الرئيسية » التاريخ » سلسلة دراسات في التاريخ الكردي ( الحلقة الرابعة )

سلسلة دراسات في التاريخ الكردي ( الحلقة الرابعة )



سلسلة دراسات في التاريخ الكردي


( هل الكرد من أصل عربي؟ )


عَود على بَدء


مرّ سابقاً أن نسبة الكرد إلى العرب أسندت إلى اثنين من أشهر النسابين العرب، ومن أقدمهما في الإسلام، هما ابن الكَلْبي وأبو اليَقظان (عاشا في القرن الثاني الهجري)، وعلمنا أيضاً أنه كان ثمة تنافس واضح بين نسّابي الفرع القحطاني ونسّابي الفرع العدناني في هذا المجال، بل وصل التنافس إلى داخل الدائرة العدنانية حول تنسيب الكرد إلى قبائل مُضَر تارة وإلى قبائل رَبيعة تارة أخرى. ولم يقف التنافس عند هذا الحد، وإنما وصل إلى داخل القبائل المُضَرية نفسها، فمن الرواة من نسب الكرد إلى قريش (من حفدة إلياس بن مضر)، ومنهم من نسب الكرد إلى عامر بن صَعْصعة (من حفدة قَيْس بن عَيْلان بن مُضَر).


ووجدنا مؤرخاً عربياً عدنانياً قحّاً، هو المسعودي (ت 346 هـ = 957 م)، لم يتردد في تدوين الروايات التي نسبت الكرد إلى العرب، والمثير أن هذا المؤرخ القدير- بشهادة هاملتون جب- بدأ بسرد الروايات التي نسبت الكرد إلى العرب، ثم ذكر الروايات التي نسبت الكرد إلى أصول أسطورية خرافية، وعلّق على جميع ذلك بقوله: ” وما قلنا عن الأكراد فالأشهر عند الناس، والأصح من أنسابهم أنهم من ولد ربيعة بن نزار ” (مروج الذهب، ج2، ص 124)؛ أي أن الكرد- بحسب رأي المسعودي- عرب عدنانيون.


ونستخلص من تعليق المسعودي أموراً ثلاثة:


الأول: أن المسعودي حكم بنسبة الكرد إلى العرب العدنانيين، وإلى فرع ربيعة خاصة.


والثاني: أن المسعودي شكّك في الروايات التي نسبت الكرد إلى الفرع القحطاني، وإلى الجن، وإلى الشيطان (الجَسَد).


والثالث: صحيح أن المسعودي لم يذكر الأدلة التاريخية التي بنى عليها حكمه، وساق بناء عليها عبارته الفاصلة ” والأصح “. لكن لا نعتقد أن مؤرخاً مثله يتخذ هذا الحكم إلا بعد أن يكون قد قارن بين الروايات المختلفة، ووجد من المبررات ما يحمله على ترجيح رواية على أخرى.


وميزة المسعودي أنه لخّص في كتابه جميع الروايات التي كانت سابقة على عصره أو كانت معاصرة له، أي أنه تتبّع الروايات والأقوال التي دارت حول أصل الكرد طوال ثلاثة قرون، وغربلها، وصنّفها، ويبدو أن كل من تناول الحديث عن أصل الكرد بعد المسعودي إنما اقتبس منه، أو اقتبس من المصادر ذاتها التي اقتبس منها المسعودي، ولم يأت مؤرخو القرن الخامس الهجري ومَن جاء بعدهم بجديد في هذا المجال إلا نادراً.


ومن تلك الروايات النادرة ما نقله الزبيدي ( ت 1205 هـ = 1790 م) في كتابه (تاج العروس، مادة كرد)، إذ قال: “ وقيل: عصى قوم من العرب سليمانَ عليه السلام، وهربوا إلى العجم، فوقعوا في جَوارٍ كان اشتراها رجل لسليمان عليه السلام، فتناسلت منها الأكراد “. وهذه رواية متأخرة جداً عن عصر المسعودي، ولا ننس أن الزبيدي لم يذكر المصدر الذي استقى منه هذه الرواية، واكتفى بعبارة (وقيل…)، لكن الجديد في روايته أنها نقّحت أصول الكرد من الجانب المغرق في الخرافية؛ أقصد مسألة التنسيب إلى الجن وإلى الشيطان (الجَسَد)، فأجداد الكرد في هذه الرواية ليسوا جناً ولا شياطين، وإنما هم بشر عاديون من العرب، تزوّجوا – على نحو غير شرعي- من جواري النبي العبراني سليمان؛ إذ هذا هو المفهوم من عبارة (وقعوا في جَوار)، ولا تذكر الرواية هويّة أولئك الجواري، لكنهن غير عربيات بكل تأكيد، وإلا لكانت الرواية قد نصّت على ذلك، ونخرج من هذه الرواية بأمرين:


الأمر الأول: أن الكرد من سلالة عربية، لكنهم ليسوا عرباً أقحاحاً، وإنما هم من العرب الهجناء، قال ابن منظور الإفريقي في (لسان العرب، مادة هجن): ” والهَجِينُ العربيّ ابنُ الأَمَة لأَنه مَعِيبٌ… الهَجِين الذي أَبوه خير من أُمه … قيل لولد العربيّ من غير العَربية هَجين… الهجين من الخيل الذي ولدته بِرْذَوْنة [= فرس غير أصيلة] من حِصَانٍ عربي… الفَحل الهَجين إِذا أَراد أَن يَضرِب [= يلقح] كرائم الإِبل [= الأصيلة] قَرَعُوا أَنفه بعصاً أَو غيرها ليَرْتَدّ عنها ويتركها “. وهكذا فالمراد من هذه الرواية أن الكرد عرب، لكنهم عرب من الدرجة الثانية.


والأمر الثاني: أن الكرد ليسوا عرباً هجناء فقط، وإنما هم عرب عصاة على النبي سليمان أيضاً، وهكذا فقد جمعوا بين افتقارهم إلى الشرعية المجتمعية (الأصالة الكاملة)، وافتقارهم إلى الشرعية الدينية (التقوى، وطاعة النبي سليمان).


وبعد هذا كله ترى أين الصوت الكردي في زحمة هذه الآراء؟


ماذا قال الكرد؟


الحقيقة أن الصوت الكردي موجود أيضاً، وثمة ستة من الكرد القدماء الذين تناولوا علاقة النسب بين الكرد والعرب.


أما الأول والأقدم فهو الشاعر الحسين بن داود البَشْنَوي (ت 465 هـ = 1074 م)، قال العماد الأصفهاني في (خريدة القصر، ج 2، ص 541): ” ” ومن الأكراد الفضلاء الحسين بن داود البَشْنَويّ، ابنُ عمِّ صاحب فنَك، عصره قديم، وبيتُه كريم، … توفّي في سنة خمس وستين وأربعمائة، وله ديوان كبير، وشِعرٌ كثير “.


وبخصوص قلعة فَنَك قال ياقوت الحموي:


” وفَنك أيضاً قلعة حصينة منيعة لأكراد البَشْنَويّة قرب جزيرة ابن عُمر [= جزيرة بوتان]، بينهما نحو من فرسخين [= 11 كم تقريباً]، ولا يقدر صاحب الجزيرة ولا غيره – مع مخالطتهم للبلاد- عليها، وهي بيد هؤلاءِ الأكراد منذ سنين كثيرة نحو الثلثمائة سنة، وفيهم مُرُوّة وعصبية، ويحمون من يلتجئ إليهم، ويُحسنون إليه ” (معجم البلدان، ج 4، ص 316 – 315).


وكان الشاعر الحسين بن داود البشنوي معاصراً لأحداث نشأة الإمارة الدُّوستكية الكردية- عُرفت بعدئذ باسم (الدولة المروانية)- ولا سيما كفاح الأمير الكردي باز (باد) بن دُوسْتِك الحَميدي ضد الدول البويهية وحلفائهم الحمدانيين والعُقَيْليين، وكان الكرد البَشْنوية- أصحاب قلعة فَنَك- من أنصاره، ووصف هذا الشاعر معركة باجُلايا التي دارت بين باز وخصومه، وقُتل فيها (ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 9، ص 35 . عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين، ج 13، ص 382) . والذي يهمنا في الأمر أن الحسين بن داود البَشنوي يقول في بيتين من قصيدة له:


إن يَعْرِف الناسُ رَسْم الذُّلِّ في جهةٍ


فالذلُّ عنـــد بني مِِهْرانَ مجهولُ


نحن الذُّؤابةُ من كُرْدِ بنِ صَعْصَعةٍ


من نَسْلِ قيسٍ لنا في المَحْتِد الطُّولُ(العماد الأصفهاني: خريدة القصر، ج 2، ص 542)


ومن الواضح أن البشنوي يفتخر بانتساب قومه إلى قبيلة مِهْران (أي الشمسانيون، نسبة إلى مِهْر اسم الشمس)، والأرجح أنها القبيلة الكردية المعروفة الآن باسم (مِيران)، ويبدو أن قبيلة بشنوي فرع منها، ولا يكتفي البشنوي بذلك بل يفتخر بأن قومه يتربّعون على قمة بني (كرد بن صَعْصَعَة)، من فرع قيس عَيْلان العدناني (عرب الشمال)، وهذا يعني أنه كان مطّلعاً على الروايات التي نسبت الكرد إلى العرب، وأنه يقر بأن الكرد عرب عدنانيون.


ومرة أخرى نسب البشنوي نفسه إلى فرع قيس من العرب العدنانيين (عرب الشمال)، وذلك في قصيدة أفصح فيها عن تشيّعه، وعن إخلاصه لآل البيت، وهاجم الذين اغتصبوا حق آل البيت في الخلافة، وهو يقصد خلفاء بني العباس، وسمّاهم النواصب، وهو المصطلح الذي يطلقه الشيعة على من لا يقر من أهل السُنّة بأحقية ذرية علي بن أبي طالب وفاطمة بنت النبي بالخلافة، قال البشنوي:أآلُ طــــهَ بلا نصيبٍ


ودولةُ النَّصْب في انتصاب؟!


إنْ لم أُجرِّد لهـا حُسامي


فلست من قيسٍ في اللُّباب


مَفاخِر الكُرْدِ في جُدودي


ونَخوةُ العُرْبِ في انتسابي


(العماد الأصفهاني: خريدة القصر، ج 2، ص 542)


ويبدو أن مسألة انتساب الكرد إلى العرب غير واضحة في ذهن البشنوي، أو ربما أن له تصوراً معيّناً لسنا قادرين على فهمه، فهو ينتسب إلى عرب قيس العدنانيين، وفي الوقت نفسه يجمع في نسبه بين الكرد والعرب، وكأن الكرد غير العرب، وهذا مخالف لما سبق أن قاله من أن قومه ينتسبون إلى كرد بن صَعْصَعَة، ترى هل كان يقصد أن قومه جمعوا بين أمجاد الأصل (العرب) وأمجاد الفرع (الكرد) معاً؟ ربما.


وأما الكردي الثاني الذي تناول مسألة نسبة الكرد إلى العرب فهو الملك الأيوبي المعزّ إسماعيل بن طُغْتكين (قتل سنة 598 هـ = 1202 م)، لكن الرجل نسب قومه الأيوبيين فقط إلى العرب، وإلى قريش على وجه التحديد، ولم يدّع أن الكرد كلهم عرب، فقد ذكر ابن الأثير في (الكامل في التاريخ، ج 12، ص 130) أن إسماعيل بن سيف الإسلام طُغتكين بن أيوب صار ملك اليمن بعد وفاة أبيه طغتكين أخي صلاح الدين، وأضاف قائلاً:


” وكان أهوج، كثير التخليط، بحيث إنه ادّعى أنه من قريش من بني أميّة، وخطب لنفسه بالخلافة، وتلقّب بالهادي، فلما سمع عمّه الملك العادل [= أخو صلاح الدين] ذلك ساءه وأهمّه، وكتب إليه يلومه ويوبّخه، ويأمره بالعَوْد إلى نسبه الصحيح، ويترك ما ارتكبه مما يضحك الناس منه، فلم يلتفت إليه، ولم يرجع وبقي كذلك، وانضاف إلى ذلك أنه أساء السيرة مع أجناده وأمرائه، فوثبوا عليه وقتلوه، وملّكوا عليهم أميراً من مماليك أبيه “.وقال المقريزي في أحداث سنة (594 هـ):


” ادّعى معزّ الدين إسماعيل بن سيف الإسلام طُغتكين ملك اليمن الإلهيةَ نصف نهار، وكتب كتاباً وأرّخه من مقرّ الإلهية، ثم رجع عن ذلك، وادّعى الخلافة، وزعم أنه من بني أمية، ودعا لنفسه في سائر مملكته بالخلافة، وقطع الدعاء من الخطبة لبني العباس “ (السلوك لمعرفة دول الملوك، ج 1، ص 173- 174)


وقال الزركلي في (الأعلام، ج 1، ص 316):


المعزّ الأيوبي: إسماعيل بن طُغتكين بن أيوب، سلطان اليمن، خرج في زمان أبيه عن مذهب أهل السُّنة في اليمن، واتبع مذهب الإسماعيلية، فطرده أبوه، فخرج من زَبِيد يريد بغداد، فتوفّي أبوه عقب خروجه (سنة 593 هـ)، فعاد قبل أن يبتعد، ودخل زبيداً فمكث يوماً، وخرج إلى تَعِز، فأظهر فيها مذهبه، وقويت به الإسماعيلية. وكان فارساً سفاكاً للدماء، شاعراً، وقيل: خولط في عقله، فادّعى أنه قرشي النسب، من بني أُميّة، وخوطب بأمير المؤمنين، ثم تألّه، وأمر أن يكتب عنه (صدرت هذه المكاتبة من مقرّ الإلهية)، وبغى وطال ظلمه، إلى أن قتله بعض من معه من الأكراد في زَبِيد، ونصبوا رأسه على رمح، وداروا به بلاد اليمن “.


وهكذا نجد أن جميع الروايات تؤكد أن الملك إسماعيل الأيوبي هذا كان شخصاً طموحا جداً، وكان صاحب أحلام سياسية كبيرة، وأنه طمح إلى منصب الخلافة، وهو منصب خاص بقبيلة قريش العربية حسب أغلب المدارس الفقهية الإسلامية، ووجد أن ثمة عائقاً (ڤيتو) هائلاً يعترض سبيل أحلامه، وهو أن الخليفة لا بد أن يكون عربي النسب، ومن قبيلة قريش، فقرر التغلب على ذلك (الڤيتو)، فاختلق لأسرته الأيوبية نسباً عربياً قرشياً أموياً، واختار بني أمية تحديداً لأنهم كان أصحاب الخلافة قبل العباسيين، ولكن الرجل لاقى معارضة شديدة من عمّه الملك العادل، ومن سائر أفراد الأسرة الأيوبية، واستنكروا عليه الانخلاع من أصله الكردي، ولما خالفهم وأصرّ على الاستمرار في مشروعه السياسي الطموح، اتخذوا قرار القضاء عليه.


وأما الكردي الثالث الذي أورد نسبة الكرد إلى العرب فهو القاضي المؤرخ ابن خَلِّكان الإربلي (ت 681 هـ = 1282 م)، فقد قال في معرض حديثه عن ترجمة القائد العربي المهلّب بن أبي صُفْرة:


” وحكى أبو عمر ابن عبد البَر صاحب كتاب الاستيعاب في كتابه الذي سمّاه القَصْد الأَمَم في أنساب العرب والعجم- وهو كتاب لطيف الحجم- أن الأكراد من نسل عمرو مُزَيْقِياء ” (وفيات الأعيان، ج 5، ص 357).


وابن عبد البر هذا هو يوسف بن عبد الله القُرطبي (ت 463 هـ = 1071 م)، ولا ريب في أنه قد استقى هذه المعلومة ممن سبقه من النسّابة والمؤرخين، من أمثال المسعودي وغيره، وها نحن نرى أن ابن خلّكان قد أورد المعلومة من غير تعليق عليها ولا إبداء الرأي فيها، هذا مع العلم أنه مؤرخ قاض، ومن منهج القضاة أن يدققوا ويحققوا، وهذا أمر عهدناه منه في أمكنة أخرى من كتابه (وَفَيات الأعيان)، وكنا نتوقع منه أن يفعل ذلك بشأن هذه المسألة أيضاً، ولا سيما أنه كردي الأصل، ينتسب إلى جعفر بن يحيى بن خالد البَرْمَكي، وكان حريصاً على أن ينقل خبر نسبه البرمكي الكردي إلى ابنه موسى، وأكد له أن قبيلته التي ينتسب إليها كردية واسمها (زرْزاري= ولد الذئب).


وأما الكردي الرابع الذي ذكر نسبة الكرد إلى العرب فهو الملك الأيوبي المؤرخ أبو الفداء إسماعيل (ت 732 هـ = 1331 م)، إن جدّه الخامس هو شاهنشاه أخو السلطان صلاح الدين الأيوبي، ولكن الجدير بالانتباه أن أبا الفداء لم يجزم بانتساب الكرد إلى العرب، وإنما نقل بأمانة ما ورد في المصادر، ولم يذكر رأيه في الموضوع، فقد جاء في كتابه (المختصر في أخبار البشر، ج 1، ص 83):


” والفرس فرق كثيرة، فمنهم الديلم، … ومنهم الجِيل … ومنهم الكرد،… وقيل: إِن الكرد من العرب، ثم تنبّطوا. وقيل: إِنهم أعراب العجم “.


وأما الكردي الخامس الذي تناول مسألة تنسيب الكرد إلى العرب فهو العلاّمة محمد أفندي الكردي، ولم نجد في المصادر التي بين أيدينا معلومات كافية عن هذا الرجل، ويبدو أنه كان من مشاهير علماء عصره، وإذا أخذنا في الحسبان أن لقب (أفندي) ظهر في عهد الدولة العثمانية، وكان يُطلق على كبار العلماء والموظفين، ويعادل لقب (أستاذ) في عصرنا، فلنا أن نقول: إنه من علماء الكرد في الدولة العثمانية المتأخرين، وذكر الزبيدي أن العلامة محمد أفندي استقى معلوماته من كتاب (مناهج الفِكَر ومناهج العِبَر) للكُتْبي، وبالعودة إلى حاجي خليفة في كتابه (كشف الظنون، ج 2، ص 1846) وجدنا ما يلي: ” مناهج الفكر ومناهج العبر … للشيخ جمال الدين : محمد بن إبراهيم الوطواط الكتبي الورّاق، المتوفّى سنة 718 هـ “.


وهكذا لا يبقى شك في أن العلامة محمد أفندي الكردي عاش في القرن الثامن الهجري (السادس عشر الميلادي) أو فيما بعد، وقد رجّح عباس العَزّاوي في كتابه(عشائر العراق، ج 1، ص 201، نسخة إلكترونية) أن محمد أفندي المذكور هو محمد بن سليمان الكردي الذي ذكره المُرادي في كتابه (سِلك الدُّرَر في أعيان القرن الثاني عشر، ج 4 ص111) والمتوفّى سنة (1194 = 1780م). وقد ذكر الزبيدي العلامةَ محمد أفندي في (تاج العروس، مادة كرد) قائلاً:


” وقد ألّف في نسب الأكراد فاضل عصره العلاّمة محمد أفندي الكردي وذكر فيه أقوالاً مختلفة بعضُها مصادم للبعض، وخَبَط فيها خِبْط عََشْواء، ورجّح فيه أنه كُرْد بن كنعان بن كُوش بن حام بن نوح، وهم قبائل كثيرة، ولكنهم يرجعون إلى أربعة قبائل: السُوران، والكُوران، والكَلْهُور، واللُّر. ثم إنهم يتشعّبون إلى شعوب وبطون وقبائل كثيرة لا تُحصى، متغايرة ألسنتهم وأحوالهم “.


وأضاف الزبيدي قائلاً:


” ثم قال محمد أفندي المذكور: … وقيل: عصى قوم من العرب سليمان عليه السلام، وهربوا إلى العجم، فوقعوا في جَوار كان اشتراها رجل لسليمان عليه السلام، فتناسلت منها الأكراد “.


وخلاصة ما نخرج به مما أورده محمد أفندي أنه كان يمتلك معلومات دقيقة حول الفروع الرئيسة التي يتألف منها الكرد، فذكر (السُوران والگُوران والكلهور واللور)، ولعله جعل الكرمانج والسوران فرعاً واحداً، ويبدو أنه ضاع في زحمة الروايات القديمة، ووقع في أسرها باعتبارها كانت مرتبطة على الغالب بسياق (المقدس)، فجمع بين الأقوال المختلفة والمتباينة، وكانت النتيجة أنه رجّح رأياً مفاده أن الكرد ينتسبون إلى ” كُرْد بن كنعان بن كُوش بن حام بن نوح “، وبذلك يكون محمد أفندي قد أخرج الكرد من دائرة الانتساب إلى العرب والفرس دفعة واحدة، باعتبار أن هذين الشعبين هما من سلالة (سام بن نوح) حسب التصنيف التوراتي، وصنّف الكرد في بني كنعان، ونسبهم من ثَمّ إلى حام بن نوح، ولذا حكم عليه الزبيدي بأنه ” خَبَط فيها خَبْط عَشْواء “.


وأما الكردي السادس الذي أورد نسبة الكرد إلى العرب فهو إبراهيم فصيح الحيدري (ت 1299 هـ = 1881 م)، قال عنه الزركلي (الأعلام، ج 1، ص 44) :


” إبراهيم بن صِبْغة الله بن أسعد الحيدري، فصيح الدين، ويقال له إبراهيم فصيح، أديب بغدادي المولد والمنشأ والوفاة، كردي الأصل، تولى نيابة القضاء ببغداد، وألف كتباً “.وقد قال عباس العزّاوي في كتابه (عشائر العراق، ج 1، ص 141، نسخة إلكترونية):


” ومن المتأخرين إبراهيم فصيح الحيدري قد تعقّب ما جاء في تفسير الآلوسي، فقال: والأكراد كلهم على ما في القاموس [= المحيط] من أولاد كرد بن عمرو مُزَيْقِيا…. فعلى هذا تكون الأكراد من أشراف العرب وأكابرهم، وكرمُهم وشجاعتُهم وغيرتُهم أعدلُ شهود على كونهم من أشراف العرب. وأما ذكرُ بعضهم من أنهم ليسوا من العرب فهو من قبيل التعصب، وكفى صاحب القاموس تصحيحاً وشهادة، فهم على ما ذكره المجد صاحب القاموس [= الفيروزآبادي] من قحطان من العرب العاربة نسباً. لأن مزيقيا على ما ذكره علماء النسب من بني قحطان. وتبدّل لسانهم لقرب منازلهم من العجم “.


ومن الواضح أن هذا العالم الكردي لم يكن راضياً عما أورده الآلوسي حول عدم نسبة معظم الكرد إلى العرب، وأحيا من جديد الرواية التي أوردها الفيروزآبادي بشأن نسبة الكرد إلى بني قحطان، وله في ذلك حجتان نراهما بعيدتين عن الموضوعية ومنطق العلم:


الأولى احتجاجه بما أورده الفيروزآبادي، وكأن الفيروزآبادي حُجّة في هذا المجال، علماً بأن الرجل لغوي وليس نسّابة ولا مؤرخاً، وأنه استقى معلومته هذه مما جاء قبله في روايات المسعودي وغيره.


والثانية اتهام علماء الكرد غير المتفقين معه بأنهم متعصبون، وما هكذا يكون الحجاج العلمي الرشيد والرصين.


هل الكرد من أصل عربي؟


وحان لنا أن نتساءل: أين هي الحقيقة؟ هل الكرد من أصل عربي حقاً؟


وكي نجيب بـ (نعم) أو (لا)، دعونا نلق نظرة فاحصة وشاملة على المعلومات والمعطيات المتعلقة بالموضوع، وإليكم خلاصتها:


أولاً: بُنيت الروايات التي نسبت الكرد إلى أصل عربي على عبارات غير دقيقة، أبرزها: (قيل، ويقال، ومن الناس من رأى، ومن الناس قال، ومن الناس من زعم…).


ثانياً: لم يرد في تلك الروايات والأقوال من الأدلة التاريخية واللغوية والإثنولوجية ما يؤكد نسبة الكرد إلى العرب، سوى أن ثمة إشارات قليلة دارت حول الشبه بين العرب والكرد من حيث طابع حياة (البداوة) الذي كان غالباً على الشعبين قديماً، والشبه في بعض القيم مثل الأَنَفة والشجاعة والكرم.


ثالثاً: لم نجد في كتب الأنساب المهتمة بقبائل العرب وتفرعاتها أية قبيلة باسم كرد، بل لم يقف مؤلفوها عند الروايات التي نسبت الكرد إلى العرب، وهذا دليل على أنهم كانوا يعرفون عدم صحة تلك الروايات، فأهملوها، وأذكر من تلك الكتب: (نسب قحطان وعدنان للمُبَرِّد)، و(جمهرة أنساب العرب لابن حَزْم الأندلسي)، و(لبّ اللباب في تحرير الأنساب للسُّيوطي)، و(نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقَلْقَشَنْدي)، و(الأنساب للسمعاني)، والأغرب من هذا كله أنه لم يرد شيء عن ذلك في كتاب (جمهرة أنساب العرب لابن الكلبي)، وابن الكلبي هذا هو هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وقد مر أن ابن السائب الكلبي واحد من أقدم نسّابَين عربيَّين أُسندت إليهما روايات نسبة الكرد إلى العرب، فكيف لا ينقل عنه ابنه هشام ذلك وينقله الآخرون؟ تُرى هل أشاع ابن السائب تلك الروايات، واختلف معه ابنه هشام في ذلك فأهملها؟


رابعاً: ثمة مؤرخان مشهوران في ميدان التاريخ الإسلام، هما الطَّبَري وابن الأثير (عز الدين)، فما رأي كل منهما في هذا الباب؟


أما الطبري (ت 310 هـ = 923 م) فهو أقدم المؤرخين المسلمين، ومن أكثرهم دقة في سرد المعلومات، وهو من مشاهير مفسري القرآن، وكان يطبق ضوابط الأحاديث النبوية على الخبر التاريخي، من حيث صحة الإسناد، والغريب أنه لم يعرّج على أصل الكرد لا من قريب ولا من بعيد، ولم ينسبهم إلى أحد، وإنما كان يذكرهم باسم (الأكراد) حيناً، وباسم (الكرد) حيناً آخر، يقيناً منه بأنهم شعب له خصوصيته العرقية، وليس مضافاً إلى شعب آخر.


وأما ابن الأثير (ت 630 هـ = 1233 م) فنهج نهج الطبري، ولا ننس أنه كان معاصراً للدولة الأيوبية الكردية، بل إن أسرته تنتمي إلى جزيرة ابن عمر (جزيرة بُوتان) في كردستان (جنوب شرقي تركيا حالياً)، وقد صنّفه بعض المؤلفين الكرد- ومنهم المؤرخ محمد أمين زكي- ضمن مشاهير الكرد؛ باعتبار أن نسبه ينتهي بلقب (الجَزَري) نسبة إلى جزيرة ابن عمر، ولم أجد- إلى الآن- دليلاً على ذلك، فقد جاء في نسب أسرته لقب (الشَّيْباني)، وشَيْبان قبيلة عربية أصيلة، ولم أجد- إلى الآن- معلومة تفيد أن أسرته من (موالي بني شيبان)، والمهم أن هذا المؤرخ الخبير بالكرد، والمنتمي إلى الجغرافيا الكردية لم ينسب الكرد سوى إلى أنفسهم؛ هذا مع كثرة اهتمامه بالبحث في أصول شعوب غربي آسيا، ولا سيما العرب والفرس.


خامساً: من المؤرخين والعلماء القدماء من رفض صراحةً نسبة الكرد إلى العرب، قال ابن خلدون(ت 808 هـ = 1406 م) (تاريخ ابن خلدون،ج 3، ص 14):


” وقد قيل إن الكرد والدَّيْلَم من العرب، وهو قول مرغوب عنه “.


وقال الآلوسي في (روح المعاني، ج 25، ص 103):


” والذي يغلب على ظني أن هؤلاء الجيل الذين يقال لهم اليوم أكراد لا يبعد أن يكون فيهم من هو من أولاد عمرو مُزَيْقيا، وكذا لا يبعد أن يكون فيهم من هو من العرب، وليس من أولاد عمرو المذكور، إلا أن الكثير منهم ليسوا من العرب أصلاً. وقد انتظم في سلك هذا الجيل أناس يقال: إنهم من ذرية خالد بن الوليد، وآخرون يقال: إنهم من ذرية مُعاذ بن ّجَبَل؛ وآخرون يقال: إنهم من ذرية العباس بن عبد المطلب، وآخرون يقال: إنهم من بني أميّة، ولا يصحّ عندي من ذلك شيء، بيد أنه سكن مع الأكراد طائفة من السادة أبناء الحسين رضي الله تعالى عنهم يقال لهم البرزنجية لا شك في صحة نسبهم“.


وقال المقريزي في كتابه (المواعظ والاعتبار، ج 2 ، ص 232)، وهو يتحدث عن تاريخ الأسرة الأيوبية:


” وقيل هم يُنسَبون إلى كرد بن مرد بن عمرو بن صَعْصَعَة بن معاوية بن بكر، وقيل هم من ولد عمرو مُزَيْقِيا بن عامر ابن ماء السماء، وقيل من بني حامد بن طارق، من بقية أولاد حُميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ. وهذه أقوال الفقهاء لهم ممن أراد الحُظوة لديهم عندما صار المُلك إليهم، وإنما هم قبيل من قبائل العجم “.


سادساً: تؤكد جميع الدراسات العلمية في العصر الحديث أن الكرد من العرق الآري (الهندو أوربي)، وليسوا من العرق السامي، واستدلوا على ذلك بالاختلاف الجوهري بين اللغتين الكردية والعربية من حيث الخصائص الصوتية والصرفية والنحوية، لكن لا ننس أن من الرواة من برر ذلك بأن أولئك العرب خالطوا العجم، فنسوا لغتهم، واكتسبوا لغة جديدة، وعلى أية حال لم يتخذ علماء العصر الحديث مسألة اللغة فقط دليلاً على أن الكرد شعب آري، وإنما ربطوا ذلك بكثير من الأدلة التاريخية والأركيولوجية والإثنولوجية، وتناولوا وجود الكرد في إطار الهجرات الكبرى التي قامت بها الشعوب الآرية من وسط آسيا باتجاه الجنوب (الهند) والغرب (إيران وكردستان)، والشمال (أوربا)، وتلك الأدلة مبسوطة في معظم المؤلفات التي دارت حول الكرد، وذكر الكاتب الأرمني أرشاك سافراستان بعضها في كتاب له ترجمناه، وهو بعنوان (الكرد وكردستان)، كما أننا ذكرنا أهمها في كتابنا (تاريخ الكرد في الحضارة الإسلامية).


وخلاصة ما جاء في تلك المؤلفات أن الكرد هم أحفـاد الأقـوام الآرية (الهندو أوربية) التي سكنت البلاد التي سمّيت بعدئذ (كردستان) منذ ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد (لولو، گوتي، كاشّو، ميتّاني، سوباري، نايري، أورارتو)، وامتزج هؤلاء بأقوام آخرين كانوا يفـدون إلى كردستان من الشمال الشرقي، ومن أبرز هؤلاء الأقوام: الميديون الذين أسّسوا المملكة الميـدية، وأسقطوا الإمبراطورية الآشورية بالتعـاون مع الدولة البابلية سنة (612 ق.م).


هذه هي الحقيقة إذا انطلقنا من السؤال: هل الكرد من أصل عربي؟


أما إذا سألنا: ألا يمكن أن تكون ثمة جذور إثنولوجية وثقافية عريقة مشتركة بين العرب والكرد؟ فالأرجح أن النتائج ستكون مختلفة، بل قد تكون غريبة ومثيرة، وربما تُهدّم كثيراً من القناعات التي عُدّت وما زالت تُعدّ من الثوابت التاريخية الراسخة، لكن البحث في المسألة من هذا المنظور بحاجة إلى قدر كبير من الحفر في تاريخ شعوب غربي آسيا قبل الميلاد بأكثر من ثلاثة آلاف عام، وتدقيق النظر في التكوين البدئي لكل من العرب والكرد.


وهذا كله بحاجة إلى المزيد من التسلّح بآليات التفكير العلمي الموضوعي، والالتزام بالمزيد من معايير البحث العلمي النزيه، وفوق هذا وذاك إنه بحاجة إلى مزيد من الجرأة على التحرر من جبروت خريطة الأنساب العبرانية المهيمنة إلى الآن على تصنيف الشعوب في ثقافات شرقي المتوسط.


وإلى اللقاء في الحلقة الخامسة.


 


المراجع


1. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979.


2. الآلوسي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الفكر، بيروت، 1978.


3. حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، جامعة إستانبول، 1941.


4. ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، دار الكتاب المصري- القاهرة، دار الكتاب اللبناني- بيروت، 1999.


5. الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، المطبعة الخيرية، القاهرة، 1306 هـ.


6. الزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1986.


7. عباس العزّاوي، عشائر العراق، نسخة إلكترونية.


8. العماد الأصفهاني: خريدة القصر وجريدة العصر (قسم شعراء الشام)، تحقيق الدكتور شكري فيصل، المطبعة الهاشمية، دمشق، 1959.


9. عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين، مكتبة المثنى، بيروت، ودار إحياء التراث العربي، بيروت، 1957.


10. أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، 1970.


11. المرادي: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، مكتبة المثنى، بغداد، 1968.


12. المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، الطبعة الخامسة، 1973.


13. المقريزي: كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، نشره محمد مصطفى زيادة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، 1957.


14. المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (الخطط المقريزية)، دار صادر، بيروت، 1974.


15. ابن منظور لسان العرب المحيط، دار الجيل- بيروت، دار لسان العرب – بيروت، 1988.


16. ياقوت الحموي: معجم البلدان، تحقيق فريد عبد العزيز الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990.


  في 16 – 11 –  2008