الرئيسية » مقالات » شبكة الحماية الاجتماعية بين الفوضى والقانون

شبكة الحماية الاجتماعية بين الفوضى والقانون

تطالعنا الصحف ووكالات الأنباء بين فترة وأخرى عن وجود أسماء وهمية في المشمولين باستلام رواتب الرعاية الاجتماعية في محافظة من المحافظات ولو تهيأ لنا جمع الأعداد المذكورة لتبين لنا أنها تتجاوز المليون أسم وهمي وهذا الرقم المفزع يبين أن الوزارة الكريمة لا تمتلك المؤهل الكافي أو القدرة على تحسين أدائها وتمشية أعمالها لوجود خلل كبير في أدارتها وهيكلتها ابتداء من وزيرها وانتهاء بفراش الدائرة ،لأن الفساد الذي ينخر فيها أكبر من أن تستطيع معالجته هذه الإدارة النائمة التي اتخذت من أصحاب الكهف مثالا لها فنامت إلى يوم يبعثون ،ولكن هل الخلل في الجهات القائمة على الصرف وتنظيم المعاملات أم أن الخلل في الآلية المتبعة في الاختيار ،وهل تتحمل الوزارة لوحدها هذا الإخفاق رغم أنها الفاعل الأول والمسئول المباشر أم تتحملها الجهات الأخرى ،هذا ما يستحق الوقوف عنده ومناقشته.

فقد أوكلت الوزارة الكريمة إلى دوائرها في المحافظات لتمشية هذه المعاملات بالتعاون مع المجالس البلدية ومجالس المحافظات ،وبما أن المجالس التي تعتبر رقابية تشريعية هي أساس الفساد في البلد فقد أتبعت الطرق الفاسدة في الاختيار واختارت لجان أقل ما يقال فيها أنها غير مؤهلة لهذا العمل لافتقارها إلى الأمانة والنزاهة ،وأضيف لهم عضو المجلس حتى تتوزع المسئولية بين هذه الأطراف ،فكان الصيد الدسم لهم في تسجيل الأقارب والأصهار والمعارف من غير المستحقين لها أصلا،ولكن كيف يتم تسجيل الأسماء الوهمية وصرف الرواتب لها إذا لم يكن للوزارة ضلع فيها ،وكيف لموزع الرواتب أن يصرف الراتب للمشمولين دون حضورهم،وهذا يعني في أبسط الاحتمالات وجود تنسيق مسبق بين الوزارة ومديرياتها والجهات الأخرى لأن الجميع يشاركون في الغنيمة التي تأتيهم بالمال والبنون وجميع ما يشتهون من متع الدنيا ولذاتها على القاعدة الاجتماعية القائلة(مال إبليس للشيطان) أي المال الحرام يصرف في وجوه الحرام لذلك نرى هؤلاء أعادوا إلى الأذهان أيام الأمراء والسلاطين فحفلاتهم الماجنة في المزارع والقصور الكبيرة التي شيدت من أموال الفقراء كافية لأحياء الليالي الحمراء اللاهية لينصرفوا نهارا لتأدية الفروض الدينية أمام الناس فكانوا يتعاملون بوجهين وجه للناس ووجه لأنفسهم فيظهرون لهم بمظهر العابد الورع فيما هم يقضون الليل بقراءة المقامات ومعاقرة المسكرات أعاذنا الله وإياكم منها مولانا الكريم.

أن ما دفعني للعودة إلى هذا الأمر ما نشر في وسائل الأعلام قبل أيام عن صرف أكثر من 20 ألف راتب لأشخاص وهميين ومتوفين في محافظة البصرة ،فقد قرر مجلس المحافظة إيقاف العمل بشبكة الحماية الاجتماعية واتهم مجالس البلديات المحلية وموظفي الدائرة بالفساد، فيما طالب رئيس المجلس البلدي في العشار بتشكيل لجان مشتركة من مجلس المحافظة والمجالس البلدية لمتابعة ومراقبة عمل الدوائر الحكومية. وقال نائب رئيس مجلس المحافظة نصيف العبادي في مؤتمر عقد في مقر المجلس بالساعي أمس، إن قرار إيقاف العمل بشبكة الحماية تم بناء على توصيات لجنة من المجلس أشرت وجود فساد مالي في عمل الدائرة .

وكشف العبادي إن قسم الرعاية الاجتماعية صرف أكثر من 20 ألف راتب لأشخاص وهميين ومتوفين بالاتفاق مع عناصر من المجالس المحلية .

وأوضح إن لجنة لتقصي الحقائق من المجلس وجهات أخرى ستقوم بمراجعة شاملة لسجلات الدائرة للوقوف على تلك الخروقات المالية وإحالة نتائج التحقيق إلى لجنة النزاهة.

يذكر إن لجنة من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قررت إجراء التحقيق بشأن الاتهامات ذاتها في تموز الماضي وقررت إعفاء مدير الشبكة من منصبه ومعاقبة المنتسبين المخالفين في إعمالهم بعقوبات إدارية غير إن الأمر تفاقم بشكل كبير،حسب العبادي ،ما جعل مجلس المحافظة يتخذ قرارا بإيقاف عمل الدائرة بالرغم من وجود لجنة للإشراف عليها مشكلة بأمر من الوزير وبرئاسة نائب محافظ البصرة.

ولو عدنا للعقاب الصارم الذي عوقب به هؤلاء الفاسدين والذين كانوا وراء سرقة ملايين الدنانير لوجدنا أن العقوبة لا تنسجم مع الجرم المرتكب فألفات النظر والتنبيه والتوبيخ هو أقصى ما وصل إليه قانون معاقبة موظفي الدولة وبذلك تشجيع للصوص والفاسدين لنهب المال العام لأن الجهات العقابية لا تحكم عليهم بالعقوبات الرادعة التي تجعلهم مثالا لمن تسول له نفسه سرقة المال العام وأن من يسرق الملايين لا يضيره إذا عوقب بعقوبة تافه يكون بعدها من أصحاب العقارات والشركات لذلك يتطلب الأمر أن تكون العقوبة بمستوى الجرم وأن لا تقل العقوبة عن السجن الثقيل ومصادرة أموال الفاسد المنقولة وغير المنقولة وإلزامه بإعادة المبالغ المسروقة مع فوائدها المقررة في نظام المصارف ولا يطلق سراحه إلا بعد أعادة ذلك المبلغ وإلا سيكون الموظف العراقي لصا من الدرجة الأولى لأن من أمن الحساب لا يعمل الصواب.

والأمر المثير أن المجالس التي يقال أنها منتخبة فوق الميول والاتجاهات ولا تشملها القوانين المرعية والدليل أن الفساد المستشري في البلاد تقف وراءه هذه المجالس حيث أصبح أعضائها من أصحاب الملايين وأصحاب الشركات التي تتولى أعمار البلاد ،فكيف يتم معالجة الحال :

إذا كان رب البيت في الدف ناقر فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

وإنشاء الله بوجود الغيارى سيرقص جميع العراقيين على أنغام الفساد والويل لغير الراقصين فسيكونون في أرذل درجات الفقر والعبودية بعد أن يصبح هؤلاء اللصوص أسياد البلد ومالكيه بما توفرت لهم من أموال وامتيازات.

والغريب في القرارات المتخذة أنها لا تمس المجرمين بل تنال من الفقراء والمساكين فحجب الراتب عن الجميع يعني عقوبة جماعية لحقت بالمذنب والبريء والأمر أن يكون العقاب لمن أساء وقصر في واجبه أو من أستغل هذا المشروع الإنساني ليحقق من وراءه مكاسب مادية غير مشروعة، وهذا ينطبق عليه المثل الشعبي (أجه يكحلها عماها) .