة وعلى ارتفاع 6_8م تقريبا _ ايات قرانية // نصر من الله وفتح مبين // .. اذا جاء نصر الله والفتح .. الخ // فالاثار التي بقيت فوق سطح الارض استطاعت الحفاظ على منحوتاتها ومدوناتها .. واوجز الامر هنا_ ايضا واقول_ ان بوطان تحوي الى الان مواقع لاكثر من 360 جامعا وان كان معظمها خرابا ومهملا الا انه ما زال معروفا في الموروث الشعبي ومن بينهم جامع نير افدال . واما لماذا غطت التربة ذلك الموقع / القبر تحديدا دون غيره . رغم ان السايق النظري لبعض تلك المواقع / الجوامع من المفترض ان تسبق ابدال ومم وزين بمراحل تاريخية متعددة _ كمرقد النبي نوح مثلا وجامعه في قرية الثمانين والتي اضحت جزءا من بوطان المدينة الان _ ان اللقاء نظرة مدققة للمرقد تعطي انطباعا قويا بان للبناء تتمة خاصة في جانبها الشمالي .. وهذا مايوحيه شكل وحجم باب البهو _ الخارجي الان _ كونه مصمما كباب داخلي .. وكم اتمنى ان يتم تحديد عمر الحجر والطين الداخل في هيكل البناء بالوسائل العلمية الحديثة .. وحيث انها مطمورة كانت عكس المؤثرات الاسلامية وقبلها الفارسية والرومانية تخلق الانطباع القوي _ برأيي _ بأن المرقد / المزار يسبق كل تلك العصور .. بقي ان انواه بأن البعثة اكتفت في بحثها عن الموقع / المرقد الى ما وصلت اليه ولم تتم حفرياتها على اساسات الجوار او الملحقات على اقل تقدير رغم ان شكل المرقد يوحي بلا ادنى شك بأنه جزء من بناء أكبر !!!….

التآخي