الرئيسية » مقالات » صفحات من ذكريات مع جمعة كنجي – زهرة نيسان

صفحات من ذكريات مع جمعة كنجي – زهرة نيسان

في مرحلة من مراحل العمر ، حين يبدأ رماد السنين يعلو جمراتنا ، نتدفأ على نار الذكريات ، مهما كانت تلك النار خافتة . وها إنا أتدفأ هنا على نار صفحات من ذكرياتي مع أحد أعزّ رفاق عمري ، الأديب الإيزيدي الكبير .. جمعة كنجي .

الصفحة الأولى
عرفت جمعة ، قبل أن ألقاه ، عن طريق أخيه الصديق العزيز حسو حجي كنجي ، فقد كنا نعمل معاً ، أواسط الستينيات ، في مدرسة باطنايا . وحين توطدت علاقتي به ، وعرف أني أهوى القراءة والكتابة ، ومكتوي بنار السياسة ، حدثني عن أخيه جمعة ، وثقافته وكتاباته ، مما شوقني للتعرف عليه ، ولا شك أنه حدثه عني أيضاً ، وما إن إلتقينا ، وتعارفنا ، حتى إرتبطنا بعلاقة لم تنفصم عراها ، حتى بعد رحيله ، فهو مازال في أعماقي حياً بشخصيته وطيبته وكتابته النابضة بالحياة،وخاصة في أعماله الإبداعية ، على قلتها .

الصفحة الثانية
منذ أواسط السبعينيات حتى آخرها ، عملنا معاً في المكتب الصحفي لجريدتي طريق الشعب والفكر الجديد ، وكان معنا كاتبان لهما مكانتهما في الوقت الحاضر ، هما شمدين خدر وسعدي المالح . وكان مكتبنا الصحفي من أبرز وأنشط المكاتب الصحفية في عموم العراق . ولعل جمعة كان أبرزنا وأقدرنا على الكتابة ، فله تجربة صحفية منذ الخمسينيات ، إضافة إلى سلاسة أسلوبه ، وقدرته اللغوية العالية . وغالباً ما كانت كتابته مثيرة وحادة ، مما أوقعه في مواجهة مع بعض المسؤولين .
ففي ذات أمسية ، قبيل مهرجان الربيع ، كنت على موعد مع محافظ نينوى ، خالد عبد عثمان ، الذي أعدم في أواخر السبعينيات . إستقبلني المحافظ في غرفته ، بقامته القصيرة ، وملامحه المتجهمة ، وسكار ضخم بين شفتيه. ولمحت وأنا أجلس قبالته ، جريدة طريق الشعب على مكتبه .
وبدل أن يحدثني عن مهرجان الربيع ، بادرني قائلاً بنبرة منفعلة : من هو هذا جمعة كنجي ؟
وعرفت سبب إنفعاله ، لكني أجبته : صحفي معي في طريق الشعب .
وبإنفعال أشد ، قال : كتب مقالة حادة ، وغير دقيقة ، في جريدتكم ، عن حي الكرامة ، كان عليه أن يعود إلينا قبل أن يكتب هذه المقالة .
فقلت له : لقد حاول الإتصال ببعض المسؤولين ، لكن أحداً لم يستجب له .
ولم يقنع هذا المحافظ ، ولم يخفف من غضبه ، لكنه قال لي في ما بعد : إذا لم يستجب لكم أي مسؤول إتصلوا بي.

صفحة ثالثة
في أواخر السبعينيات ، أعددت ملفاً مهماً عن المربي الموصلي الكبير يحيى ، نشر على أربع صفحات من جريدة الفكر الجديد ، شارك فيه إضافة إلى مثري العاني وسعد يحيى ق ، جمعة كنجي ، وكان له دور مهم في إعداده وإنجاحه .
وعلى أثر نشر هذا الملف ، أستدعيت إلى مديرية الأمن،
وسئلت عن الملف ، وعمن دفعني إلى إعداده ، كم سئلت عن المشتركين في الملف ، وخاصة جمعة كنجي .
وكان مما يثير البعض كتاباته الملغزة الساخرة ، ومما كتبه في هذا الملف :
جمجمة يحيى ق
مما يروى عن يحيى ق ، أنه زار أحد متصرفي الموصل ، وهو يحمل تحت إبطه جمجمة ، وعندما سأله المتصرف عن سبب حمله الجمجمة ، أجابه بتهكم : هذه هي التي تحكم البلد .
وكان يشير بذلك إلى إستفحال الرشوة والإختلاس والفساد في الجهاز الحكومي على حساب مصلحة الشعب الذي كان يعاني من أمراضه المزمنة : الجهل والفقر والمرض .

صفحة رابعة
جاءني جمعة ذات يوم ، ربما في أواسط الثمانينيات ، مهموماً قلقاً ، سألته عما به ، فقال : كنت في مديرية الأمن .
وصمت لحظة ، ثمّ قال : هرب إبني ماجد إلى الجبل ، فذهبت أبلغ عنه ..
إبتسمت محاولاً تهدئته ، وقلت : وما الداعي للقلق ؟ أتعتقد أنهم صدقوك ؟ لابد أنهم فكروا أنك ساعدته على الهرب ، وحين علمت بوصوله إلى منطقة آمنة جئتهم ، وبلغتهم بالأمر .
لم يطمئن جمعة ، وظل قلقاً ، ولعله لم يتحمل ما يكابده من ضغوط ، فأصيب بجلطة أرقدته في المستشفى عدة أيام ، كانت نذيراً برحيله عن عالم لم يجد فيه سوى القلق والمعاناة والملاحقة ، لكنه رغم ذلك كان يقرأ ويناضل .. ويبدع .

صفحة خامسة
رحل جمعة ، تاركاً وراءه عائلة يتربص بها مستقبل غامض . وحضرنا مجلس العزاء ، أنا وأخي العزيز أبو بشار . وفي اليوم الأخير حضر معنا الأستاذ مثري العاني ، رغم تحفظه نتيجة الظروف القاسية . وغادرنا بسيارتنا ، وقبل خروجنا من بعشيقة ، إعترضتنا سيارة مسلحة ، نزل منها رجال مسلحون ، وإقتادتنا إلى مركز الشرطة ، وحققوا معنا الواحد بعد الآخر .
سألني معاون الشرطة عن سبب حضورنا ، فقلت له : الراحل أديب معروف ، وأنا صحفي وأديب ، وهو صديقي وتربطني به علاقة عائلية ، وقد جئت لأقوم بواجبي تجاهه وتجاه عائلته .
فقال المعاون : الا تعرف أنه شيوعي ، وأن إبنه باسل يحمل السلاح في الجبل ؟
أجبته : هذا الأمر لا يعنيني ، جمعة صديقي ، وقد توفي فحضرت مجلس العزاء مع العشرات بل المئات من أصدقائه ومعارفه .
أخذوا هوياتنا ، ولابد أنهم أجروا تحقيقات عنّا ، وكانت ” جريمتنا ” أننا حضرنا مجلس عزاء .. جمعة كنجي .

صفحة ليست أخيرة
هدأ جمعة أخيراً ، لكن ليس فوق أرض بعشيقة التي أحبها ، وإنما في أعماقها الطيبة الدافئة .
وطلب مني بعض أهله ، أن أختار عبارة مناسبة لتكتب على شاهدة قبره ، فقلت لهم : الأفضل أن يختار هذه العبارة واحد من أقاربه ، أو رفيق من رفاقه .
وقد وقع الإختيار على رفيق مثال للرقة والشفافية والثقافة هو الأستاذ شيخ صبري ، والمفرح أنه إختار أبياتاً للشاعر التركي العظيم ناظم حكمت ، إخترتها أنا بيني وبين نفسي ، وهي :
إذا لم تحترق أنت
ولم أحترق أنا
فمن يضيء الطريق للأجيال القادمة
قصص قصيرة جداً

كلمات إلى جمعة
أنا الذي رأى
رأيت ويا لهول ما رأيت ، ورغم رعبي ، صرخت فيّ : أنت إنسان ، قل لا .
لا يا صديقي
في المنام ، جاءني صديقي الراحل جمعة ، وقال لي : أريد أن أعود إلى الحياة .
ولأني أعرف ما لا يعرفه ، قلت له : لا يا صديقي ، إبق ميتاً .
نم يا صديقي
نم جمعة ، تحت كلمات ناظم حكمت ، في أرض عشقك ، بين بعشيقة وبحزاني . فأنت لم تعرف ، ولن تعرف ، بأن أمك بأعوامها الثمانين ، وزوجتك الباسلة ، وأختك ، وولديك ، قد أخذتهم عاصفة الأنفال . نم يا صديقي ، فإنهم مثلك نيام ، لكن في مكان مجهول ، تحت أرض العراق ، مع آلاف الأطفال والشباب والشيوخ والنساء ، فإذا لم أحترق أنا ، ولم تحترق أنت ، ولم نحترق نحن ، فسيبقى الطريق إلى النور محفوفاً بالأشواك ، ومدى الطغاة .