الرئيسية » مقالات » عودة إلى: هل من الممكن بناء دولة القانون بدون الالتزام بالقانون والدستور؟

عودة إلى: هل من الممكن بناء دولة القانون بدون الالتزام بالقانون والدستور؟

الدستور – القانون الأساسي – عقد اجتماعي (سياسي) عام مشترك لتنظيم حياة المجتمع تمت الموافقة عليه من قبل أفراد المجتمع بإرادتهم الحرة دون إكراه أو إرغام أو إجبار في استفتاء عام شاركت فيه الأكثرية الساحقة من المواطنين العراقيين، بعد التوافق المشترك بين قواهم السياسية وغير السياسية، وبعد توجيه دعوات متكررة للجميع وفسح المجال واسعا أمامهم للمشاركة الفاعلة في الاستفتاء. جرى الاستفتاء بتحريض من قبل جميع القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية وحثّ من المرجعيات الدينية وتشجيع من منظمات المجتمع المدني ومساعدة منظمات الأمم المتحدة. الدستور هو “وثيقة شرف وقع عليها جميع العراقيين”، كما وصفها رئيس الوزراء ألسيد نوري المالكي بتاريخ 15/10/2006. كما أن الدستور هو مصدر شرعية السلطة وقوة الدولة، كما أن شرعية الحكومة تتوقف على مدى التزامها بالدستور في الأنظمة الديمقراطية.

المقالة السابقة “هل من الممكن بناء دولة القانون دون الالتزام بالقانون والدستور؟” تتعلق بمدى الالتزام بالدستور (وبالقوانين والاتفاقات الأخرى) بعد أن تم التصويت عليه وتمت الموافقة عليه وتبنيه بالطرق والصيغ والأساليب والآليات المتفق عليها بالتوافق مسبقا وقبل التصويت. لم تتعلق تلك المقالة بالطرق والصيغ والأساليب والآليات التي استخدمت للوصول إلى اتفاق توافقي حول مسودة الدستور ومصادقة على القانون الأساسي – الدستور – (الذي تم تبنيه بتوافق سياسي واستفتاء شعبي طوعي وحر بمشاركة واسعة وبأكثرية 80% من العراقيين المشاركين في التصويت، وهذه نسبة عالية جدا بكل مقاييس المشاركة في التصويت في مختلف البلدان)،

القانون الأساسي عقد اجتماعي سياسي أساسي ودائمي هدفه تنظيم حياة المجتمع الذي يقطن أرضا محددة الحدود، يتم التوصل إليه بطرق وصيغ وأساليب وآليات متباينة ولكن طوعية، أي ليس بالإكراه أو الإرغام أو إلاجبار، بتوافق أو باستفتاء أو بأكثرية نيابية أو بخليط من اثنين أو أكثر منها. لهذا العقد الاجتماعي السياسي الأساسي ألثابت في الأنظمة الديمقراطية ضوابط صارمة منصوص عليها في الدستور نفسه حول كيفية وآليات تعديل أو تغيير أية مادة من مواده وفقراته، وإلا صار “دستورا مؤقتا” – كالسابق – يُغيّر ويُستبدل بتقلب المواقف وتغير الحكومات وتبادل السلطة، ويفقد الاستمرارية ويخلق عدم الاستقرار السياسي وإضعاف ثقة المواطنين بالسلطة.

هناك دساتير في بلدان ديمقراطية تم تبنيها قبل قرون عديدة دون المساس بجوهرها، ودون تغيير نصوصها إلا نادرا جدا وبآليات شديدة الصعوبة وشروط صارمة (لتصعيب التغيير المتكرر ومنع التلاعب)، في حين أن الدساتير في البلدان غير الديمقراطية أو التي هي “ديمقراطية” بالاسم فقط فالدساتير فيها تتغير بجرة قلم “قائد قوي” و”حزب قوي” أو بعد انقلاب عسكري أو انقلاب قصر، لذا فهي “دساتير مؤقتة”. لا يوجد في العالم نظام ديمقراطي فعلي بدون وجود دستور ثابت ودائم يُحترم من قبل الجميع، المواطنين عامة والسياسيين بوجه خاص، خاصة الذين هم في السلطة، كي لا يفقد الدستور مكانته وهيبته وقوة إلزامه.

الفكرة الأساسية والرئيسية للمقالة السابقة هي استمرار ظاهرة (غير صحية) صارت تمثل “ثقافة سياسية” مورثة (خاصة) من النظام السابق ومن ممارساته التي استمرت 40 عاما (1963-2003) وهي عدم الالتزام بما هو متفق عليه من قبله في “العقود” المبرمة التي هو طرف فيها (سواء كانت اتفاقية أو جبهة أو اتفاق أو اتفاقية دولية). ويبدو أن بعض ساسة العراق الحاليين يسيرون على خطا “الثقافة السياسية” للنظام السابق، هذه الظاهرة غير صحية وخطرة (والتي هي عند النظام السابق وأنصاره “ذكاء سياسي” و”شطارة”) تتلخص في عدم الالتزام بالعقد المبرم وإلغائه أو تغييره من طرفه الواحد (القانون الأساسي والقوانين الأخرى والاتفاقات والوعود والعهود والتفاهمات والاتفاقيات الدولية)، بل الخروج عنه وعليه عند انتفاء حاجة ذلك الطرف إليها أو عند حصول تغيير في أوضاعها أو في موازين القوى أو عند ظهور مغريات في طريقها. لا تمثل هذه “الثقافة السياسية” خللا سياسيا فقط (عدم التزام وخروج عن العقد المبرم وعدم احترام للمصوتين على الدستور وللأطراف المتوافقة عليه) وتهميش وإلغاء للأطراف الأخرى وخلق عدم الثقة ونشر البلبلة وعدم الاستقرار وإثارة الأزمات، وإنما يعكس أيضا ضعفا في “مكارم الأخلاق”، تتمثل في انعدام الصدقيه وعدم ألأمانة (ومن المهم هنا ألتذكير باثنتين من الصفات والخصال الكريمة التي أشتهر بهما ألنبي محمد (ص) وهي “الصادق” و”الأمين”).

هناك تجارب عديدة من النصف الثاني من القرن الماضي (نذكر منها ما يلي على سبيل المثال لا الحصر) على كيفية عدم الالتزام “بالعقود”، أي الاتفاقيات والاتفاقات المبرمة والعهود والوعود المعطاة (تسمى أحيانا “خيانة العهود والوعود”) من قبل النظام السابق بعد التظاهر “مرحليا” بالاتفاق والتحالف وإظهار “النوايا الحسنة”، ثم الانقضاض وتهميش وإلغاء الطرف ألآخر أو الإطراف الأخرى والقضاء على “حلفاء” و”أصدقاء” الأمس عند الحصول على “القوة” وتشكيل تحالفات جديدة أو بعد انتفاء الحاجة إليهم:

1- خرق البعثيين للاتفاق المبرم (والقَسَم) مع حلفائهم من الضباط القوميين بعد أسبوعين على الانقلاب العسكري في 17 تموز 1968 والقضاء عليهم لينفردوا بالحكم لوحدهم.

2- ضرب البعثيين للأكراد شركائهم في اتفاقية 11 آذار 1970 وفي الحكومة (1970-1974) بعد توقيع الاتفاقية معهم بأربعة سنوات، حين توصلوا إلى تحالفات سياسية داخلية وخارجية جديدة وتهيأ لهم “قائد قوي” و”جيش قوي” و”أسلحة قوية” و”شرطة قوية” و”أجهزة أمن ومخابرات قوية” ليشن الحرب عليهم في آذار 1974.

3- انقضاض البعثيين على ألشيوعيين حلفائهم في الجبهة بعد أن تصوروا أنهم تخلصوا من الأكراد وصاروا من القوة بحيث لا حاجة لهم بعد ذلك إلى الشيوعيين.

4- انقلاب نائب رئيس جمهورية العراق السابق صدام حسين على رئيس جمهوريته آنذاك أحمد حسن البكر في انقلاب قصر مهين، رغم الاتفاقات والتفاهمات فيما بينهما من أجل الانفراد بالحكم وبناء “دولة قوية” طبعا تحت إمرة “قائد قوي”، والفتك بالرفاق الحزبيين والغدر بهم بشكل مشين للتخلص منهم رغم “القسم الحزبي” (عقد).

5- قيام رئيس جمهورية العراق السابق صدام حسين بتمزيق “اتفاقية الجزائر” (عقد دولي) عام 1982 أمام عدسات التلفزيون والتي سبق له أن وقعها بنفسه مع الشاه السابق أثناء انعقاد مؤتمر القمة في الجزائر عام 1975 والمبرمة من قبل الحكومة العراقية والحكومة ألإيرانية “بوساطة” عربية ودولية. ثم شن الحرب على إيران لاعتقاده أنه صار قويا وتغيرت موازين القوى السياسية لصالحه ولذا لا حاجة له لتلك الاتفاقية الدولية.

هذه الأمثلة وغيرها هي جزء من “ثقافة سياسية” لها جانبين ألجانب الأول يتمثل في عدم ألالتزام بالقوانين (الخروج عليها وإلغائها بشكل كيفي واعتباطي ومن جانب واحد) وعدم احترام الاتفاقيات الدولية المبرمة والاتفاقات والوعود والعهود السياسية كطرف دخل فيها بمحض إرادتها الحرة وبدون إكراه. والجانب ألآخر لهذه “الثقافة السياسية” هو تهميش وإلغاء ألآخرين ثم الانقضاض عليهم والغدر بهم والقضاء عليم عند الشعور بالقوة وبتغير موازين القوى وعندما تسنح الفرص. ولا يعتبر المؤمنون بهذه “الثقافة السياسية” خرق القانون الأساسي (الدستور) والقوانين الأخرى والاتفاقيات الدولية والاتفاقات والوعود والعهود والخروج عليها والغدر بأطرافها أمرا غير مقبولا أو مخجلا أو أنه احتيال وعمل مشين، بل يعتبرونه “ذكاء سياسيا” ,” وبراعة خارقة” و”شطارة كبيرة” لأن الغاية عندهم تبرر الوسيلة مهما كانت تنقصها “مكارم الأخلاق” وهي البقاء في السلطة واحتكارها، ومهما كانت لها من نتائج مدمرة على المجتمع على المدى البعيد حتى لو حققت بعض مراميها “مرحليا”. لقد مارسها النظام السابق على المستوى الحزبي الداخلي (مع الرفاق أعضاء القيادة القطرية ومع رئيس الجمهورية) وعلى المستويات العراقية (مع القوى السياسية العراقية المختلة) والإقليمية (مع إيران والكويت وغيرها) والدولية (مع الأمم المتحدة بعد فرضها العقوبات عليه) على مدى أربعين عاما (1963-2003). والكل يعلم ماذا جلبت ممارسات النظام السابق المبنية على هذه “الثقافة السياسية” على العراقيين والجيران من موت ودمار وخراب اقتصادي وفقر وفاقة وجهل وتخلف، وما آل إليه النظام نفسه من إفلاس ونهاية مزرية.

يبدو مع الأسف أن هذه “الثقافة السياسية” لا زالت باقية صفوف بعض الأوساط السياسية العراقية التي تغض النظر عن عِبرها وعن نتائجها ولا تبتعد عنها. وإذا استمرت هذه “الثقافة السياسة” فإنها ستحول العراق “الجديد” ونظامه السياسي “الديمقراطي” الاتحادي ألتعددي (المتفق عليه في “دستور”، في “وثيقة شرف”) إلى عراق “قديم جديد” أو “جديد قديم”.