الرئيسية » مقالات » من المسئول عن التطهير العرقي للمسيحيين في العراق؟

من المسئول عن التطهير العرقي للمسيحيين في العراق؟

اختلطت الأمور فيما حدث ويحدث للمسيحيين فى العراق، السياسى بالدينى بالعرقى بالجغرافى، والمحلى بالاقليمى بالدولى، والإرهاب العشوائى بإرهاب المليشيات الطائفية،وإطماع المجرمين واللصوص وقطاع الطرق فى ممتلكات المسيحيين والكنائس والأديرة باطماع الجار العادى وإستغلاله للأزمة للإنقضاض على ممتلكات شريك الوطن والتاريخ، ولكن المؤكد أن الأمر تعدى هذه المرة التهميش السياسى وتحجيم دور المسيحيين ضمن توزيع الكعكة السياسية كما حدث بالغاء المادة 50 من قانون انتخابات مجالس المحافظات فى 24 سبتمبر 2008، بل والتمييز الدينى وحتى الإضطهاد إلى التطهير العرقى والدينى والإستئصال والإنقراض الديموجرافى. ما حدث ويحدث هو جرائم إبادة وتعريض أقلية للهلاك وجرائم ضد الإنسانية وفقا لنظام روما تتطلب تحركا دوليا لتحديد المسئولية ومن ثم إحالة مرتكبى هذه الجرائم سواء أفراد أو جماعات إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويحتاج الأمر كذلك إلى لجنة تحقيق دولية يتبناها مجلس الأمن، كما حدث فى جرائم دولية أخرى، للوصول إلى الحقيقة ومعاقبة المتورطين. على المجتمع الدولى أن يتحرك قبل تفريغ الشرق الأوسط برمته من مسيحييه.
منذ عام 2003 تعرضت كنائس ومنازل وممتلكات مسيحيين العراق إلى أكثر من 200 تفجير وفقا لتقديرات المنظمات الحقوقية وقد نتج عن ذلك مئات القتلى بما في ذلك بعض رجال الدين وتدمير العشرات من الكنائس والمنازل ونهب واسع طال هذه الممتلكات، ووفقا لتقديرات بعض المنظمات المسيحية فى العراق منذ سقوط بغداد عام 2003 قتل نحو 1000 مسيحى بينهم 8 كهنة وأسقف الموصل للكلدان بولس فرج رحو، وأحرق نحو 500 محل تجارى وهوجمت 52 كنيسة، واغتصبت عشرات الفتيات، وأجبرت مجموعات تابعة لجيش المهدى الفتيات المسيحيات على ارتداء الحجاب. ولهذا جاء بيان رؤساء الطوائف المسيحية فى العراق الذى صدر فى 12 اكتوبر 2008 ليؤكد هذه الحقائق وليعلن للعالم ” أن الشعب المسيحى الذى يمتد تاريخه إلى أكثر من ألفى عام قد ساهم فى بناء حضارة وادى الرافدين، هذا الشعب الذى وضع مصلحة الوطن فوق كل الإعتبارات يتعرض اليوم لحملة إبادة جماعية تهدد وجوده فى العراق وبخاصة فى مدينة الموصل، مع إستمرار قتل المسيحيين فى العراق عامة وبغداد والموصل خاصة وتهجيرهم بهدف إفراغ البلد من المسيحيين”.

وفقا لتقديرات وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة فأن عدد الأسر المسيحية التي نزحت عن الموصل فى اكتوبر 2008 تصل إلى 2200 أسرة بما يقارب 13000 شخص، فى حين تقدر المنظمات المسيحية العراقية النازحين ب 4000 أسرة . وقد جاء النزوح نتيجة لمقتل 14 مسيحيا منهم المعاق والسيدة المسنة والطفل مما يؤكد نية الترويع وتهديد وإرهاب الباقين، ووزعت منشورات على أبواب بيوت المسيحيين تخيرهم بين التحول إلى الإسلام، أو مغادرة المدينة أو القتل أو دفع إتاوات كبيرة تعجيزية لا تستطيع الأسر تحملها مما يعنى أن الخطة الموضوعة كانت منظمة ولها أهداف محددة أستتبعها تجميع الظروف القاهرة التي لا تجعل لهم خيارا آخر سوى النزوح والهجرة.
بالنسبة لآحداث الموصل الأخيرة فقد صرح النائب المسيحى فى البرلمان العراقى يونادم يوسف كنا بأن قوة من الفرقة الثانية فى الجيش العراقى تضم أغلبية من الأكرادا هي المسئولة عن ارتكاب 95% من الجرائم التى طالت المسيحيين سواء من قتل أو تهجير فضلا عن تواطئ ضباط من الشرطة هناك كانوا يساندون القوة العسكرية. وقد اكد نفس الكلام النائب عن القائمة العراقية أسامة النجيفى الذى قال بأن رئيس الوزراء نور المالكى قد أطلعه على ملف يثبت تورط الأكراد الموجودين فى الفرقة الثانية والثالثة فى الجيش العراقى فى أحداث الموصل الشمالية، وهكذا أعاد الأكراد حلقات تاريخهم فى ذبح المسيحيين والتى كان أبشعها ما حدث من قتل وذبح الآلاف من السريان والأرمن فى المذابح الشهيرة بين عامى 1914،1918.
المسألة ببساطة ان العراق الجديد قسم عمليا إلى ثلاثة اقسام سياسية ومليشياوية سماهم البعض ” شيعستان”، و”سنستان” و” كردستان”. وقد عملت كل فئة من هذه الفئات الثلاثة على خلق مجالا حيويا لها خاليا إلى حد ما من غيرها من الطوائف العراقية ،ولهذا سعت الفئات الثلاثة عبر مليشياتها إلى التخلص من الأقليات الصغيرة، ولذلك تتحمل الطوائف الثلاثة الشيعية والسنية والكردية مسئولية مشتركة عن ما حدث للمسيحيين منذ عام 2003 وحتى الآن، وكلنا تابعنا ما حدث فى البصرة من ترويع للمسيحيين عبر القتل والتهجير وتفجير الكنائس وتدمير ونهب محلات الخمور ومحاولة إجبار المسيحيات على إرتداء الزى الإسلامى وذلك لتفريغ البصرة وخلق منطقة شيعية متصلة بايران. وفى بغداد تكرر نفس السيناريو، ففى الأسبوع الأول من اغسطس 2004 تم تفجير خمس كنائس عراقية قتل خلالها 11 شخصا وجرح العشرات ويبدو أن ذلك بهدف تفريغ احياء كاملة للسنة ، ولقد قدر وزير المغتربين العراقى عدد المسيحيين الذين تركوا العراق بأكثر من 40 ألف شخص بعد هذه التفجيرات مباشرة، وجاء الدور على الأكراد لخلق منطقة كردية متواصلة بترويع المسيحيين وتهجيرهم من الموصل المتواجدين بها منذ أكثر من ألفى عام، وقد قدرت المنظمات الحقوقية عدد المسيحيين الذين تركوا العراق منذ عام 2003 بأكثر من 250 ألف شخص تشتتوا فى الكثير من الدول حول العالم، أما صحيفة واشنطن بوست فقد ذكرت فى عددها بتاريخ 7 يوليو 2008 أن عدد المسيحيين فى العراق تناقص من مليون فرد عام 2000 إلى حوالى 400 الف فرد حاليا.

إن ما يحدث للمسيحيين فى العراق لا يعد تطهيرا دينيا فحسب ولكنه تطهير عرقى وقومى أيضا حيث يمثل الكلدان والآشوريين والسريان والآرمن قوميات وأعراق وسلالات تسكن هذه المناطق منذ آلاف السنيين مساهمين فى صنع حضارة وتاريخ هذه المنطقة من العالم.
المسئولية عن ما يحدث تقع على عاتق الحكومة العراقية بالدرجة الأولى، تليها القوات الأمريكية كقوة احتلال وفقا لمعاهدات جنيف، ثم على المليشيات الطائفية للشيعة والسنة والأكراد، ثم على المجتمعات العربية والإسلامية التي أكتفت بالإستنكارات الباهتة، فى حين هى مشاركة فى تصدير الإرهاب الدينى إلى العراق، ثم على المجتمع الدولى الذى يترك شعوبا أصيلة تتعرض للإبادة والطرد من أوطانها، ثم على الضمير الإنسانى الذى يصمت على هذه الأفعال المروعة.

إن النظام الطائفى والمليشياوى الذى تمثله الحكومة العراقية لا يستطيع ان يجرى تحقيقا عادلا حول ما حدث للمسيحيين فى العراق، فعلاوة على إنه لا يستطيع ذلك ولا يملك الإمكانيات الفنية لمثل هذا التحقيق، فأنه أيضا مسئول عن جرائم الإبادة هذه بحكم إلتزاماته القانونية الدولية، علاوة على إنه متهم بمشاركته فى هذه الجرائم ضد الإنسانية، ولهذا فأن هناك حاجة ملحة للجنة تحقيق دولية تتولى هذه المهمة.
إن وجود مثل هذه اللجنة الدولية ليس مهما فقط لإعادة الثقة لما تبقى من المسيحيين فى العراق ودعوة الفارين للعودة إلى منازلهم والسعى لتوفير الحماية الكافية لهم ولكن أيضا هى تمثل نوعا من الردع لمنع تكرر مثل هذه الأمور مع بقية مسيحى الشرق الأوسط.
لكل هذه الأسباب تحرك منتدى الشرق الأوسط للحريات لتكوين تحالف كبير من المنظمات الحقوقية الدولية لتقدم للأمين العام للأمم المتحدة، لكى يعرض على مجلس الأمن إرسال لجنة تحقيق دولية للوقوف على الحقيقة فيما يجرى للمسيحيين في العراق، وقد تقابلت مع عدد من رؤساء المنظمات الحقوقية الكبيرة في واشنطن ووافقوا على المشاركة في هذا الجهد وعلينا في اسرع وقت ان نجمع أكبر عدد من المنظمات الحقوقية حول العالم، وهذه دعوة للمنظمات الموجودة فى الشرق الأوسط للمشاركة فى هذا الجهد وخاصة من العراق والأردن وسوريا ولبنان أو أبناء هذه الدول فى المهجر للاتصال بى للتنسيق لكى يخرج هذا الجهد بشكل لائق ومؤثر. ومن جهتى سوف أحاول جمع أكبر عدد من المنظمات الحقوقية فى أمريكا ومصر وبعض المنظمات الأوروبية. علينا أن نتحرك سريعا وعلى المستعدين من المنظمات
للمشاركة الأتصال بى فى واشنطن على تليفونى الخاص.
202 725 3091
أو إرسال فاكس على مقر المنتدى بالقاهرة
22905931-22905932
أو إرسال فاكس على مقر المنتدى بواشنطن
571 522 6561
أو إرسال رسالة من المنظمة على بريدى الالكترونى أدناه تقول فيه بوضوح الموافقة على حملة دولية لإنقاذ مسيحى العراق عبر دعوة الأمم المتحدة لإرسال لجنة تحقيق دولية، مع كتابة تعريف مختصر عن منظمتك.
فى ظل تقاعس الحكومات، على المجتمع المدنى أن يملأ هذا الفراغ ويعمل بشكل جاد لإيقاظ الضمير الإنسانى لوقف هذه المأساة وتحريك العدالة الدولية لإيقاف هذه الأعمال الهمجية ومعاقبة المتورطين فيها.

المدير التنفيذى لمنتدى الشرق الأوسط للحريات
Magdi.khalil@yahoo.com