الرئيسية » مقالات » في الذكرى السادسة لرحيل الأديب والمناضل عبد الغني الخليلي

في الذكرى السادسة لرحيل الأديب والمناضل عبد الغني الخليلي

رايته عند الفجر يطوف في ازقة حارته النجفية ، بثوب ابيض مثل قلبه الصافي ، يضع طاقية مزركشة بخارطة العراق ، يسير بخطىً هادئة ووئيدة ، يصغي إلى صوت المأذن ، وتلتمع في عينيه أضواء القباب الذهبية ، فهو شديد التعلق بمدينته وبنصير الفقراء وامام الزاهدين النائم في ضريحه المقدس ، حيث جاء محبوه ليبنوا بيوتهم ، فكان النبع الذي الذي جذب الضامئون لمائه الغذب ، فامتدت الحارات مثل السواقي فنشأت مدينة النجف على أطراف صحراء ممتدة .
في الذكرى السادسة لرحيله لابد أن نستذكر هذه النخلة العراقية المثمرة المليئة برطب الأدب الذهبية والتي قلعتها من ارضها أيادي همجية لم تألف الأنهار والازهار ، لترمى على حدود غريبة لم تفهم لغته وجمالها وحلاوتها .
في إحدى رسائله للأستاذ ثائر صالح صديق ابنه فارس
يقول( أمس مررت – وأنا في طريقي الى البريد – بحي قديم مهجور، يسرح الحمام على أرضه ، مطمئناً ، فترامى إليَّ صوت عجلات مطبعة تدور ، وكنت قد ألفت هذا الصوت منذ صغري ، فوقفت أستزيد منه ، ففي صداه تسكن طفولتي ، وذكريات مجلات نجفية ، كانت تطبع في مثل هذه المطبعة ، وكنت مولعاً بقراءتها كم تمنيت ، لو يتيح ليَ صاحب هذه المطبعة فرصة العمل عنده مجانا ً، ولو لساعات قليلة ، لأعيش تلك الأيام التي قضيتها عاملاً في احدى مطابع النجف ، وأنا في الثانية عشرة من عمري ، وفي هذا المنفى البعيد صرت أحلم بذكريات ذلك العمر وإنا كنت قد شقيت به )
(ربما يجمعنا الربيع أو الصيف في مدينتك الخضراء فقد دعاني صديق حميم يقيم في بودابست لزيارته وألح بدعوته وبين اسبوع وآخر يتصل بي عبر الهاتف واذ أسمع صوته أنسى أنني في هذا المنفى البعيد فكأن الوطن يقترب والأهل يقتربون معه وتلتف حولي ذكرياتهم الحلوة…)
(عزيزي ثائر : هل قرأت مجلة (الكرمل) وهل لديك عدد منها؟ منذ فترة وأنا أبحث عنها ولا أحد من اخواني أهدى إليَّ عددا منها وكذلك ما زلت أبحث عن مجلة (الطريق) اللبنانية. ولو كان بريد بيروت مضموناً لاشتركت فيها، ويوم كنت في العراق وبرغم سوء الاوضاع لم يتعذر علي الحصول على أية مجلة أو كتاب ولكن المصيبة أن هذا المنفى لا يستقبل أي كتاب جديد أو أية مجلة غنية بالفكر والأدب وهكذا أقضي أيامي في وحدة قاتلة تزيد باحساسي بالغربة ..)
(قريباً ألتقيك وأرجو أن تكون بانتظاري في المطار ولعل الربيع بكر في هذا العام فاخضر ذلك العش الذي كنا نلوذ به كلما اضطهدتنا الغربة والوحدة .. هل تزور أهله الذين لا يغيب من سمائهم القمر .. سوف أقضي كل أيامي معهم ومع صخورهم وطيورهم وأرى كيف تزهر أشجار الكرز..)
ولد الأديب عبد الغني الخليلي في مدينة النجف عام 1925 ، عُرفت أسرة الخليلي التي سكنت النجف في أواسط القرن الثامن عشر ، بحبها الشديد للفكر والأدب ، ومنها نبغ مشاهير في العلم والأدب والشعر والصحافة، بل والكفاح الثوري ضد الظلم والاستبداد، منهم القاص جعفر الخليلي والشاعر الناثر عباس الخليلي، وكانت مدرسة الخليلي منارة للعلم والمعرفة حيث خّرجت علماء وأدباء ومثقفين تتلمذوا على أيدي أساتذة كبار مثل حسين مروة ومحمود الحبوبي ومحمد جمال الهاشمي وغيرهم.*
عَرفْتهُ من خلال كتاباته الرائعة ، في مجلة الثقافة الجديدة الذي يصدرها الحزب الشيوعي العراقي ، وهي منبرُ فكري كبير ، حيث دأب على الكتابة في هذه المجلة اليسارية ، في الثمانينات من القرن الماضي وربما قبل ذلك ، أتسمت كتاباته بمتانة أدبية مميزة ، وإحساس مرهف ، كان غالبا ما يتحدث عن ذكرياته في النجف ، علاقته بالأدباء والأدب ، وعلاقة أسرته بهذا الوسط الثقافي ، تسحرني كتاباته في أجوائها الممتلئة بعبق الماضي ، ودف الذكريات ، وحنينه وحبه الشديد لوطنه العراق وأدباؤه وأنهاره ، كلما أقرأ ما كتبه عن تلك الأيام في مدينته ، فانه يحملني في بساط سحري جميل ، فيطير بي فوق العراق ، فوق مدينته الحلوة ( النجف) ، في تاريخها السياسي والديني والثقافي العريق ، ليطل على مئاذنها وقببها التي يحن إليها، وينوح مثل نوح الحمام ، وفي سنواته المبكرة أحب الشعر و الكتابات الأدبية ، قرأ كثيرا للمتنبي وأحب ابن عربي ، وحفظ ديوانا كاملاً للجواهري ، وعن علاقته بالشاعر ألجواهري يقول
-”علاقتي بالجواهري قديمة فعائلتانا كانتا متجاورتين ، أذكر محمد ألجواهري عندما كنت في الثانية عشرة من عمري ، كنت أزور عمي الطبيب محمد الخليلي حيث كان يقيم في الكوفة ، وكان ألجواهري يعمل أستاذا للأدب العربي في ثانوية النجف ، وكان بيت عمي مرتاد الأدباء والشعراء النجيين وغيرهم”.
وأما الجواهري الخالد فقد خَصَّهُ بقصيدةٍ جميلة منشورة في المجلد الرابع من ديوانه وكانت قد نشرت في جريدة اليوم اللبنانية 27/2/1968:
” أبا الفرسان انك في ضميري
و ذاك أعز دار للحبيبِ
وبي شوق إليك يهز قلبي
ويعصره فيخفق بالوجيبِ
وذكرك في فمي نغم مصفى
يرتّل في الشروق وفي الغروبِ
سلام الله يعبق بالطيوب
على ربعٍٍ تحل به خصيبِ
ثري بالمفاخر والمزايا
تورثها نجيب عن نجيب
أبا الفرسان إن عقّت ديار
عقدت بها شبابي بالمشيب
وذوّبت الضلوع على ثراها
ولم أطلب بها اجر المذيب
فلا عجب فقلبي ضاق ذرعا
بخير الناس احمد والحبيب
فذياك استبيح دما وعِرضا
وذاك قضى بها نحب الغريب
وسيم البحتري الهون فيها
وغص بحسرة الترب الحريب
على حين استباح الغر فيها
بقايا السيف والسلب الجليب
أبا الفرسان لاعجب بانا
نؤدي فدية البلد العجيب ِ”

تأسست أفكاره الأولى ومنطلقاته الفكرية من واقعه الاجتماعي النبيل ، فقد عاش الأديب الخليلي في أسرة أدبية طيبة ، شرب من ماء طيبها وأدبها ، وتربى على حب الناس والأدب والشعر ، يتحدث عن طفولته وذكرياته الأولى مع مدينته وبساتينها وأدباؤها ، ينابيع معرفته.
“وكنت قضيت طفولتي بين أفياء تلك البساتين بصحبة مجموعة من أدباء المدينة ، كان من بينهم خال أبي الميرزا محمود الخليلي والشيخ جواد الشبيبي وحيدر الحلي وجعفر الحلي ورضا الموسوي وباقر الهندي والشيخ هادي كاشف الغطاء وغيرهم.”
من هذه البيئة الصافية الطيبة ، وفي مدينة النجف التي رأى فيها وهو ابن الثانية عشر ، صفوفاً من جنائز الشهداء التي وضعت في ضريح إمام الشرفاء علي (ع) ، كي تدفن إلى جواره ، كَتَبَ عن تلك الأيام المزدحمة بالآلام ، ولكن كتاباته لم يقدر إن ينشرها
– ”لا، أبداً لأن ماكتبته لم تكن لتسمح به الرقابة ، فكانت كتاباتي لاتخلو من السياسة والإشارة إلى الاضطهاد الذي كان يعانيه الشعب من الحكم الملكي آنذاك ، أتذكر وأنا في الثانية عشر من عمري وربما أكثر بقليل عندما خرجت من بيتي في حي العمارة إلى صحن الإمام علي ، عليه السلام ، فوجدت الصحن غابة من الجنائز، صفوفا ممتدة حتى باب السلام، ثم ذهبت إلى والدي فوجدت عنده علي الشرقي وإبراهيم الوائلي والزعيم عجمي أبو كلل يتحدثون عن مجزرة في الجنوب، في أطراف الرميثة، قام بها رشيد عالي الكيلاني وهذه الجنائز كانت ضحايا المجزرة ، كان من بينهم مئات الأطفال ، هذه الحادثة دونتها ، وهي مازالت تثير الرعب في نفسي كلما تذكرتها ، وأنت تعرف إن هذه وأمثالها كثير ترعب السلطة الحاكمة آنذاك”.*
شهداء من فلاحي الوطن قتلتهم بنادق الحكم الملكي ، كانت تلك صدمته الأولى التي رسخته في طريقه ، حيث انتصر للفقراء والشرفاء ، ووجد في اليسار فلسفته للخروج من محنة الظلم والفقر والقسوة ، فاختط طريق الناس ودرب الفقراء الذي اتصف العراق بهم ، فبفضل حكامه أشتهر العراق بالفقراء منذ الولاة الأمويين والحكام العباسيين حتى الولاة البريطانيين والأمريكيين .
وكما يقول السياب ما مر عام والعراق ليس فيه جوع.
بدأ كتاباته الأولى في مراسلة الأدباء والكتاب ، حيث كان الخليلي مولعا ً، ومنذ صغره بكتابة الرسائل ، كان يراسل شخصيات ثقافية وأدبية عربية وعراقية كثيرة.. وفي إحدى المرات كانت قد وصلت له رسالة من الشاعرة مي زيادة عنونتها إلى الأخ الشاعر الكبير عبد الغني الخليلي يقول ، في آخر مقابلة أجريتها معه ، انشرها هنا لأول مرة ، إن هذه الرسالة أطْلَعَ عليها عمه الكاتب جعفر الخليلي فكتب إلى زيادة يقول إن الأخ الكبير عبد الغني الخليلي ليس سوى صبياً لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.*
لقد برع الأديب عبد الغني الخليلي ، في ميدان أدبي ، عرف بأدب الرسائل ، وله كتابات كثيرة في هذا الميدان .
“أهتم الخليلي كثيرا بهذا اللون من الكتابة أو مايسمى بأدب الرسائل. وعن سؤالي له عما تعني إليه تلك التي الرسائل التي كان يدونها قال إنها تعني له الكثير. ”إنها تعني لي المحبة التي تربطني بأصدقائي ، خاصة وان كانوا هؤلاء بعيدين عني.. لكني كنت أراسل حتى الذين يسكنون على مقربة مني ، في مناطق قريبة من منطقتي التي اسكن بها”.*
نظم الشعر وهو دون العشرين من عمره العطر ، وكان يحلم إن يكون شاعرا كبيرا .
-” كان لدي ديوان معداً للطبع بحوالي أكثر من ألف وخمسمائة بيت ، وكان لي صديق محامي يدعى حسن الحكيم كان يحفظ مانظمته من أشعار ، ولا اعلم إن كان هذا الشخص على قيد الحياة، بعضاً من تلك القصائد نشرتها في صحيفة ”الغري” النجفية.
غادر النجف أواسط الأربعينات ليعمل معلماً في مدينة الكاظمية ، ثم فصل من التدريس بسبب نشاطه السياسي ، ثم عمل في مطبعة الزهراء التي يملكها عمه ، ثم في مصرف الرافدين عام 1954 حتى أحيل على التقاعد عام 1976 ، وقد بلغ ماكتبه الألفي صفحة ، صادرها منه نظام صدام ، حين داهموا بيته ونهبوا كل محتوياته ، وذهبت مخطوطاته بين أيدي ذئاب صدام ، فحُرم القارئ من كتابات وذكريات ، كانت سترفد مكاتبنا بنتاجه الخصب الثري ، كانت كتاباته تاريخ سياسي ناصع ، مكتوب بلغة النثر تتعشق فيه روح شعرية وتعطره نفسُ شاعرية شفافة ، اقتلعوا هذه النخلة العراقية وداسوا ثمارها ، ورموها على حدود الوطن ، منتزعين هويتها ووثائقها ، معتقدين إن الوطن هو وثيقة يمنحها موظف حكومي ، وكما نعرفهم فهم جهلة أغبياء ، متسلطون ، قدموا من إطراف الصحراء ، أشباه أميين ، لايجيدون سوى الضغط على الزناد ، ميزتهم الوحيدة هي الغلظة والفضاضة ، عُرفوا بطباعهم القاسية الفظة التي صنعتها ، ريح الصحراء الصفراء المغبرة ، حكموا مدن سومر وبابل ، وهم نفايات الصحراء ومخلفاتها .
تعرض لمأساة التهجير التي يندى لها جبين البشر ، وقد بكيت مراراً هؤلاء المهجرون من أبناء وطني ، رغم إني غريب مثلهم ، أتنقل بين المعامل والورش حيث أتعرض للطرد على خلفية معتقدي وانتمائي ، ابحث عن لقمة خبز مرة ، في هذه الغربة القاسية ، والتي وجدت حتى السجن أهون منها ، بكيت هؤلاء المهجرين واعتصر قلبي ألمُ شديد وحزن كبير، حين وجدت رجالاً كباراً ، صودرت ممتلكاتهم وأموالهم ، وانتُزع منهم أبنائهم الشبان ، ورُموا في السجون ثم عرفنا بعد سقوط الطاغية صدام أنهم أُعْدُموا ، أصبح هؤلاء الرجال والمسنون مسؤولون عن إطعام أسرهم ودفع إيجارات السكن الغالية ، حيث تعرضوا لاستغلال المالكين ، فلم أجد أذىً وألماً وبؤساً مثل ذلك ، يتحدث الخليلي عن رحلة التهجير الظالمة ، ففي وصفه لرحلة التهجير السيئة الذكر وهو يسير بين الأدغال حاملاً أمه على ظهره لاينسى الخليلي ذكر الربيع الذي بدأ ” يفرش الوديان والجبال والسهوب ، بالأعشاب البرية ، فخفقت أولى وريقاتها الخضر، وتغلغل الدفء إلى عظام أمي التي مسها البرد، وأضناها التعب ، فتململت بحركة شفتيها تطلب مني شيئاً من الطعام ، إذ ألحّ عليها الجوع ، فمنذ ثلاثة أيام ، لم تذق خلالها طعاماً ولاشراباً ، سوى جرعات من ماء المطر المتجمع في الحفر، كنت أغرفه لها بيدي فتشرب.. وبينما كنت أبحث لها عن أعشاب ندية في مساكب الخضرة يمكنها أن تسد بها جوعها عثرت على الخباز البري، وحين عرفت أنها تعجز عن مضغه ، رحت أمضغه لها وأدسه في فمها .
وفي عقد الثمانينات ، عاش في دمشق عدة سنوات ثم غادرها إلى السويد ، التي أعطته ماحرمه الحاكمون في وطنه ، الأمان والمواطنة ، فأخذ فرصة من الهدوء والاستقرار ليكتب كتابه اللطيف الشفاف ، سلاما ياغريب ، المكتنز بعطر الذكريات ، المكتوب بلغة أدبية غاية في الثراء والخصوبة ، جزلة وحلوة المذاق ، متينة ورصينة ، عبرت عن مخزون طافح ، من قراءات نابتة في جذور نفسه الطيبة ، التي شبت على حب الأدب والناس ، لتقدم ملكة أدبية نفيسة ، غيبتها سنوات العسف والظلم وقائمة الممنوعات بحق الكتاب الثوريين ، أخذ يستجمع ذاكرته التي ارهقها الظلم والإرهاب ، مستذكراً أحبته في الوطن ، ابنه فارس ، فبدأ يكتب حنينه ، حبه ممزوجاً بحزن عراقي متجذر في النفوس المرهفة .
“كان الخليلي كلما خيم عليه ظلام ستوكهولم في نهاراتها الشتوية ، التجأ إلى دفء ذاكرته ، بشمس العراق وهديل حمائمه ، وكثيراً ماتمنى لو أنه عاد إليه ، رغم انه كان يخشى إن يكبر حزنه إن تنكرت له نخلته العزيزة يوم يعود ، ثم يستدرك: ”لكن من يدري، ربما أجدها مثلي وحيدة وقد خط الشيب ضفيرتها ، ونأى عنها الجيران ولم يعد القمر ينثر عليها فضته ويسهر عندها في الليل…”*
غير انه سرعان مايصحو من حلم يقظته فيتألم لما أصاب الوطن “ويخشى إن يراه مظلما ، ليس كما في صورته التي يحملها عنه كل هذه السنين العجاف، لكن لو تفتح أبواب الوطن وأعود إليه ، فلن أرى نجمة الصباح تتألق خافقة في زرقة السماء. فسيحجبها عن عيني دخان الحرائق ودموع الثكالى..”
ذات يوم من أيام غربتي الطويلة ، كنت أسير برفقة صديقي الغالي ، شوان جعفر نوري وهو احد الشباب المهجرين الذي نجا بقدرة قادر من الاحتجاز في سجون صدام ، كنا نتمشى في شوارع حلب ، استوقفنا معرض للكتاب ، فاشتريت نسخة من كتابه ، سلاما ياغريب ، قرأته بلهفة ، كان قطعة نفيسة من أدب الذكريات ، تحدث فيها عن ذكرياته مع الجواهري ومهدي المخزومي ورحلاتهما ومشاركاتهما في مهرجانات المربد الشعرية ، حيث ربطته علاقة وثيقة بأدباء العراق وكتابه ، ومنهم الناقد الدكتور علي جواد الطاهر.
تحدث في كتابه سلاما ياغريب الذي صدر الجزء الأول في السويد والثاني من دار المدى في دمشق والتي أسسها الأستاذ فخري كريم ، هذه المؤسسة التي دعمت الكتاب والأدباء اليساريين ورعت الثقافة بشكل عام ، تحدث عن أيام صباه ، داره ونخلته الشامخة ، جيرانه ، المئاذن والقباب ، وهدير الحمام .
لم يفتقد روح الشباب رغم السنوات المُرَّة ، والخطوب الجِسام ، فهو كما سماه الشاعر مصطفى جمال الدين شيخ الشباب ، كان يحلم إن يرى نجمة الصباح تتألق خافقة في زرقة السماء التي تبتهج نفسه ، حين تراها تلمع فوق المئاذن الجذلة بأنوارها الذهبية ، كأنها نقطة فضة في صحن من ذهب ، هذه الصور لازمته في يقظته وأحلامه ، كنت أتمنى إن نعود لنراها معا بعد زوال دولة الظلم الصدامية.
صُدمت برحيله حين غادر عالمنا المزدحم بالآلام والأحزان ، الممتلئ باللصوص والدجالين والمدعين والحكام الظالمين ، رحل إلى نجمته التي أحبها كي يعيش في عالم أبهى وأرق ، في يوم الجمعة ، الخامس عشر من تشرين الثاني عام 2002 ، محمولاً على أكتاف محبيه ، نحو مقبرة في شمال العاصمة السويدية ستوكهولم ، حيث يوارى ثرى ارض غريبة ، بعيداً عن مدينته التي ولد فيها ، وعن كثيرٍ من أحبته الذين حلم برؤيتهم ، تاركاً كثيراً من الأمنيات اًلتي لم تتحقق ، رحل قبيل الفجر بلحظات ، الفجر الذي سهر لأجله سنوات طوال ، كي يرى نهاية الطغاة الذي فتكوا بالعباد وسرقوا رغيف الجياع ، والذين حولوا ليل العراق إلى طقس للموت والعذاب على ايقاعٍ ورقصٍ غجري بليد .
كنت أتمنى إن أكون هناك لأحمله على راسي ، بعد إن كنت أتمنى إن نعود سويةً ، ظافراً برؤية عراق حر ديمقراطي ، كتبت عن ذلك في مجلة رسالة العراق التي يصدرها الحزب الشيوعي العراقي في الخارج أيام الحكم ألصدامي ، بعد سماعي بخبر رحيله ، حيث كنت احلم بأن احمله على ظهري إن عجزت إقدامه ، كانت هذه عندي لحظة انتصار ضاعت ولم تتحقق .
وفي فترة مرضه رقد في سريره متعباً ، بعد إن عانى وحدة كبيرة بعد رحيل شقيقه علي الذي كان سلوته الوحيدة والأخيرة ، أقعده المرض حيث اصابته جلطة دماغية ، أضرت بذاكرته التي احتوت كنوزا من الأدب ومن الذكريات الجميلة .
كتب له الشاعر العراقي خلدون جاويد هذه الأبيات ، وقد ربطتهما ، علاقة صداقة طيبة
قم ياغني الليل زائل
والسجن حّطم والسلاسل
ولربما المنفى الكسير
إلى المزار الأُم راحل
قم ياغني لعلنا
متنسمين هواء بابل
وعسى الجنائن أورقت فرحا
وغرّدت البلابل
قم ياغني لنحتفي
بك كالأزاهر بالجداول
قم فالبلاد على شفا الطوفان
تجرف كل قاتل
قم ياغني لنغتني بك
بالمنابع بالمناهل
يابن الفرات الفذ لا
تذبل فما الجوري ذابل
يازهرة النجف المنيف
أريجك العلوي حافل
ياغصن أجمل كربلا
في الكون يانفح الخمائل
قم يابن أزهى كعبة للعلم
يالغة الفطاحل
تربطني علاقة مميزة بأسرة الخليلي ، والتي لها فضلُ كبير علي ، حيث أنقذوني من الضياع في الصحراء أثناء هروبي من العراق ، ومن المكوث في السجن طويلا ، حيث طلبوا من الجواهري التوسط لإخراجي منه ، تربطني علاقة قديمة ومتينة مع هذه العائلة الرائعة ، فقد سكن فرع من هذه الشجرة الطيبة في مدينة الحلة ، حين قصدها المرحوم محمد حسين الخليلي مع بعض من أقرباءه ، فكانت عائلته ، بقعة لامعة في المجتمع الحلي ، حيث امتازت بالطيبة والإيثار والتفاني من اجل الآخرين وخاصة المظلومين ، وانخرط كثيرون منهم في حزب الفقراء ، الحزب الشيوعي العراقي ، تعرض بعضهم للاعتقال السياسي ، وتعرضت الأسرة لتهجير عنصري طائفي ، دشنه العفالقة ضد أبناء وطننا ، وأُعتقل احد أبناء الأسرة ، الأخ فارس ، وأُعدم في نقرة السلمان التي أعادها للعمل الطاغية المقبور ، وقدمت الأسرة بطلاً أخر ، الأخ فاخر، الذي استشهد في جبال كردستان في حركة الأنصار في نيسان عام 1983 ، وهو يسعى ، إلى اقتلاع أفاعي الصحراء المتحكمة ببلد الحضارة ، وقد كان فاخر نموذجاً نادراً للتضحية وحب الناس ، وخاصة الفقراء ، ورمزا للوفاء ، ربطتني معه إخوة لن يطفئ جذوتها الزمن ، وتظل لهفتي وحزني عليه ، ترافقني حتى نهاية العمر ، وعندما أطيل النظر في صورة عبد الغني الخليلي ، أرى الشهيد فاخر الخليلي وقد امتد به العمر.


كثير من النصوص والمعلومات أخذتها
* من مقالة الأستاذ طالب عبد الأمير بعنوان “في رحيل الأديب عبد الغني الخليلي “