الرئيسية » مقالات » عن انتصار باراك أوباما

عن انتصار باراك أوباما

من الخطأ الشائع اعتبار الدعوة إلى إصلاح نظام ما , خاصة و هو يواجه أزمة جدية كحال النظام الاقتصادي الرأسمالي خاصة في دول المركز و لا سيما أمريكا , على أنها دعوة معادية لهذا النظام كما حاولت الماكينة الإعلامية المحافظة أن توهم الناس في أواخر الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية و لا أنها , في نفس الوقت , دعوة إلى تغيير جذري حقيقي , هذه النظرة تحول دون أن ندرك الحقيقة البسيطة في أن هذه الدعوة و أن ذلك الإصلاح نفسه هو محاولة للوقوف في وجه تغيير جذري حقا..إن الدعوة للإصلاح خاصة في صراعها مع صناع الأزمة كما شاهدناها في حملة أوباما لا تريد فقط تعديل السياسات التي أدت إلى الأزمة و استبعاد صانعيها , بل إنها تريد توجيه غضب و سخط ضحايا الأزمة بعيدا عن النظام , عن جوهره , ليس فقط في حالة النظام الاقتصادي و السياسي الأمريكي , بل أيضا في حالة الأنظمة العربية المأزومة , حيث تتعالى من حين لآخر دعوات خجولة للإصلاح من المحسوبين على الأنظمة نفسها و قد استخدمت في بعض الأحيان , كما في حالة بشار الأسد و اليوم مع ابن الرئيس المصري , لتمرير التوريث و تلميع صورة “الزعيم” القادم..في الحقيقة كان انتخاب ماكين سيعني أن الأمريكيين أكثر شعوب الأرض تخلفا و جهلا سياسيا و خنوعا لأدوات السيطرة و الضبط الجماعية “المتطورة” بلا شك , فما دام النظام مضطرا لإعادة المشهد الانتخابي كل أربع سنوات , و ما داموا يملكون فرصة التصويت ضد من ألقى بهم في أتون أزمة يومية خانقة ( هذه الفرصة التي لا تملكها جماهيرنا ) فقد كان انتخاب ماكين وريث بوش و عدم التصويت لأوباما و لو كان أسود البشرة سيكون دليلا فقط على الغباء الذي لا شفاء له , بالغ البعض في امتداح الأمريكيين على انتخابهم لأوباما , لكن الحقيقة هو أنهم بالكاد دفعوا عن أنفسهم تهمة الغباء المطلق , هذا لا يعني أن بقية الشعوب هم أكثر نضجا , خاصة شعوبنا , بل لا بد أننا , و نحن نعيش وسط قيود و سجون الاستبداد و تابوهات المحظور , نحسد الأمريكيين على تلك الفرصة المتجددة كل أربع سنوات لرد الصفعات التي تلقوها طوال أربع سنوات كاملة بواحدة على الأقل , تصوروا مثلا نتيجة أية “انتخابات” فعلية تستطيع فيها الجماهير أن تقول رأيها , دون أن يعود ذلك عليها بويلات القمع , في أي من الأنظمة الحاكمة اليوم , تصوروا لو أننا نحن السوريون اخترنا بشار الأسد بعد كل “إنجازاته” في “انتخابات” حرة مثلا ضد مرشح أسود البشرة , أو أن يفعل المصريون نفس الشيء مع حسني مبارك في انتخابات لا يتدخل فيها البلطجية لصالح النظام أو الجزائريون مع بوتفليقة في انتخابات لا تستنفر فيها كل مؤسسات الدولة لصالح رأس النظام أو الليبيون مع القذافي و أيضا شعوب الخليج مع حكامهم , فلو جرى هذا لكان دليلا قاطعا على إصابتنا بحالة نادرة من الغباء و لكان أكبر تبرير على واقع أن أمثال هؤلاء يحكموننا اليوم , تبقى القضية ليس في مجرد شتم الأنظمة القائمة , بل في أن التغيير المزعوم هو أفضل طريقة للوقوف في وجه تغيير جذري فعلي و استعادة سلبية الجماهير و تبديد استيائها , أي أفضل طريقة للحفاظ على النظام القائم , و هنا تختلف الأنظمة المفروضة على شعوبنا عن تلك التي تقوم على “الديمقراطية” البرجوازية , فبينما تصر الأولى على استبعاد أي تغيير مهما بدا تافها على واقع و درجة قمعها و نهبها للمجتمع و الجماهير و الإنسان رافضة التزحزح عن صدورنا تجيد أنظمة الديمقراطية البرجوازية إعادة إنتاج سطوتها من خلال تزييف قضية التغيير و تجديد استسلام الناس للنظام بتغيير واجهته…..